العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

المقاومة... وفشل الاحتلال

د. خالد المعيني
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

الآن سأتحدث عن تداعيات الاحتلال الأميركي، بدون الغوص في الماضي، كي لا نستهلك جهودنا في الماضي، لأن الحاضر والمستقبل والتأمل في المستقبل، هو الذي يتوجب أن يستحوذ على جل اهتمامنا. فبعد أربع سنوات من الاحتلال أصبحت الأمور أكثر وضوحاً ولا نقل بصورة كاملة، ولكن إلى الحد الأدنى الذي يمكن معه تشكيل رؤية، لتفسير هذه المرحلة، ومحاولة التنبؤ برسم الخيارات المستقبلية على الأخص فيما يخص توجهنا في الحركة الوطنية العراقية، وهي الحركة المعنية حالياً بإنجاز هدف ومهمة الاستقلال الوطني، فقد أصبح من المؤكد أن الأهداف الحقيقية وراء غزو العراق تنبع من هدفين استراتيجيين، أولاً: تكريس الهيمنة الأميركية كقطب منفرد أوحد في هذا القرن، وضمان ذلك من خلال قطع الطريق على الأقطاب الدولية، الفاعلة في النظام السياسي الدولي، المؤمل منها منافسة ومزاحمة الولايات المتحدة الأميركية، وذلك للتربّع على قمة هرم النظام الدولي، وذلك باحتلال منابع النفط مباشرة وبدون وسائط، ثانياً: إخراج العراق وهو القوة العربية الوحيدة، التي تتوفر لها توازن قوى بشرية ومادية من معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ولم يكن من المتوقع من القريب والبعيد، أن تنشأ مقاومة جدية، من ركام الشعب العراقي، المثقل بالحروب والحصار، ولكن سرعة انبثاق عمليات المقاومة، حتى وكأنه لا يوجد فاصل زمني بين الاحتلال، وسرعة اشتعال المقاومة، في عشية الاحتلال، لم يكن يوجد في العراق، أي تنظيم سياسي أو جهة مهيأة عقائدياً ومادياً للمباشرة في عمليات المقاومة، وفي اعتقادي أن الجهة الوحيدة التي كانت مهيأة، وذات إرادة قوية للمباشرة بفعل المقاومة تنحصر في الإطار الإسلامي، حيث توفر الباعث النفسي، والعقائدي وبقية المستلزمات الأخرى، ثم لم تلبث أن تكاملت المقومات الوطنية والعشائرية لاحقاً، لإعطاء صورة إسلامية وطنية عن هذه المقاومة علماً أن العمود الفقري لهذه المقاومة، وقيادات فصائلها هو ضباط ومنتسبي الجيش العراقي، الذي امتلك خبرة لم توازيها خبرة جيش آخر في القتال، وخاصة ضد القوات الأميركية، ومما ساعد من سرعة اشتعال هذه المقاومة توفّر السلاح في كل مكان وبسبب الظرف التاريخي للعراق، وما عاشه الشعب العراقي من حروب متكررة ملّكتهُ الخبرة الكافية لاستخدام أنواع الأسلحة مضافاً إلى هذه العوامل، أخطاء الإدارة الأميركية، والمتمثلة بجانبين أحدهما الجهل بطبيعة الشعب العراقي، والثاني: حل مؤسسات الجيش والأمن في العراق.

والحقيقة أن الاحتلال قد نجح بصورة كاملة في أن يكون احتلالاً من أول نتائجه كان موقف الشعب العراقي في رفضه، بغض النظر عن حملات الترويج لتحرير العراق. وبغض النظر عن الطبقة السياسية التي قَدمَتْ مع الاحتلال، وثبت مع الأيام أنها جزءاً من مشكلة العراق وليست جزءاً من الحل.

وبعد مرور أربع سنوات، وبعد حجم الخسائر المادية والبشرية المدفوعة من قبل الولايات المتحدة، وبحيث أصبحت من الناحية الاستراتيجية كلفة الاحتلال أكثر من منفعته، ولاسيما أن المقاومة العراقية قد أفشلت ليس الصفحة العسكرية فحسب بل بقية الصفحات وخاصة السياسية والاقتصادية، وما نجح به الاحتلال نسبياً هو فقط محاولات إثارة كوامن الفتنة الطائفية وتكريس ذلك في أخطر وثيقة سياسية، متمثلة في الدستور العراقي، بعد أن تم تجسيدها عملياً، ابتداء من مجلس الحكم وقانون إدارة الدولة مروراً بتقسيم الوزارات العراقية والمؤسسات على أساس الطائفة والعرق، وهذا استمر من الاحتلال ولغاية الآن رغم تعاقب أربع حكومات احتلالية، وهذا ينطبق بالتحديد على الوزارات الرئيسية (الدفاع، الداخلية، الخارجية).

منذ اليوم الأول لانبثاق عمليات المقاومة العراقية وزيادة شدتها، حاولت الولايات المتحدة وأدواتها، إعطاء انطباع، على أن هذه المقاومة تنحصر في منطقة وفي طائفة، وأنها عمليات إرهابية مستوردة لإظهار الشعب العراقي بأنه راض بالاحتلال، إلا أن المقاومة العراقية، بفصائلها العسكرية وبالمفهوم الواسع للمقاومة الذي يندرج من المقاومة السياسية إلى المقاومة المسلحة قد انطبقت على كافة مكونات الشعب العراقي، فعروبة العراق في الجنوب من يحافظ عليها هو أهلنا في الجنوب، وهذا كان في بداية الاحتلال، ومن المؤكد وكنموذج وتجسيد عملي على أن المقاومة، بما فيها المسلحة، هي وطنية وليست طائفية هو امتزاج دم آلاف الشهداء في معركة (الفلوجة، النجف) حيث اختلط دم الشهداء. الآن ورغم استمرار الاحتلال وأعوانه في طمس هوية وحجم المقاومة المسلحة في جنوب العراق، والتي لا يسلط الضوء عليها فإن هناك يومياً عمليات قاسية ضد الاحتلال البريطاني في جنوب العراق.

طبقاً لقانون المراحل الذي مرّت به كافة حركات التحرر الوطني في العالم، فإن المقاومة العراقية قد حققت التوازن العسكري مع الاحتلال، الذي بدأت مراكز صنع القرار فيه، تعي أنها إذا لم نقل قد هزمت فإنها لم ولن تنتصر في العراق، إلا أن الخانق الذي يجب أن تعبرهُ المقاومة العراقية في هذه المرحلة هو كيفية استكمال منجزات العمل العسكري بعمل سياسي وبالتحديد أن يمثل هدف المقاومة وهو الاستقلال، وأن يتم الاتفاق على إعلان برنامج سياسي موحد، وانبثاق مجلس سياسي يمثل فصائل المقاومة، على أن تبقى كما قال (هوشي منه) الطاولة ساخنة حتى وإن تم تبادل إشارات ورسائل مع العدو والحقيقة أن هذه الولادة قد أصبحت ضرورة تاريخية ينتظرها كل من العدو والشعب العراقي ودول المنطقة. وعبورها قد يشكل خطيئة لا تغتفر تجاه شهداء هذه المقاومة.

وللمقاومة الدور الهام في إرباك الاحتلال وتخبطه في الساحة العراقية وقبوله بمؤتمر دول الجوار مع حضور دول مجلس الأمن الدولي، ويعتبر هذا المؤتمر إعادة تنشيط لمقررات تقرير (بيكر هاملتون) بإدخال دول الجوار والدول الدائمة العضوية بتشكيل ما يمكن أن نطلق عليه مدخل لخروج الاحتلال من مأزقه.

وبالتأكيد أن للدول المشاركة في هذا المؤتمر تأثير على الساحة العراقية، ولكن هذا التأثير ليس تأثيراً حاسماً وحاكماً على نهايات ما يجري على الأرض لأن الكلمة الأولى والأخيرة لإرادة الشعب العراقي، وهذه الدول يجب أن تقف بموضوعية تجاه قضية العراق وإلا فإن هذا المؤتمر سيكون كسابقاته، وهذه الموضوعية تقوم على ركيزتين أولهما الوقوف إلى جانب الشعب العراقي بأكمله، وليس الوقوف إلى جانب هذه الطائفة أو تلك بمعنى أن تقف دول الجوار بمسافات متساوية من جميع مكونات الشعب العراقي والركيزة الثانية، المراهنة على انتصار إرادة الشعب العراقي المتمثلة بفصائل المقاومة وبالموقف منها.

وقد تكون هكذا مؤتمرات (تدويل قضية العراق) مدخل لخروج الاحتلال من مأزقه الذي حصر فيه بين مطرقة المقاومة العراقية وسندان الرأي العام الأميركي، فرغم تعاقب الحكومات الاحتلالية ووجود أكثر من نصف مليون جندي أجنبي وعراقي، فإن هناك أكثر من عشر محافظات خارج السيطرة الحكومية، وإن الحل في العراق ليس له إلا مخرج واحد وهو الاعتراف بالمعادلة الحقيقية التي تجري على الأرض بوجود إرادتين متصارعتين لا ثالث لهما وهما الاحتلال والمقاومة، والمقاومة لا تملك إلا خيار القتال حتى انتزاع الاستقلال في حين أن الطرف المحتل لديه خيار الانسحاب وبطريقتين إما بمعاهدة للجلاء والحفاظ على ماء الوجه أو الانسحاب تحت النار، وهنا يكمن مأزق الاحتلال.

وقد أثبتت التجربة السابقة استحالة نجاح العملية السياسية في ظل الاحتلال، علماً أن الاعتراف بمشروعية المقاومة يستند إلى القانون الدولي حول حقوق حركات التحرر الوطني.

د. خالد المعيني

عضو المجلس التأسيسي العراقي