صدمة الديمقراطية : الحرية في لبنان مكدسة كماً.. ولكن نوعها فاسد!

العدد 4 - تشرين أول 2005 : نصري الصايغ
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 

" في العراق أنتجوا سلطة وليس ديمقراطية!"

"الديمقراطية تحتاج إلى بناء مواطن وإنشاء رابطة وطنية لا تميز بين إنسان وآخر"

لم نتذوق بعد طعم الديمقراطية.

ما عرفناه من سلطات خلال قرن من الزمن كان كثيف المرارة، أو كان قصاصاً يتكرر، وعقاباً بلا ذنب ارتكبناه. ولكنا كنا نطالب بتعديل لائحة الطعام، كنا ننعت كشعوب، بأننا ناكري الجميل، وفضلات سياسية، وكائنات يلزم ترويضها وتدجينها، واقتناؤها في المهرجانات والخطب.

فهل نحن نستحق هذه العقوبة الدائمة؟ وهل نحن غير مؤهلين لاقتناء الديمقراطية؟ ولماذا تخلفنا عن هذه المادة الصحية سياسياً؟ وهل أن مستقبلنا كماضينا، إعادة لإنتاج سلطات ضد شعوبها؟ وهل سنقتنع، بأن المساحيق الديمقراطية تكفي لتحسين هيئة الأنظمة وأن هذه الزينة كافية لإلغاء التسلط والاستبداد والاستبعاد؟ وهل التهديد الأميركي بالإصلاح، سيدخل العالم العربي في منظومة المدن الفاضلة، أم ستكون فزاعة من جهة، واستتباعاً مرة أخرى، وكذبة مهينة، تسوق الديمقراطية كعملة رديئة؟

لنبدأ من فاتحة القرن العشرين. أسفر المخاض الفكري في أواخر القرن التاسع عشر، إلى تغلغل الفكر التنويري لدى النخب العربية. في بعض مراكز سورية الطبيعية، وبعض حواجز البلاد العربية. وكان الكلام عن الحرية، للأفراد والجماعات، والتحرر للشعوب والبلاد، والتعلم، للرجال والنساء، والديمقراطية للحكم والمواطنين قد بلغ حداً مؤثراً اصطدم بأفكار وقيم ماضوية، ترى في الخلافة الطوبى السياسية، وفي العودة إلى العصور الذهبية الوسطى، مستقبلاً..

في ذلك المخاض الفكري، تقدم الفكر العلمي وقرع أبواب المؤسسة الدينية، التي فتحت النوافذ لعلمية إصلاح تنويرية، بلغت لدى مفكرين إسلاميين في مصر، إلى تبني أفكار تحديثية، ولكنها لم تصل إلى آخر الطريق الموصل إلى الديمقراطية، الذي بلغه الشيخ علي عبد الرزاق، والشيخ عبد الرحمن الكواكبي في مصر.

فالديمقراطية، كأحد أبرز ركائز الحداثة، تفصل بين المؤسسة الدينية والسياسية، أي تخضع السلطة لعملية الانتخاب، كأنها تحرم علمياً التعيين والوصاية الدائمة، وتخضع الحاكم المنتخب للمساءلة والمحاسبة الشعبية، كما تضعه تحت سلطة الدستور والقوانين، التي تضمن الحريات وتكفل التعبير قولاً ومعتقداً، وتسهر على سير المؤسسات في الدولة، لخدمة المجتمع، في مصالحه المادية والمعنوية.

فالسلطة والحاكم والحكومة، تخضع في الديمقراطية لسلطة أعلى منها، هي المرجع، هي سلطة الشعب.

كان ذلك جديداً قادماً من الغرب، ولقي قبولاً أولاً، لدى السلطة العثمانية، التي باشرت بإصلاحات متأخرة، بعد تداعي تخوفها أما الهجمة الأوروبية، وبعد تغلغل النفوذ الغربي في جسدها، عبر مواطن منصاع لها، وجدته في طوائف ومذاهب وأديان، تتذمر من التسلط العثماني، وتبحث عمن يساعدها للتحرر أو تحقيق مكاسب داخل السلطنة الساعية بتعثر إلى التحديث.

ولا بد من استطراد، القادم من الغرب، ليست تهمة ضده، ولو كان كذلك، لما اغتال الغرب الديمقراطي، إرهاصات الديمقراطية في العالم العربي.

حدث أن سقطت السلطنة العثمانية، واتجهت البلاد المحررة إلى صياغة واقعها والنظر إلى مستقبلها، وفق فكر النخب التي شاركت وساهمت في الثورة العربية، وتنفيذاًَ لوعود سجلتها رسائل حسين مكماهون.

فلنتذكر ما حصل:

دخل الفاتح الغربي بالقوة العسكرية، البلاد المحررة بالدماء والشهادة العربية، فأزال دولة الوحدة الوليدة، وألبسها جلجلة سايكس ـ بيكو، ثم أقام عليها حكماً عسكرياً مباشراً، تتفاوت وسائل قمعه واستبداده ونهبه بين كيان وآخر. فالدول الديمقراطية، الفت وحدة حيوية موعودة، وألفت أيضاً دستوراً ديمقراطياً، كان قيد التحضير كمشروع، ينص على إخضاع الحاكم للدستور والقوانين، وعلى ملكية دستورية، ومجالس تشريعية منتخبة، وحكومة تنبثق عن إدارة شعبية.

يهددوننا بالديمقراطية؟

وحدث بعد ذلك، أن نقلوا السلطة إلى قوى يطمئنون إلى ولائها وإلى تبعيتها. على أن ذلك، جاء مصحوباً باستعارة أشكال الديمقراطية من الخارج. لقد نقلت الأشكال فقط. وهدف المستعمر من خلال ذلك، تسهيل دمج المنطقة في إطار النفوذ الاقتصادي العالمي. واعتمد المستعمرون في ذلك، مسلك التحالف والتفاهم مع النخب المحلية والجماعات الأخرى التي رأت أنها ستحقق امتيازات مع الأوضاع الجديدة( ).

فالدول الحديثة في العالم العربي، جاءت قاصرة ديمقراطياً، بالقوة والنصب والمنع. لم تكن هذه الدول، نتيجة تطور داخلي طبيعي. جاءت منقوصة مقتبسة عن أصل أجنبي. وتم ترويج الديمقراطية الهزيلة، والمصابة بعد الصلاحية، لافتقارها إلى تمام دوائها، ونقضها للمرجعية الشعبية، تم تزويج هذه الديمقراطية بمؤسسات المجتمع التقليدية: الطائفية، العشائرية، الوارثية، إضافة إلى نخب مستقيلة من أوطانها، وملتحقة بالغرب وتردد ما يفتي به.

تلك الخطيئة الأصلية لم نرتكبها نحن.. بل نفذها الغرب فينا. كنا على وشك إنتاج ديمقراطيتنا، والدخول في الحداثة السياسية، عبر فصل الديني عن الزمني، وليس الإيماني عن المجتمعي، وعبر إنتاج سلطة تمثل وتعبر عن مصالح الأمة وتحفظ حقوقها، وتطلق حيوية شعوبها في الإنتاج والإبداع.

وهكذا نوجز: أعطونا ديمقراطية مشوهة، بأعقاب البنادق، وأورثونا معها، مؤسسات وتجمعات هجينة، تعود إلى القرون الوسطى، من عشائرية وعائلية ومناطقية وأتنية.. لكن ذلك لا يعفينا من مساءلة أنفسنا؟ لماذا تخلفنا نحن عن صناعة سلطة ديمقراطية، ودساتير حديثة؟ لماذا تخلفنا عن الدخول في الحداثة السياسية والاجتماعية والفكرية؟ أولاً: إن قيام كيانات مرفوضة، بعد سايكس ـ بيكو، وبعد استقلال هذه الكيانات الوهمية أو الأسمية، شرعت تبحث عن شرعية لها، لحماية نظام حكمها. فأنشأت أجهزتها الأمنية وطورتها ووضعتها في المرتبة الأولى، بهدف فرض الكيان والسلطة والنظام. فنحن حكمنا بالأمن وأدواته. فالدولة العربية المعاصرة هي تجسيد للطبيعة التسلطية. إنها تقف ضد المجتمع، تفرغه من مضمونه الاجتماعي، وتسيطر على كل أجزائه

ثانياً: فلسطين، مسؤولة كذلك، لأنها كانت الذريعة التي احتاجتها بعض الأنظمة السياسية العربية لإلغاء الشعب وإخضاعه كحاجة كاذبة لتحرير فلسطين. فالأنظمة العربية، ذات السمة الليبرالية التي نشأت بعد رحيل جيوش الاستعمار، وبقائه مقيماً في الكواليس والسرايات والحكومات ومراكز أنوار السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني، سقطت في امتحان المواجهة الأول، بقيام دولة إسرائيل. فاستولى العسكر على فلسطين. ولأن شرعيتهم بحاجة إلى سند غير القوة العسكرية، فقد استحوذوا على القضية، وحكموا وتحكموا باسمها.

وفي هذه المرحلة بالذاتـ، وبأيدينا ثم القضاء على النسبة المحسوبة من الحريات الديمقراطية التي كانت تسمح بها أنظمة شبه ليبرالية على إقطاع سياسي وزراعي. كما قضت السلطة على الضمانات الدستورية، والأحزاب والجماعات المنظمة. وهكذا استولت السلطة على الدولة ومؤسساتها: استولوا على الحكومة والبرلمان والقضاء والإدارة والجيش والجامعات والإعلام والفكر، واستعاضوا عنها بخيمة كراكوز ديمقراطية بذيئة الممارسة.

فلدى الأنظمة العربية الحالية حكومات لا تحكم. ولديها برلمانات لا تشرع ولا تحاسب. ولديها إعلام أعمى، لا يقرأ ولا يكتب وليس قابلاً للإفهام أو الفهم. ولديها أحياناً أحزاب بلا حزبيين. ولديها مؤسسات مجيرة لأجهزة السلطة الأمنية، الخاصة قبل العامة. ولديها انتخابات بقوانين انتخابية أشبه إلى التعيين والفرض، ولديها اقتصاد يجثو على قدمي السياسي، طالباً أن يشاركه السياسي الربح والفساد والإفساد. ولديها الكثير من الأشكال الكرتونية وألعاب الدمى المتحركة.

وهذا ما صنفناه نحن، تحت عباءة فلسطين. وفلسطين لم تكن إلا تحت الاحتلال، ومصيرها مرتبط بتغير قواعد لعبة السلطات العربية.

ثالثاً: ثقافة الهويات المتعارضة. من نحن؟

لم تحصل الأمة على جواب يحدد هويتها القومية والوطنية والاجتماعية، بتلويناتها المتعددة، وبمركزيتها الموحدة. النحن، أساس البناء الديمقراطي، واكتمال نصاب آلياته. مقدم بلوغ الأمة لهويتها المحددة، مانع أساس في انتظام الحياة بطريقة ديمقراطية.

فهل نحن مواطنون محذوفون لصالح القبائل والعشائر والأديان والطوائف والمذاهب والعائلات والأفخاذ؟ هل نحن نتحد بالدين أم بالمجتمع وثقافته وقيمه ومصالحه؟ هل نحن أي الهوية تساوي بيننا فلا فرق بين كائن وآخر إزاء القانون؟

إن غياب هذه الهوية القومية والوطنية يتيح للسلطة أن تحذف المواطن وأن تضعه في الملجأ الطائفي أو الاثني أو المذهبي. والمؤسف أن العقائد العلمانية مارست سياسة إلغاء المواطن وحرياته لصالح قوة السلطة فاستعانت على بقاء وجوده بالعودة إلى أصوله السلفية البائدة وعلى عائلته وعشيرته.. وجد أمانه في مجتمعه القديم لأن مجتمعه المغتصب يهدده ويفرض عليه الطاعة. وفي مثل هذه الحالة يتحول الإنسان إلى قطيع مطيع.

رابعاً: الخضوع وثقافة الخوف ومنطق التبرير والتسليم بالأمر الواقع تدفع السلطة الحاكمة إلى تعميم ثقافة الموافقة والمبايعة والولاء بشكل أعمى. على أن ذلك يكشف التعامل الخبيث والمرائي لشرائح اجتماعية كثيرة ترى في العنف وسيلة انتقامية أكثر مما هي آلية للتغيير.

ولما كانت الجماعات المنتشرة في الدولة هي طوائف وأثنيات وعشائر فإن العنف الكامن والعنف المأزوم ينفجر أحياناً مخلفاً تصدعاً في المجتمع أكثر مما يخلف تصدعاً في السلطة التي تشد من قبضتها على المجتمع.

أما الأكثرية المصابة بالطواعية فتتنازل عن كل شيء وترى في أي حق يعاد إليها منحة وكرم تشكر عليه السلطة، يقول نعوم تشومسكي: الأكثرية تتعود على استهلاك الخيال فأوهام الثروة تباع للفقراء وأوهام الحرية للمضطهدين وأحلام النصر للمهزومين وأحلام القوة للضعفاء.

شعوب من أحلام تكذب عليها أحلامها.

لقد أضعنا الفرصة الديمقراطية مراراً خلال قرن.. فماذا الآن؟ هل ستفوتنا الديمقراطية مرة آخرى؟

لنقرأ الواضح.. ولنبتعد عن المخبوء والممحي:

أولاً: الحالة اللبنانية

يتمتع لبنان بامتيازات عديدة يستطيع أن يبارز بها محيطه وعالمه العربي. فالحريات شبه داشرة والإعلام على غاربه وتطرفه في القول، الممنوعات الداخلية على كثرتها تبدو قليلة إزاء الممنوعات العربية والممنوعات الخارجية على قلتها تبدو معدومة إزاء المحرمات العربية. والنقد يطيب له المقام في يومياتنا السياسية والتجريح يصل إلى ذقون الكبار قبل الصغار فالحرية في لبنان مكدسة كماً ولكن نوعها فاسد.

ويتمتع لبنان أيضاً بتداول السلطة مقابل تأييدها في العالم العربي بيد قلة عائلية أو ملكية أو مسلطنة أو عسكرية. ويمارس انتخابات منتظمة المواعيد ويحصل النواب المنتخبون على فرصة من إبداء الرأي قبل الانتخاب وتحت قبة البرلمان.

وتنتصب في لبنان مؤسسات رقابية وقضائية وإدارية وجامعات حديثة واللائحة تطول.. ومع ذلك فلبنان يحتاج إلى الديمقراطية حاجة البلاد العربية الأخرى إليها بالتمام والكمال. ويبدو غريباً للوهلة الأولى كيف أن هذه الحريات الكثيرة لم تتح ديمقراطية قليلة. الديمقراطية نظام يؤمن بالتعدد ولكنه تعدد المتصل وليس تعدد المنفصل. أعني أن ما ينقص هذه الحريات أن تكون موظفة في الآليات الديمقراطية.

فحظ حرياتنا الوافر تحظى به الطوائف. والمرجعية الديمقراطية المقترحة أن تكون شعبية مدركة لهويتها ومواطنيها مجيرة منذ النشأة إلى الطوائف.

لا مرجعية في الديمقراطية تعلو على المرجعية الشعبية. عندنا المرجعية هي طائفية وهي غير خاضعة لانتخاب بل هي مكرسة كحجر الزاوية للنظام السياسي ومنه النظام الانتخابي. إن الدائرة المتكونة من المواطن الحر الذي يختار مسؤوليه وممثليه وحكامه معطوبة أساساً بانعدام الخيار أمام المواطن لأنه ملزم بأن يختار طائفياً. ثم إن الدائرة معطوبة لكون الدولة محتلة من الداخل بمرجعيات غير منحنية. وهي المرجعيات الطائفية المذهبية ولما كانت النزاعات في الأنظمة الديمقراطية تحل داخل المؤسسات الديمقراطية فإن الأعطاب التي تصيب النظام اللبناني تلجئه إلى طلب مرجعية خارجية لحل مشكلاته.

وكما احتل العسكر الدولة في الأنظمة العسكرية وكما احتلت الأحزاب الدولة ومنعت المحاسبة، هكذا لبنان، فإنه غير قادر على المساءلة والمحاسبة والتغيير.

هو اليوم، كما يصفه حكامه على شفير الإفلاس وفي أوج الفساد وفي مديونية باهظة وفي خلافات مستشرية وهجرة نازفة وبطالة عارمة واقتصاد منهك وثقة منعدمة وشعب طالق .. ومع ذلك فهو لا يستطيع أن يتقدم خطوة باتجاه إيجاد حل واحد لمشكلاته. لأن الطريق الديمقراطي مسدود بالمرجعيات التي لها حصانة ذاتية استئثارية.

اليوم يعيش لبنان حرباً أهلية سياسية صامتة. أدواتها ستظهر في الانتخابات البلدية والنيابية.

ربع قرن من الحرية وربع قرن آخر من الحرب والسلام اللاحق ولم يصنع لبنان ديمقراطيته. لماذا؟

لم نجد حزباً يضع في أولوياته النضال من أجل الديمقراطية. اختارت الأحزاب أولويات أخرى. وأحياناً تراجعت عن أولوياتها. وأحياناً سبقتها النخب المستقلة في طرح هذا الموضوع. ذلك أن الديمقراطية تحتاج إلى ثقافة مناضلة وثقافة ملتزمة بديمقراطية لا تكون حكراً لطائفة تفتت على طائفة أخرى. ثقافة ديمقراطية تمارس حقها في أن تصبح قوة.

ثانياً: الحالة الجزائرية

خرجت الجزائر من حرب التحرير بجبهة حاكمة وحدها قوام قواتها جيش تستمد منه السلطة شرعيتها.. وبعد أعوام من التكلس والفساد والرشوة والقمع وانعدام الديمقراطية وبعد أعوام التراجع الاقتصادي والمالي وتعميم البؤس والفقر وبعد أعوام من الثروة المبددة أموالاً في المصارف الأوروبية وبعد إلغاء للمجتمع وهيئاته ومؤسساته واستتباعها لقرارات الأمن.. ألحت دول أوروبية صديقة للجزائر بأن تتقدم خطوة باتجاه الديمقراطية. حصلت الانتخابات.. وفتحت الصناديق.. ثم أغلقت على فوز الإسلاميين، الذين انتقلوا من مركز الاقتراع إلى مركز الاعتقال بحيث بلغ عدد المعتقلين أكثر من عشرين ألفاً.

ودخلت الجزائر في الدم.. ولا تزال والذين طالبوها من الأصدقاء بالديمقراطية عادوا وأقنعوها بالقمع وسلحوها بأحدث الأسلحة كي تقمع الانتخابات الوليدة.

والحجة: الإسلاميون يفوزون عبر صندوق الاقتراع وعندما يصلون إلى السلطة تنسف الصناديق وتعود المرجعية إلى المؤسسة الدينية المسيسة.

النظام ألغى الديمقراطية لأن الفائز سيلغي الديمقراطية ومن السخرية أن المدافع عن الديمقراطية عسكر تمرس فقط في إغلاق باب السجن والامتناع عن فتحه.

والحالة الجزائرية قد تتكرر.. فما العمل؟

الدراسات الأميركية متخوفة من الديمقراطية في العالم العربي لأن البديل عن الجيوش الحاكمة.. الجيوش التي ستتحكم بالدولة باسم الدين..

هل حان أوان الديمقراطية..

نعم.. إنما ليس عبر الانتقال السريع أو التأجيل المؤبد.

لا بد من فتح أقنية الحوار كافة من تحرير الإعلام من رعاية السلطة ومن تحرير الجامعات من قيود الأمن والعقائد المفلسة والغالبة بالقوة. لا بد من الإيمان بالشراكة الوطنية والتعدد بالرأي وفتح باب الأبواب أمام شرعة وطنية تنظر إلى المستقبل ولا تنبش الماضي وقبوره النتنة.

بل لا بد من تواضع السلطة المالكة للقوة والعنف والانفتاح على القوى كافة بحوار ندي يصل إلى قواسم مشتركة يكون الهدف فيها الانتقال إلى الديمقراطية بالسلم والإقناع والمشاركة وليس بالقمع المنزل من السلطة ولا بالقمع الكامن في مشروع المعارضة. إن أي طريق يودّ أن يصل إلى الديمقراطية عبر الإلغاء والقوة يدخل البلاد العربية في حروب أهلية تطيح بالوحدة الوطنية وبوحدة الأرض والمؤسسات وتؤسس لديكتاتورية أخرى.

ثالثاً: الحالة العراقية:

الطائرات والصواريخ والبوارج والجيوش الأميركية الغازية المدججة بالذرائع الكاذبة تبشر بالديمقراطية في العراق.

ماذا لو نصدق ولو فرضنا ما تعلنه أميركا وليس ما تنويه.

المشهد واضح:

* دولة فيدرالية أو كونفدرالية يتمتع فيها الأكراد بسلطة وافية على مناطق واسعة.

* مصادر التشريع هو الشريعة الإسلامية.

* انتخاب على إيقاع: أكثرية شيعية، أقلية سنية مغلوبة، خصوصية كردية، أقليات قيد الدرس. ماذا ينتج من هذا الجمع؟

ستنتج سلطة.. ويصعب أن تنتج ديمقراطية مكتملة الآليات، خاضعة لشروط المساءلة والمحاسبة والاختيار. الديمقراطية مسيرة اجتماعية طويلة وتحتاج إلى قوى ديمقراطية حقيقية وهذه ليست متوفرة إلا في الندرة من النخب الملتزمة بالمستقبل. أخيراً..

متى الديمقراطية؟

عندما تصبح أولوية في معركة الفكر والثقافة والإعلام والأحزاب والجمعيات والنخب. عندما يصير الديمقراطيون قوة فعلية تفرض على السلطة أن تعدل من سطوتها وترفض طغيانها. الديمقراطية تحتاج إلى بناء مواطن وإنشاء رابطة وطنية لا تميز بين إنسان وإنسان تحترم القوانين وتدافع عن قضايا الناس. الديمقراطية معركة سلمية طويلة النفس مصحوبة بمعركة ثقافية ضد الطائفية والموروث القبلي العشائري العائلي وضد من يريد إلحاق الدين بالدنيا وخلط الدنيا بالدين وضد القيصر وليس ضد الله.

إن الديمقراطية هي مشروع الغد العربي.. الغد البعيد إذا بدأنا اليوم. وإن لم نفعل ذلك فآسف أن نقول:

وداعاً.. إننا انتقلنا إلى الملأ الأدنى..

وداعاً.. مكان إقامتنا وعنواننا الجديد ليس في هذه البلاد