العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

المجتمع المدني: الحلقة المفقودة

علوان أمين الدين
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

في خضم الواقع الذي نعيشه اليوم -وخصوصاً بعد الحرب الأخيرة- من وضع سياسي غير مقبول بشكل عام وإعتبار الأغلبية من الشعب اللبناني له بأنه إنحطاط في الممارسة والأداء والخطاب السياسي لم يشهد له لبنان مثيلاً من قبل، وفي ضوء جو شعبي مشحون يسوده التوتر والإحباط والإضطراب، وفي ظل غياب دور الأحزاب السياسية بوصفها أداة للتغيير والتطوير وإبتعادها عن المبادئ السامية التي وضعتها وحاجتها إلى إصلاح جذري واسع، يبقى الأمل معقوداً على حلقة مفقودة هي هيئات المجتمع المدني ودورها في جمع ما تفرقه السياسة.

 

في مناخ ليبرالي منفتح يسود لبنان، تستطيع هذه الجمعيات الأهلية أن تخترق هذه الحواجز التي تقف عقبة أمام تطور الوطن وإزدهاره لبناء جيل جديد يساهم في البناء الإنساني والعمراني بشكل متواز وتدمج كافة طبقات وفئات المجتمع في بوتقة واحدة، فتساعد على إنصهارهم وتضع الوطن كأولوية على برامج عملها وتبتعد عن الزواريب الضيقة التي كثيراً ما تودي إلى طريق مسدود.

 

يجب أن تقوم الجمعيات الأهلية (من روابط وأندية وتنظيمات مختلفة الأهداف) بإحداث تغيير جذري في أدائها عبر إعتماد إستراتيجيات جديدة لتحقيق أهدافها بما يخدم مصلحة الوطن العليا. وتكمن هذه التحولات في أمور عديدة، أهمها:

1. جعل الشباب العنصر الأساسي في تركيبتها (من هيئة إدارية أو جمعية عامة) وتحميله المسؤوليات ومنحه حق الحرية في القيام بها مع الإحتفاظ بحق الإشراف والتوجيه مما يساعدهم ويدربهم على القيام بأعباء عامة وطنية مستقبلاً.

2. إدخال العنصر النسائي إليها، الأمر الذي يزيد من نوعية العمل وجودته وتنوعه.

3. أخذ الآراء والمقترحات الهادفة والمقدمة من أي جهة متى كانت تصب في المصلحة العامة مما يؤدي إلى التواصل الدائم وتشجيع أصحاب الأفكار إلى تقديمها كونها ستلقى ترحيباً وقبولاً من قبل مُتلقيها.

4. إبعاد السياسة عن التدخل في تشكيلها وإدارتها، ولكن هذا لا يعني عدم دخول أعضاء حزبيين إليها، ولكن المهم أن يكون همَّها الأساسي هو تقديم مصلحة البلدة أو المنطقة الموجودة فيها على المصلحة الحزبية إذا ما خالفت المصلحة العامة. عندما يتحقق صالح المنطقة التي توجد فيها الجمعية تتحقق المصلحة الحزبية معها بشكل تلقائي حيث أنه لا يوجد أي حزب لبناني يرى في القضاء أو في ضرب مصلحة الوطن هدفاً من أهدافه. فليس المهم منْ يُنجز العمل، ولكن المهم هو إنجاز العمل هذا إذا كان المطلوب بناء الوطن على قواعد وأسس سليمة.

5. ضرورة قيام الجمعيات بحملات وندوات ثقافية وإجتماعية من أجل توعيه الناس وتبديد الكثير من الآراء القديمة وغير العصرية عندهم عبر طرح المواضيع بموضوعية وشفافية وبحث الأمور المشتركة المتوافق عليها -أولاً- من قبل الأغلبية العظمى من المواطنين.

6. السعي إلى إنشاء إتحاد ما بين هذه التنظيمات سواء التي تقع ضمن طبيعة جغرافية متجانسة أو التي تهتم بنفس المواضيع، والإنطلاق من واقع إقليمي محلي إلى نطاق الوطن ككل، وهذا ما يساعد على كسر الحواجز بين مختلف المذاهب والطوائف والمناطق ويصبح الوطن هو الهدف الرئيسي والقريب بين وجهات نظر الخصوم والتخفيف من حدَّة التوترات العصبيات القبلية أو الطائفية والمذهبية أو المناطقية.

7. التنسيق مع منظمات إقليمية وعالمية في بلدان مجاورة وبعيدة تهتم بنفس النشاطات (وهذا ما تقوم به بعض الجمعيات) من خلال تبادل الآراء والمشورات والخبرات والدراسات وتطبيق ما يتفق مع واقعنا، فتتجاوز النطاق الحدودي الذي غالباً ما يمنع الشعوب من التواصل في ظل أنظمة تخاف من تمدُّد الروابط بين شعوبها. هذا بالإضافة إلى الإنفتاح في عصر تسوده العولمة التي يجب أن نستفيد منها إيجابياً لتعريف العالم -خصوصاً في هذا الوقت بالذات- على الحضارات العربية والقيم الأساسية التي ترتكز عليها، في حقبة حرجة نحن فيها بأمس الحاجة إلى حوار ما بين الحضارات، هذا من ناحية. أما من الناحية الثانية، فمجتمعنا بحاجة دائمة إلى التطور ومعرفة الأسس التي تقوم عليها مثل تلك الجمعيات والإستفادة من تجاربها ومحاولة تطبيقها بالقدر الذي يناسب مجتمعاتنا وبيئتنا. هناك بعض الجمعيات غير اللبنانية أثبتت نجاحها في كثير من المجالات وعلينا الإستفادة منها.

 

 قد يكون ما طُرح خيالي أو بعيد المنال إلى حد ما، فهذه الطروحات قد تحتاج إلى سنوات أو ربما إلى عقود من الزمن. ولكن هذا غير مهم، المهم أن نبدأ. وكما يقال فإن خطوة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. هذا هو سبب تطور المجتمعات المدنية والسياسية الغربية -بشكل خاص- حيث تقوم بالتخطيط لسنوات عديدة وبعيدة، أما في دول العالم الثالث أو المتخلف فالهمُّ الوحيد هو أن يجنوا ثمار النجاح عند غرس الجهود أو بعد ذلك بحين خوفاً من أن تفوتهم الفرصة أو أن يجنيها غيرهم من الأجيال المقبلة ونسب هذه الإنجازات لهم، وإذا لم يستطعوا ذلك كان العمل الذي وضعوا أُسسه معترياً الفشل، وهذا من أشد أسباب التخلف الذي نتخبط به. ويقع على الدولة دور مهم من خلال دعم وتنشيط عمل هذه المؤسسات بتقديم التمويل اللازم وإبعاد السياسة عن التدخل أو التحكم بها من خلال أموال الدولة والمحسوبية والمصالح الإنتخابية الضيقة وذلك من أجل النهوض بمؤسسات المجتمع المدني، كما على الدولة الإسراع في إنجاز قانون جديد وعصري الأحزاب كي يستطيع المواطن إعتبارها ضمن هذه البوتقة أي مؤسسات المجتمع المدني.

 

المهم أن نبدأ ولكن من الأهم أن نعرف أين نبدأ وكيف نبدأ؟

   

 علوان نعيم أمين الدين