العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

أيها المسافر، لا تسافر

لين هاشم
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

اهداء: الى مسافر حمل في حقيبته ملامحي

بحر، كرسيان متلاصقان، طاولة مستديرة تحت كوبين من القهوة المثلجة، ومنفضة تركت فيها كل أفكاري، فالليلة ليس لي سواك. هذه المرة لا أريدك أن تتكلم، فلتحدق في فقط ولا تخف، فأنا أدرك ان هذه اللحظات لن تطول. ها هو صوتك يجتاح جلستنا بعنف ليرمي فوق كتفي حملا" تجاهلته طويلا"، وليخبرني عن طائرة تحملك الى مكان بعيد بعد أيام. جوابي منذ البداية واحد، أهمس به وبالكاد تسمعه: لا تسافر.

وها هي نظراتك الهادئة تتجمد كعادتها في حدقتيك الداكنتين وتتركني أحترق على مهل بعد أن قضيت ليال أتمرن لأداء هذه اللحظة. أستسلم أخيرا"، فمن المستحيل أن أمثل وأنت جالس على كل مقاعد المسرح. لا تكن طماعا"، فسوف لن أخبرك أني حلمت بك الليلة ورميت برأسي المتعب فوق كتفك وهمست بألم كي تطوقني ذراعاك حتى أصبحت في داخلك. ولن أخبرك عني قبل أن تأتي وبعد أن ترحل، فأنا لست أكون سوى حين أنت تكون.

لا تكن مغرورا" أكثر من هذا، فلن أخبرك أني أغرقت ملامحي في الدماء بعد أن انتهى الحلم، لعله من الألم تولد الحياة، ومن ألمي تعود لي عيناك.

لا تكن واثقا" كثيرا"، فلن أقول لك كم أريدك، وحيدا"، وكم راقبتك من بعيد حتى غدوت أراك في البحر وفي كتبي ومرآتي، وأشاهدك تتجول بين عيني كما تشاء، فلا يخلو بصري لحظة من حاجبيك المعقودين.

لا تبتسم، فلن أخبرك كم صليت في ذلك الحلم كي لا أستفيق، فللظلمة معك طعم آخر، والنوم الأبدي يصبح أمنية. لست أعرف هذا الحب كيف ابتدأ ولا أين سينتهي، هنا على شرفة البحر، أم في حلمي الليلة أم في موعد آخر ليت يأتي قبله نوم أبدي.

لا تقترب، فليس الوقت مناسبا" لضعفي الغافي في دمي، ولا ليسري ذلك التشنج القاتل في جميع زوايا جسدي. لا تقترب، فهنا لا أستطيع أن أختلس النظر الى حاجبيك وذقنك وبدايات شعرك. أحب ساعتك الفضية حين لا تتدخل في أوقاتنا، لكنني الآن أمقتها أكثر من همومي. لا تنظر اليها، اخلعها وارمها في البحر، أو في المنفضة أمامك. لا تنظر في وجوه القادمين والراحلين، ولا الى الطاولة ولا السقف ولا الى هاتفك. لا تنظر سوى في عيني هاتين، وصب فيهما بعضا" من قوتك وقدرتك، علك عندها تقترب دون أن تضعفني، ودون ان تقتلني نبضات قلبي.

هذه المرة، لن أقطع لك وعدا" جديدا"، فالوعود لا تجعلني أنتظر. هذه المرة سأقول لك: لا تسافر.

لا تسافر، فما الحلم ان أفقت منه ولم أجدك هنا لأخبرك عنه؟ وما الأغنيات ان لم أهدها لعينيك وتهدها لعيني؟ وما الشتاء ان لم تشدني يداك بقوة لتحميني منه؟ وما الانتظار ان لم يكن لك؟ وما ملامحي ان لم تملكها أنت؟ فلتسافر اذا شئت، ودعني أرمي كل شيء عرفته يوما" وأحببته يوما"، في سلة القمامة.

أما الآن، فاسمح لي أن ألملم ما تركته في المنفضة وأنهض عن الكرسي المزعج، أرمي الطاولة والبحر ورائي، أفتح باب المقهى وأخرج.

لا تطلب الي البقاء، فليس الوقت وقت عقاب، ولا تمد كفك الي كالعادة، فالليلة لا شيء فيها عادي. هذه المرة، لا تقل لي وداعا" أو الى اللقاء أو سأتصل بك أو أي عبارة تافهة أخرى، فصوتك لن يدعني بسلام ان فعلت، وكلماتك ستخنق لساني لأيام.

وفي المرة المقبلة، عدني أنك لن تدع ساعتك الفضية تطوق معصمك، ولن تحمل هاتفك الأسود في جيبك ولن تنظر الى شيء سوى ملامحي البعيدة كي لا أضطر الى رميها في سلة القمامة، وأعدك أني سأراقبك كما أفعل دائما".

في المرة القادمة، ارتد الكنزة الزرقاء بلون البحر التي أحبها واقترب مني، وأعدك أني سأرمي برأسي المتعب على كتفك، وأهمس لك بألم كي تطوقني ذراعاك حتى أصبح في داخلك، لأخبرك عن حلمي الأخير، الذي لوحت لك فيه من المقهى القديم، وأنت في عرض البحر، مسافر.

 

لين هاشم