مفهوم عفلق للعلمنة

العدد 4 - تشرين أول 2005 : د. ميشال السبع
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
سئل عفلق مرة كيف يوّفق بين الموقف الإيجابي من الدين وعلمانية البعث. فماذا كان جوابه؟ قال إن في تراث الحزب إشارة إلى هذه المسألة، لكنها قد لا تكون كافية، فحين ظهر البعث كانت هناك دعوات واتجاهات تقول بالعلمانية، وتعتبر أن القومي العربي هو الذي يتجرد من معتقداته الدينية، ويلتقي مع أخيه العربي على صعيد القومية العربية الحقوقية والرابطة الوطنية، وكان لهذا المذهب رواج كبير بين الشبيبة المثقفة، غير أن البعث لم يستسغه، ولم يخدع به، وعده في أحسن الحالات سطحياً جامداً، لا يعبر عن الروابط العميقة التي تربط العربي بقوميته.

وكانت هذه الدعوة يومئذ عرضة للشبهات، لأن المستعمر الغربي الذي كان يحتل أقطارنا، لم يكن يخفي ارتياحه لهذه العلمانية، بل كان يشجعها، لأن ذلك يؤدي إلى إفقار قوميتنا من دمها ومن أصالتها وروحها، لذلك كان أول ما تصدى له الحزب في بدايته هو هذه القومية المجردة. وهنا يذكر الأستاذ سائله ببعض ما قاله في ذكرى الرسول العربي عن تلك القومية التي تردنا من الغرب، ويشير إلى الفارق بين قوميتنا والقوميات الغربية، مؤكداً أن الإسلام هو تاريخنا وهو بطولاتنا وهو لغتنا وفلسفتنا ونظرتنا إلى الكون..

وفي توضيح آخر لمفهوم العلمانية، ذكر الأستاذ ببعض ما قاله من قبل معلناً أن العلمانية بمفهومها الذي كان رائجاً في بداية الأربعينات سواء في الأوساط القومية المتأثرة بالثقافة الغربية، أو في الأوساط المتأثرة بالماركسية، العلمانية في ادعائهم، تعني التحرر من الدين، الإهمال لكل ما له علاقة بالدين والتراث، لكي يلتقي المواطنون على صعيد واحد وأمام المفهوم القومي، أو أمام القومية أو لكي يلتقي المواطنون على صعيد واحد أمام المفهوم القومي، أو أمام القومية أو الوطنية وتعليل ذلك عند الأستاذ تعدد الأديان والمذاهب في الوطن العربي بعامة، وفي أقطار المشرق بخاصة، وثمة مصارحة بعد ثلث قرن، فالأستاذ ضمن حديثه المطول، في ذكرى الرسول العربي عصارة أفكاره، وأبرز ما فيها النظرة الجديدة إلى التراث ورفض التجريد في القومية العربية أو فكرة الانتماء.

فالعلمانية في رأي عفلق، هي شطب للتراث، وللثورة العربية والنضال الثوري، إنما ذلك لا ينفي تساوي المواطنين في الدولة العربية المقبلة في الحقوق والواجبات، من دون تفرقة في المذهب بين فئة وأخرى، ومفهوم العلمانية هذا الذي كان خطوة تقدمية في وقت ما، أمسى عامل تشويه وخنق لانطلاقة الأمة الذي كان خطوة تقدمية في وقت ما، أمسى عامل تشويه وخنق لانطلاقة الأمة على المستوى الحضاري والإنساني. ويحصر الأستاذ ضرر هذا المفهوم في ناحيتين: الأولى طلبه من الاشتراكية الساحقة، وهي أكثرية مسلمة أن تنسى أو تغفل التراث القومي، تحت شعار جمع فئات الشعب وطوائفه على الصعيد الوطني، والثانية هي حرمانه الطوائف الأخرى (غير المسلمين) من التراث العربي الذي هو تراثها، وإبعادها عن تحقيق شخصيتها الكاملة، وتركها فريسة للأيدي والتوجهات الأجنبية.

يقال إن العلمانية تريد أن تبني مجتمعاً قومياً ودولة قومية لا تفرق بين مواطنيها، ولا تميز فئة عن أخرى، وتحترم حرية كل فئة ومذهب ومعتقد، فيرد الأستاذ متسائلاً: أتعني هذه العلمانية أن نجمع فئات متباينة في هذا المجتمع ونسميها أمة عربية؟ أم نحرص على خلق الانسجام الحقيقي العميق الانسجام الفكري والروحي في هذه الأمة.

وفي تفسير هذه الانسجام يقول إنه أساس تكون الأمة وأساس استمرارها، وأساس تطورها وعطائها ونحن متى وفرنا للمواطنين جميعاً تربية قومية توحدهم، لا يهمنا أن يكون هنا هذا المذهب، وهناك هذا الدين، وهنالك هذه الطائفة.

وإذ يُسأل عن دور الحزب في تحقيق الانقلاب العربي وعن موقفه من الدين بصورة عامة، يؤكد أن المشكلة الدينية من أبرز المشكلات في المجتمع العربي الحديث، ثم يتصدى للمسألة بجملة تساؤلات، جاء فيها: هل الدين شيء ثانوي مصطنع في حياة الإنسان والأمم؟ هل هو شيء عارض، ولو أنه دخل حياتهم منذ ألوف السنين؟ وزبدة أجوبة الأستاذ أن الدين موجود أبداً في صميم القضية العربية، وفي ضمير الموطن العربي. رأي عفلق في علاقة القومي بالدين يتضح أكثر فأكثر، وإن وقع في بعض التكرار أحياناً، يقول إن حركة البعث أعطت الدين دوره المشروع في حياة البشر وتاريخهم، وأعطت الإسلام الدين العربي، الدين الإنساني، أعطته المكانة الأساسية في تكوين قوميتنا.

فالإسلام هو التراث الروحي وهو الحافز للأمة، هو ملهمها ومرجعها الروحي، وهو الحركة الثورية المثلى في نظر البعث أما النظريات أو الأيديولوجيات الدينية فرأي الحزب فيها أنها لا تؤدي الغرض القومي، ولا توصل إلى نتيجة إيجابية.

وتصور البعث تصور كلي للحياة القومية، فهي في نظره تشمل كل شيء، والعقيدة الدينية داخلة في تكوينها دخولاً عضوياً، بيد أن الأستاذ يرفض الأيديولوجيات التي تفصل العقيدة الدينية عن العقيدة القومية والثورة القومية بكل متطلباتها، لأن هذا شيء مجزأ سطحي ولن يحرك القوى المبدعة في الأمة. وفي رأيه إن الحاجة إلى الدين عميقة وجوهرية في طبع الإنسان، وأن التدين قابل للتطور، أما الدين من حيث هو حاجة إنسانية، فخالد، ولقد نظر الحزب إلى تراثه الروحي من خلال الأمة العربية، وأعطاه المعنى الحي الثوري الذي يمكن أن يكون أساس الثورة العربية الحديثة. وهكذا يغدو الدين، في نظر الأستاذ الركن الأساسي في الحياة، الناحية الروحية، الأخلاقية نظرة الإنسان إلى الكون، فهذه كلها أمور متعلقة بالدين في بداية الإنسان ونهايته. وحين تنهض الأمة نهوضاً سياسياً واجتماعياً، لا بد أن تنهض نهوضاً دينياً وفي إطار هذه النظرة لا يعود ممكناً أن يبقى الدين وكأنه اختصاص جماعة، حلقات في المجتمع كما حل في أوروبا، وهكذا اصطفت حركة البعث من الدين الشيء الأساسي والجوهري فيه، وأدخلته الحياة القومية، من دون أن تجعل مهمتها مهمة دينية.

وآخر ما لعفلق في هذا الموضوع، ترداده بعضاً مما قال قبل زمن طويل فمن أجل قوميتنا، ولكي يكون مجتمعنا سليماً شددنا على ضرورة الدين، وأكدنا أنه حاجة ملازمة للنفس الإنسانية التي تلبي مطلباً عميقاً وأساسياً فيها، وأن الدين خالد وأن تكن أشكال التدين ومستوياته خاضعة للتطور، وهكذا كان الدين الحقيقة الإنسانية الثانية التي أكدها الحزب منذ بدايته، إن هذه الأفكار يراها (دندشلي) وكأنها بحرفيتها مأخوذة من (قسطنطين زريق) الذي يرى أنه على الرغم من أن العمل السياسي يحظى بأهمية كبيرة في المرحلة الراهنة من تطور الأمة العربية، إلا أنه لن يبلغ غايته المنشودة دون أن يرافقه صراع آخر اعنف وأعمق، صراع داخلي وروحي.

ـ فصل من كتاب يصدر قريباً بعنوان سعاده وعفلق في الفكر السياسي الأرثوذكسي