العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

التجربة الوطنية والقومية وتداعيات الاحتلال

السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

نزار السامرائي

 

المشروع القومي كان يمثل مشروعاً نهضوياً، لأمة أخذت غفوة طويلة، فأراد أن يبعث مجدها وفق رؤية معاصرة، هي مزيج بين التاريخ والمعاصرة، تستند على أسس راسخة من الإيمان بتاريخ هذه الأمة ولا تنبهر به، ولكنها تتدارسهُ بعمق، وتأخذ بعطاءات التطور المعاصر ولا تُخْضِعُ له الخصوصية القومية، وإنما تقيم توازناً متفاعلاً بين الذات الفاعلة الأخرى الإيجابية، دون أن تسلب أياً منهما خصوصية التعبير عن الذات، مع أرجحية مؤكدة للخصوصية القومية. أما من يقول: بأن الفكر القومي "فكر ظلامي" إنما يذهب إلى هذا الرأي لأنه يريد شرذمة الأمة العربية، وتقطيع أوصالها من أجل إضعافها وسلب إرادتها وجعلها أسيرة لفاعليات الاقتصاديات الدولية، في زمن العولمة، وإستغلال ثرواتها وسلبها حق التحكم بهذه الثروات، حتى لو كانت من باطن الأرض، في نفس الوقت الذي يسير حثيثاً نحو تكتيل قواه وتجميع أطرافه. لو أخذنا ما جرى من صراعات في القرنين الماضيين، أو حتى ما قبلهما في أوروبا، لوجدنا أن صراعاتها كانت على الدوام صراعات فتوح وصراعات قومية ومصالح إقتصادية، ولكنها حينما رأت أن المصالح العليا لأوروبا ترغمها على نبذ التقاتل والانطلاق تحت راية المصلحة، بدأت تتجه نحو التوحيد تحت لواء الاتحاد الأوروبي. ألا يدعو هذا إلى التساؤل أن من يكتل نفسه يريد أن يقطع أوصال الآخرين؟ ألا يدعونا ذلك أن نعيد النظر بحالة الإستلاب الفكري والتبعية الثقافية للقوى المسيطرة اقتصادياً في العالم؟! إن هذا يرفع عن أنفسنا عقدة الدونية إذ نقف على قدم المساواة مع الآخرين، فإذا كانوا يتجهون نحو التوحيد فلماذا يفعلون ذلك؟ لماذا لا يتركوننا نفعل ذلك ونحن ننتمي إلى أمة واحدة في حين أنهم -أي البريطانيون والألمان والفرنسيون- خاضوا حروباً ما زال العالم يدفع جزءاً من ثمنها؟

ومن هنا أظن أن الفكر القومي العربي هو ماكينة إنتشال العرب من تخلفهم ومن اختلافهم عن طريق تغليب النزعة القُطرية، وهو الذي يقودنا إلى تجربة ديمقراطية ذات خصوصية، تنبع من تاريخنا وحضارتنا، ولا تجعل العربي يحمل مرآة ليعكس صورة تجارب الآخرين، ويرتديها على مقاساتهم.

أعتقد أن الاحتلال قد قوّض أركان تجربة إنسانية في العراق، بدأت بإعتماد آليات حضارية ومعاصرة بكل معنى الكلمة لإقامة تجربة ديمقراطية حقيقية، فأنا لا أستطيع أن أفترض أن بلداً غالبية سكانه من الأميين يتمكن من تطبيق الديمقراطية، ولا أستطيع أن أفترض أن بلداً لا تتوزع ثرواتها بعدالة على المواطنين يمكنه أن يطبق ديمقراطية حقيقية. الديمقراطية تبدأ خطواتها الأولى من المدرسة والجامعة، والديمقراطية السياسية تبقى عرجاء ما لم تقم إلى جانبها عدالة في توزيع الثروة. سأعود قليلاً إلى الوراء لأتحدث عن تجربة العراق الذي تحوّل في عقد السبعينيات من القرن الماضي إلى ورشة عمل كبرى على كل الأصعدة، إذ شُرّع قانون لمحو الأمية وأُقرّ قانون التعليم الإلزامي المجاني وخلال ست سنوات إستطاع العراق أن يحصل على جائزة اليونيسكو بإعتباره صاحب أنجح تجربة في محو الأمية، ونشر التعليم إذ أصبحت نسبة الأمية صفراً. هذا عدا عن افتتاح الجامعات وإرسال آلاف الطلاب إلى الخارج للحصول على الشهادات العليا، وأستطيع أن أجزم بأن عقد السبعينيات ما كاد ينقضي إلا وكان للعراق خزيناً من العلماء في كل الاختصاصات، يضاف إلى ذلك ما لديه من الشعراء والمثقفين والفنانين الذين يعتبرون صفة ملازمة لتاريخ العراق.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أقام العراق نهضة صناعية في قطاعات مختلفة وخاصة في مجال البتروكيماويات التي تعد عماد الصناعات الثقيلة في وقتنا الراهن، ووظّف موارد النفط لخدمة إقتصاد متعدد المحاور، كذلك شهد العراق نهضة زراعية (سدود، قنوات ري، استصلاح أراضي) ولم يهمل جانب الخدمات الأخرى، فالخدمات الطبية المجانية لم تشمل العراقيين فقط بل شملت كل المقيمين على أرض العراق من غير العراقيين والأجانب بل حتى العابرين. أما في مجال الإسكان، فقد تم وضع برنامج لتوفير السكن العصري المناسب للمواطنين من أصحاب الدخول المختلفة وقد تميّز العراق بنقل خدمات المدينة إلى الريف، وهذا أدى إلى نزوح معاكس من المدينة إلى الريف بشكل لو قدّر له أن يستمر لكان قد وفّر تجربة نموذجية تستحق الدرس والبحث من قبل ذوي الاختصاص.

كما أن الثقافة قد إستحوذت على حيزٍ عالٍ من إهتمامات حزب البعث العربي الاشتراكي، وتحوّل العراق إلى بلد يؤلف ويطبع ويقرأ، أما على صعيد إقامة الركيزة العلمية أقول وبلا تردّد بأن "صناعة العلماء" قد وجدت لها في العراق أساساً راسخاً، وكان يحق للعراق خلال حقبة السبعينيات والثمانينيات أن يفتخر بأنه يمتلك رصيداً عالياً من علماء الطبقة الأولى بدءاً من الذرة وانتهاء بكل العلوم الصرفة والعلوم الإنسانية. فهل يشكّل ذلك إخفاقاً لتجربة القومية التي كان البعث يسعى إلى امتداد إشعاعاتها على الساحة العربية تمهيداً لتقطيع جذور التمزّق القومي الذي عانى منه الوطن العربي بفعل اتفاقية "سايكس-بيكو" أم أن تلك التجربة تشكل وليداً كان يجب الحفاظ عليه من قبل العراقيين والعرب عموماً، لأن العراق لم يكن يبني تجربة قطرية لا على الصعيد التطبيقي ولا على الصعيد النظري، لأنه كان يضع في اعتباره الهم القومي بالمرتبة الأولى؟ حينما كان يقام مشروع ما، كان يتم تدارس أبعاده القومية من مبدأ التكامل الاقتصادي العربي، ولقد إستضاف العراق في فترة خطط التنمية الكبرى ما يقرب من خمسة ملايين مواطن عربي معظمهم من المصريين الذين كانوا يعملون دون إجازة عمل وبهذا يتساوون في الحقوق والواجبات مع المواطن العراقي ويفضلَّون عليه في بعض الأحيان. ولا بد لي هنا من طرح التساؤل التالي: الآ تشكّل هذه التجربة القومية مصدر إلهام للقوميين العرب جميعاً وعلى اختلاف انتماءاتهم؟

بعد تحقق خطوات أساسية على المشروع القومي العربي، جاء الاحتلال -خاصة بعد الأول من حزيران 1972 حينما صدر قرار تأمين النفط- بعدما وجد حملة الهم "الكارتيلات النفطية" في قرار تأميم النفط بلطة يمكن أن تمزّق أنابيب النفط التي تصب في بنوكهم الكبرى وتقطع شرايين استغلالهم، فبدؤوا بالتخطيط لإضعاف العراق حتى لا يعطي تجربة جاهزة للدول التي تمتلك الثروة النفطية، وفتحوا للعراق أكثر من جبهة في الداخل والخارج، وأثاروا له الزوابع السياسية والعسكرية إلى أن إستكملت حلقات المشروع الاستعماري في التاسع من نيسان عام ألفين وثلاثة بإحتلال بغداد. جاء المحتلون بذرائع شتّى، تارة تحت لافتة نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية -وهذا ما ظهر زيفه وتوظيفه سياسياً من قبل الإدارتين الأميركية والبريطانية وتساقط نتيجة ذلك الكثير من رموز الاستخبارات في كل من تلك الدولتين، وتارة أخرى تحت لافتة علاقة العراق بالإرهاب الدولي، وحين لم يجدوا أثراً لذلك حاولوا تنظيم خطوط تراجعهم والإتيان بفكرة ترضي طموح المغفلين داخل العراق وتؤمن للولايات المتحدة استمرار وجودها في العراق كرأس جسر لمشروعها الكوني للسيطرة على العالم، فطرحت أكذوبة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة ومنظمات المجتمع المدني كأهداف بديلة لمشروعها في العراق. ولكن أية ديمقراطية تأتي محملة على أجنحة صواريخ كروز أو مع رُسُل الموت التي تطلقها البوارج الحربية أو حاملات الطائرات التي تقف على مشارف المنطقة بكاملها. حاولت الولايات المتحدة أن تقدّم بديلاً عن كل ما سبق من أفكار، فطرحت موضوع الديمقراطية، وقالت أنظروا، هذا هو العراق الديمقراطي اليوم يقدّم النموذج الواضح لديمقراطية الولايات المتحدة الأميركية، فهل تبنى ديمقراطية تحت ظروف الاحتلال؟

عندما لم تسمح أميركا بإجراء الانتخابات البرلمانية في لبنان إلا بعد إنسحاب القوات السورية لأنه لا ديمقراطية في ظل الاحتلال، نسيت أو تناست ودخلت في تناقض صارخ مع هذه القناعة الراسخة في القيم الديمقراطية، وأوجدت مواعيد مقدسة لسلسلة من الانتخابات والاستفتاءات في العراق خلال سنة واحدة وهو ما لم تستطيع دولة ظروفها أفضل من العراق بكثير أن تنجزه في أقل من ثلاث سنوات. هذه ديمقراطية أمريكا المصدرة للعراق، فأي الأمرين ينبغي أن يتحقق أولاً الأمن أم الديمقراطية؟ الخبز أم الديمقراطية؟ لقد انعدم الأمن في العراق إذ يعيش أكثر من سبعين بالمئة تحت خط الفقر، والبطالة مستشرية في البلد، وقد تحوّل العراق بفضل ديمقراطية أميركا إلى أغنى بلد بثرواته وإلى أفقر شعب.

هذه الظروف كلها، إضافة إلى الحق الطبيعي والشرائع السماوية والقوانين الوضعية وميثاق الأمم المتحدة والقانون الإنساني والأخلاقي، دفعت الطليعة من العراقيين إلى حمل السلاح دفاعاً عن وحدة العراق وسيادته واستقلاله.

إن المقاومة تمثل شرائح مختلفة من العراقيين منها من تمثل بالتيارات الوطنية أو القومية أو الدينية، وهناك تنسيق على صعيد التخطيط الاستراتيجي والعملياتي أيضاً، ولا شك أن هذا ما يساعد على جعل النتائج متوازنة مع الفعل المتحقق على الأرض بحيث أن أميركا التي تمتلك أقوى جيش في التاريخ أقرّت عملياً بالهزيمة حتى ولو لم تعترف بها صريحةً. هنا، أود أن أجري مقارنة بين جهاد العراقيين وما شهدته التجارب الثورية في العالم وخاصة التجربة الفيتنامية، فالمقاومة العراقية انطلقت والحرب الباردة قد وضعت أوزارها تحت ركام جدار برلين ولم يعد هنالك نصير لها في المعسكر الشرقي السابق، في حين أن الفيتناميين كانوا يتلقون الدعم بكل أشكاله من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية فضلاً عن العمق الاستراتيجي في فيتنام الشمالية ولاوس وكمبوديا، أما العراقيين فإنهم مطوقون من جهات الأرض الأربع ويقاتلون أميركا التي أصبحت أكثر قوة مما كانت عليه في السبعينيات.. أليست هذه معجزة؟!

ألا نفخر بأننا أخضعنا أميركا وجعلنا الجسر الذي أرادته معبراً إلى الآخرين مقبرة للحلم الأميركي بالقبض على الكرة الأرضية؟

يعتبر حزب البعث العربي الاشتراكي من أهم فصائل المقاومة، فله حركة ناشطة على صعيد العراق كله، وليست في الوسط السني فقط، وعمليات المقاومة الجهادية التي يقودها الحزب لها نتائج واضحة في محافظات الجنوب كما في الوسط، وقد لا يستطيع أحداً أن يقدِّر فعالية هذه العمليات إلا من يعرفها حق المعرفة، وهم أصحاب الخسائر من الأميركيين والبريطانيين.

أما الجيش السابق فقد كان مشبعاً بالفكرين القومي والوطني، وكان يسمو فوق النوازع الطائفية والعرقية، ويحمل هدفاً واحداً وهو الدفاع عن العراق. وإذا كانت المعركة الأخيرة ونتيجة لظروف الحصار الذي كان مفروضاً على البلد قد جرّدت الجيش من بعض إمكاناته (كقدم الأسلحة وخروج معظمها من الخدمة)، ولكنها جعلت قيادته تخطط لجعل المعركة الحقيقية بعد الاحتلال. وهذا ما حصل فعلاً بمجرد انتهاء العمليات الفعالة، إذ بدأ الضباط وضباط الصف ينخرطون في عمل مقاوم مؤطر بوضوح، وعمل الجيش على التنسيق مع باقي فصائل المقاومة الأخرى. هذا ما دفع الإدارة الأميركية إلى الإحساس بالخطيئة عما ارتكبه بول بريمر حينما حل الجيش العراقي. وأخيراً بدأت توجه الدعوات لمنتسبي الجيش السابق المنحل للإنخراط في صفوف الجيش الجديد، ولكن دعواتها قوبلت بالرفض من قبل أناس أقسموا على خدمة الوطن دون نوازع طائفية أو تحت ظلال الاحتلال.

وما تجدر الإشارة إليه هنا، أن لهيئة علماء المسلمين تأثيراً واضحاً، حيث تشكّل قوة سياسية لا يستهان بها بل قوة رئيسية في الشارع العراقي وهي أداة مقاومة فعالة لمشاريع المحتلين، كما أن هناك فصائل أخرى، كالجيش الإسلامي وجيش الراشدين وجيش المجاهدين وفصائل أخرى تنتشر على مساحة الوطن إضافة إلى تنظيم القاعدة، لها ثقل مؤكد.

وأخيراً أقول: البندقية الموجهة إلى صدر المحتل مقدسة بصرف النظر عن اليد التي تمسك بها والرصاصة الموجهة إلى صدر عراقي مدانة بصرف النظر عن اللافتة التي تقف تحتها.