العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

التحية الأخيرة

منصور عازار
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

 "يكتب منصور عازار وصيته الأخيرة. تبدو وصيته وكأنها تحية لمن أحب، لمن اعطى، لمن ينتظر منه اتمام المشوار.

يكتب منصور عازار، ما تبقى له من حبر في سراجه. كأنه يود ان يخلّف ضوءاً يسيراً لأناس يتشوقون لحصاد تأخرت سنابله.

يكتب منصور عازار، لأجيال بعمر احفاده من شباب الوطن. كأنه يغلب الموت باستمرار الحياة في فكر آمن به، جدير ان تحتضنه العقول الجديدة.

يكتب منصور عازار ... وهنا، التحية الأولى".

 

ها انذا أمد يدي وابسط كفي، لكن الموت يتردد في مصافحتي. بتّ مستعداً لتحية الوداع، لكنه لم يعطني المنديل الأخير، لألوح به للأحبة، وانا اتسلق السلم الأخير من سنوات العمر. ها انذا، انفخ في الضوء الفقير جداً، ربما تبقى من زيت مصباحي الجاف، واعجز عن اطفاء الشعلة النحيلة، لأدخل في العتمة المنيرة ... ها انذا، يعاندني موتي، ويعطيني مرة أخرى، فرصة الالتفات الى ماضي، فرصة الانحناء على ايامي السالفة، لأحدثها قليلاً، لأتكلم معها بحنان، لأخطف منها اوراقاً لا تزال تحتفل بالأمل.

ها انذا أقول: "غداً، لن يكون لي. ها انذا، اطفىء امسي. ارتب انفاسي الأخيرة، بهدوء من تعلم، ان صداقة الموت سيادة على الحياة". اراقب باطمئنان قلبي المتعب. أعرف انه سينام بهدوء، وسيأخذني معه الى غفوة أخيرة.

ما تبقى من الزوادة، لا يكفيني لكتابة وصيتي. الا انني، على عنادي المعروف، سأواظب على لملمة الفتات الباقي، لكتابة الكلمات الأخيرة. فقد وفرت لأبنائي واحفادي واصدقائي، زوادة أخرى يأخذون منها، بنبذة من حياتي، فاكهة من افكار، عسلاً من رحيق التجارب، نبيذا طيباً، هو عصارة عمر، نضجت عناقيده، على عرائش الألم وامتدادات اعضائه المرهونة لخضرة الأمل.

لذا منذ اليوم، سأبدأ بترتيب روزنامتي ، متكلاً على تغيب الموت عني، لأملي وصيتي التي تأخرت كثيراً في تحضيرها.

تحضرني في حياتي، تجربة اولى مع الموت، فزت فيها، وتجربة اخرى، تفوقت فيها، وتجربة ثالثة، خرجت فيها خفيفاً كجناح يستحق للتحليق، لآخر مرة، قبل ان يؤدي الى عش الكون الواسع، المقيم في الأزرق السماوي.

نقلت على جناح السرعة من نيجيريا الى لندن. كشف علي طبيب وبعد ايام، منحني بطاقة حياة جديدة، بشرط الا أرهق نفسي. فقلبي معطوب، ويحتاج الى استراحة المحارب. وكان لي من العمر 64 عاماً تقريباً، أظنها لم تكن كافية للدخول في قيلولة المحاربين، لأصبح من المحاربين القدامى ... 64 عاماً، كانت تعني لي، انني ما زلت شاباً، وان امالي احتفال يومي بالحياة.

سألني الطبيب ما عملك؟ قلت: انا رجل صناعي، وانا ايضا رجل قلم، وانا ايضا رجل قضية.

فطلب مني ان احمل بطيخة واحدة على الأكثر. وعدته خيراً، ولكني كمدمن على العمل، ومراهن على النجاح، وممتهن الفوز، وقررت ان انكث بوعدي واعود الى بطيخاتي لاحضنها ... بعد عامين صرت ارعى بستاناً من البطيخ ... ولم اشعر يوماً بالتعب.

ومرة أخرى، وبعد عشرة أعوام تقريباً، حملت على وجه السرعة الى لندن، عاينني طبيب القلب. انه هو نفسه. يا للصدفة. سألني: كم بطيخة حملت؟ ابتسمت له. فعرف انني مولع بالشقاء اللذيذ، والعمل الدؤوب ، والسعي الذي لا يهدأ. عرف انه لا شفاء مني. فاستعجل الملية، واصلح اعطاب قلبي مرة أخرى، كي استمر في حمل صليبي، الى النهاية.

انذرني الطبيب: الثالثة ثابتة، اي "قاتولية"، ولكن عندما دخلت في غيبوبة طويلة، ظن الكثيرون، ان نومي نهائي، وان موتي قويم ومؤجل الى الغد فقط.

لكنني عدت واستيقظت. غريب، عندما عاد الي وعيي، ونظرت من حولي من الأحياء: الزوجة والأبناء والأحفاد والأصدقاء، قفزت الى رأسي فكرة الاستسلام. قلت: كفى يا رجل. عليك ان تركن الى تعبك. ان تهدأ. ان تقتات من اقلامك.

بعد ايام، عادت الي الأسئلة وأولها: "ما العمل"؟

انا الآن، سأملي وصيتي، التي دونت تفاصيلها في اجزاء حياتي وكتاباتي ومشاريعي. وأهدي هذه الوصية الى أحفادي، ومن هم في اعمارهم، علهم، يجدون فيها قوتاً، من خزانة عتيقة، يسعفهم في مستقبل ايامهم وليليهم القاسية.

أصابعي تتردد في الكتابة، لم أعد قادراً على بعثرة حياتي، فافتح ذاكرتي كلها، لتدوين ما خبأته فيها، وما حفظته في زواياها الحنونة. أصابعي خائفة من ملامسة مواطىء التعب والجراح. فقد كان العمر صعباً، ومراس الحياة كان مريراً.

لست أخجل من عمري المديد. الحصاد كان وفيراً. الحقول كانت شاسعة. والسماء لم تكن بخيلة، انما الدهر غلاب. انصفني سنوات، وظلمني أخرى. كان متقلباً جداً يترك في النفس حسرة لا تجرؤ على الافصاح بالتأوه او الدمع، لأنني كنت املك من القوة ما يجعل عواطفي مقيدة. وانفعالاتي أسيرة. وكنت اراهن على فجر آخر، كلما ادلهمت الأيام بسواد التغيرات المأساوية.

من اجلكم يا احفادي، اعود الى الماضي. سأمضي معكم ايامي الباقية. واكتب لكم ما أغرفه من جعبتي من خبز التجارب واتناوله من زوادة الخبرة، متخطياً وجعي ازاءكم، لأني ادرك ان لغتكم العربية محرومة من الصواب والقراءة، ولأن لغات الآخرين اطيب على لسانكم. والحق ليس عليكم، بل على بلاد لم تحتفظ بفلذات أكبادنا، فشردتهم مراراً، تارة بسبب حروب الطوائف، وطوراً بسبب العجز في بناء وطن محب ومنتج.

أملي، وانا اكتب، ان تقرأوه مترجماً الى لغة تفهمونها، وعندئذ ستجدونني معكم دائماً، برغم غيابي النهائي. ستجدوني معكم في دروبكم الوعرة، ومسالككم المتعرجة، ونجاحاتكم المتوقعة. ستجدونني اسند عثراتكم، اشير الى خطاكم، ارشدكم دوماً الى طرق النجاح.

لن تكونوا غداً مع المجهول ... سأكون معكم.

كل ما اتمناه، ان يكتشف كل منكم نفسه، والاكتشاف لا يتم دفعة واحدة.

فأنا، ما زلت أكتشف نفسي، تجربتي مع الموت، تحفزني على معرفة ذاتي. ذواتكم غنية. ابحثوا فيها عن الجواهر الثمينة. ان لم تفعلوا دفنت الجواهر، وظلت مطمورة بالإهمال. فالانسان ليس ما يأخذ، ولا ما يعطي، بل مل يكتشف وما يبذل وما ينتج ... الآخذون من الحياة، غبار، الواهبون للحياة، هم الصبح الذي يتجدد.

صعبة هي الحياة، ولكن ندبها على طريقة الفيلسوف ابي العلاء المعري، دليل على شيخوخة الروح. الحياة الصعبة، جميلة ورائعة، واجمل ما فيها، قوة الانتصار عليها، لذا، لا تكونوا سكة حديد للقطار الزمني يعبر عليكم بأيامه. كونوا القطار الذي يطوع حديد الأيام، ويتفوق عليها.

صعوبة الحياة ... بطاقة انتماء الى الانتصار والنجاح. الحياة السهلة، مدعاة ركوب الكسل والاتكالية والتراجع.

صعوبة الحياة، التي مررت بها، منذ طفولتي وهجرتي وسنوات الغربة، وتأرجحي بين النجاح والفشل، والتقلب من حال الى حال، هي التي وسمتني واعطتني خبرة لا تنضب من الحب والعمل والتغلب.

لست اعد الأيام للرحيل، اعد الأيام للبقاء بينكم، لأتمم واجباتي ازاءكم. انا زائل، ولكن الحياة باقية. ولم يكن رهاني على نفسي، بل على الحياة، فها انذا، وفي آخر العمر، اصافح عمري كله، واقبله كما كان وباطمئنان: لقد اتممت رحلتي. اتممت مهمتي. كان الكأس الذي شربت منه ممتلئاً دائماً، فلا تكسروه غداً.