العدد العشرون - آذار 2007

الفنان والفيلسوف والحياة العصرية

برباره بوهاك
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

كتب شارل بودلير عام 1859 نصاً رئيسياً حول العصرية جدّد فيه تعريف الجمال. ورغم ان المقصود في هذا النص "قسطنطين غي Constantin Guys" وهو رسام فرنسي غير معروف، لكن يبدو انه مصاغ للجمال عند "مانه Manet".

هل بودلير هو فيلسوف؟ إنه ليس كذلك بالمعنى المهني. لكن لماذا لا نسمي فيلسوفاً من يصطنع مفهوماً جديداً ويستخدمه ليقوِّض أسس تراث فلسفي راسخ؟

لهذا المفهوم عند بودلير اسماً: العصرية، والترسانة النظرية التي يهاجمها هي التراث الأفلاطوني الذي يجعل من الجمال فكرة أزلية مطلقة موجودة بذاتها مستقلة عن الأشياء المادية المحسوسة.

 كانت "عبادة الصور" بالنسبة إلى بودلير هي "هواه وشغفه الأعظم والأوحد والفطري". فهو يهتم بالعلاقات بين الفن والحياة العصرية منذ أن قامت صالات 1845 و1846.

لكن اكتشاف رسّام قليل الشهرة وهو "قسطنطين غي"، دفعته إلى صياغة فكره فلسفية، وكأن المنظور قد ايقظ عنده ابليس النظرية (إذ انه قد تأمل عند "غي" لوحات عديدة حيث اشترى منها المئات). فكانت النتيجة بحث بعنوان "رسّام الحياة العصرية" الذي أهداه أساساً إلى أعمال "غي".

لقد نفذ الفنان رسومه بالحبر والتصوير المائي، وفوقها ظلال بالألوان المائية، حيث تبدو وكأنها اقرب لمخطط يعطي نظرة إجمالية للمشهد. فهو يقدم مشاهد من الحياة اليومية، او من الدهماء في الشوارع، او من اجتماع نساء أنيقات وحسناوات وأماكن اللهو حيث تتواجد بنات الهوى. نجد أيضاً مشاهد من الحياة العسكرية، ومراحل من حرب القرم او من ثورة 1848 كان قد تم رسمها لـ"صحيفة لندنية". فانطباع الحياة الملتقطة بشكلها المعاش، وتصوير الروائع من الدُرجات، والسلوك والمواقف التي تعطي حيوية لهذه الاعمال، قوّت عند بودلير القناعة بان العابر هو أبعد من أن يكون أمراً سطحياً، بل هو عنصر مكوِّن للجمال.

في المفهوم الافلاطوني للجمال، يُعتبَر ان البعد العابر والطاريء للأشياء الجميلة يبعدها عن فكرة الجميل، ويحولها إلى ظلال عبثية للمفهوم. ولمواجهة هذه المقولة ونقضها، أعدَّ بودلير: "نظرية عقلانية وتاريخية للجمال": الجميل نفسه (وليس الشيء الجميل الذي لن يكون سوى ظل للجميل) يشكل بنظره مزيجاً غير قابل للانفصام بين عنصر ازلي وعنصر عابر.

يسمّي بودلير العنصر العابر:"العصرية"، صانعاً من هذا التعبير الجديد مقولة فلسفية ذات معنى كلي، إذ بالنسبة إليه لا تقتصر العصرية على الحاضر فقط: إنها وجدان الحاضر بصفته الراهنة، او الحاضر كتاريخ في طور التشكل. يستتبع المفهوم البودليري علاقة نسبوية تاريخية للجمال، والتي لا تتساوى مع النسبوية الشمولية.

ففكرة ان لكل عصر مفهومه الخاص في الجمال قد أخذت طريقها إلى الظهور منذ بداية القرن التاسع عشر. وبودلير هو أول من استند إليها ليعيد مفهوم الجمال. 

إذا كان "رسّام الحياة العصرية" ذا أهمية تاريخية كبيرة، ذلك لأنه ذو قوة نظرية ولأنه يُحدِّد ويُعرِّف خطاً سلكه عدد كبير من الفنانين، بدءاً من "مانه Manet" رائد الانطباعيين، ورسام الجماهير بألوانها المبرقشة في التويلوري Tuileries ، وفي بار الفوليبيرجير، او في بال الأوبرا، حيث يبدو وكأنه قد وضع إنتاجه في خانة هذه العصرية التي يسميها بودلير "ذاكرة الحاضر". وهذه مسألة أحزنت الكثير من القرّاء الذين تساءلوا: لماذا اختار "غي Guys" الذي تظهر موهبته قابلة للجدل، ولم يختر "مانه Manet" الطليعي وباعث ثورة في الرسم والتصوير؟

لأنه عندما صاغ بودلير بحثه عام 1859 - 1860 لم يكن ليعرف من "مانه" سوى أولى لوحاته، الملهمة من الكلاسيكيات الإيطالية والاسبانية، وليس المشاهد الحضرية والمعاصرة مثل "الموسيقى في التويلوري 1862" او "سكة الحديد 1972". هل كان ذلك سبب إضافي لعدم اضافة اسم "مانه" طالما أن البحث لم يتم نشره إلا عام 1863؟

لقد حسم بودلير الأمر لصالح "غي" الذي كان فنه بنظره أصلح لإبراز عنصر أساسي وهو الحالة العابرة للعصرية التي لا تفتأ تفلت منا.

"هنا مناسبة جميلة، في الحقيقة، لإقامة نظرية عقلانية وتاريخية للجمال، متناقضة مع نظرية الجمال الوحيد والمطلق، لإظهار أن الجمال هو دوماً مزدوج التكوين بشكل ٍ لا مفر منه، مع أن الانطباع الذي يُحدثه هو واحد. [...] الجمال مصنوع من عنصر أزلي، ثابت، حيث من الصعب جداً تحديد كميته، ومن عنصر نسبي ظرفي، يتكوّن من العصر، والدُرجة والأخلاق، والهوى، وذلك باجتماع هذه العناصر أو بتناوبها دورياً. لكن دون العنصر الثاني الذي هو بمثابة الإطار المرح، والمدغدغ والشهي، يصبح العنصر الأول غير مقبول ولا يمكن تقييمه وغير متكيّف ولا ملائم للحياة البشرية. أتحدى واراهن كائناً من كان إن عثر على أي عينة من الجمال لا تحتوي هذين العنصرين".

  

 ترجمة الدكتورة ماري شهرستان