العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

هل تحول لبنان من رسالة حضارية الى عدوى طائفية

منصور عازار
الاثنين 23 نيسان (أبريل) 2007.
 
New Page 1

في زمان حمل فيه اللبناني رسالة الحرف والكلمة ونشرها في العالم فكان قدموس المعلم الاول على الشواطىء الفينيقية للبحر الأبيض المتوسط .

واستمر اللبنانيون في كتابة رسالة المعرفة والحوار والتواصل بين الشعوب والحضارات مستندين الى موقع لبنان الجغرافي المميز الذي يحتضن صمود ومقاومة الجبل، مع رحابة البحر وسهولة السفر عبر مراكب التجارة، وبلاغة اقلام الثقافة.و رغم عصور الظلام العثماني شق اللبنانيون امواج البحار، و تحدوا الاستبداد التركي، وعبروا المحيطات وتوزعوا في العالم من مصرالى الاميريكيتن الكشة بيد، و قلم الأدب والشعر والصحافة باليد الأخرى فكانوا رواد نهضة فكرية طليعية في الشرق، كما كانوا رواد انتاج صناعة وغلال وتجارة حتى قيل: اذا صعدت الى القمر لوجدت لبنانيا يؤسس جريدة وآخريسوق بضاعة...

ان لبنان يحمل الحضارة المادية والروحية بين منكبيه ويهديها للعالم.

لم يكن اللبناني قادر على لعب هذا الدورالحضاري الطليعي الرائد لو لم يكن انسانا متحررا و حرا يرفض الاحتكار والانطواء والعزلة وبالتالي العنصرية والطائفية والقبلية. انه انسان مسكون بالجبل رمز الصمود والمقاومة، وفي الوقت نفسه بالبحر رمزالانفتاح والحوار والتواصل.

هذا الانسان مجبول برصيد حضاري تاريخي ممتد في جذور التراث على مساحة المشرق الذي عرف حضارات عريقة سورية، وكنعانية وفينيقية وعربية وكانت ارضه مسرحا لرسالتين سماويتين محمدية و مسيحية هي نبراس للعالم. كما كانت منطلقا لنهضة مدنية علمانية مدرجة تضيف للحضارة المادية الغربية بعدا روحانيا انسانيا يعيد الاعتبار الى الانسان كقيمة اساسية، والى الأخلاق كبعد جوهري قيمي يؤله الانسان بعد ان عرف تجسيد الاله.

الانسان اللبناني المتجذر في ارض المشرق يتطلع دوما الى دور حضاري انساني في دنيا العرب، عالمه القريب، وينطلق منه الى محيط البحرالأبيض المتوسط عالمه الثاني، وصولا الى عوالم اخرى انسانية واممية. هذا الانسان يخترق حضارات منفتحة تعاقبت عبر التاريخ لتشكل تراثه القومي المناقض بطبيعته لجماعات متحجرة منغلقة منعزلة عن التفاعل الحضاري كما هي "اسرائيل" دولة يهودية تيوقراطية عنصرية .

هذا الدور الحضاري الذي عبر عنه اللبنانيون كرواد نهضة وحملة رسائل حضارية اعطى لبنان معنى حضاري، وجعل بابا روما يعبرعنه بالقول: "لبنان اكثر من وطن انه رسالة". و هكذا فان اللبناني عبر انفتاحه و انتشاره في العالم، عرف العولمة الايجابية قبل غيره.

هذه الرسالة الحضارية تواجه اليوم اخفاقات وتحديات وارتدادات بعد ان اعادت بعض الفئات المضللة الاعتبار الى الطائفية البغيضة التي هي شكل من اشكال العنصرية، وهي التي تحاول ان تصبح مؤسسة فوق الدولة لتدمرها الدولة و تعطل مؤسساتها.

الطائفية تعمل على تحويل الانسان من كائن منفتح رائد حامل لرسالة حضارية الى كائن متعصب منغلق منعزل مفتن وقاتل.

بعد ان شهد العالم رواد نهضة امثال انطون سعاده وجبران خليل جبران وشعراء الرابطة القلمية و البستانيين والريحاني والكواكبي وغيرهم بتنا اليوم نشهد روابط و تجمعات و مؤتمرات طائفية تغزو العالم لتصبح جزءا من لوبيات "عصابة المحافظين الجدد" والمؤسسات السياسية العنصرية المنغلقة.

وها هي الجامعة الثقافية اللبنانية في العالم التي اختارت الثقافة اولا  لتكون عنوانا لانتشارها و رسالتها، اضحت روابطا منقسمة على ذاتها، بعضها مدعوم بشكل خجول من الدولة، و بعضها الآخر كبلته الشعب الطائفية مقدمة للعالم نموذجا نقيضا لصورة اللبناني النهضوي المنفتح.

والأزمة اللبنانية المتفاقمة اليوم في جزء اساسي منها، هي جملة من اسطر. في الداخل اللبناني.

بين الكائن الطائفي المنعزل والانسان الجديد المتطلع الى رسالة حضارية في محيطه والعالم، يعلمنا التاريخ ان المنتصرفي النهاية هو الحق، وفي الدولة العادلة لا بد ان ينتصر الانسان الجديد المعبر بقوة عن الحق والمعرفة ومهما كانت الثغرات و العوائق، التاريخ لن يعود الى الوراء، و في انسان بلادي قوة سوف تفعل لتغير مجراه، كما الانسان فان المقاوم في بلادي، فقد غير مجرى الهزائم و النكسات والنكبات الى انتصارات و ملاحم بطولية.

 

منصور عازار