العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

تحرير وليس احتلال؟!

صلاح برواري
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

لم يكن هنالك ثمة مشروع قومي في العراق كما كان يروّج رأس النظام أو حزب البعث الحاكم "العراقي" ولا الدائرين في فلكه من "القوميين" العرب. كل أولئك البعثيين الشرفاء، في حزب البعث العراقي، من الذين كانوا يؤمنون بـ "المشروع القومي العربي"، إما أعدموا بأوامر مباشرة من صدام حسين أو ماتوا في السجون والمعتقلات أو اضطروا إلى مغادرة العراق إلى غير رجعة.

الخطوة الوحيدة التي كان من الممكن أن تتمخض عن أي مشروع قومي عربي، هي ميثاق الوحدة بين العراق وسورية الذي وقّع من قبل الرئيسين المرحومين أحمد حسن البكر وحافظ الأسد، وهو المشروع الذي وأده صدام حسين في مهده غداة استلامه السلطة في العراق، وأعدم كل رموزه من المسؤولين الحزبيين والحكوميين. كل ما عدا ذلك من كلام هو مجرد تخيلات يطرحها مثقفو "كوبونات النفط" المعروفة.

إذاً، لم يكن هنالك لدى النظام العراقي السابق وحزبه أي مشروع قومي كي يسقط هذا المشروع -لاحقاً- بعد سقوط النظام في 9/4/2003. وكي لا نطيل في الكلام حول هذا الموضوع أكثر من اللازم، أقول موجهاً كلامي إلى كل "المطبّلين والمزمّرين" لـ فارس العروبة صدام حسين، أنه لو كان لديه مشروعاً قومياً -كما يدّعون- لما إجتاح دولة الكويت العربية، ولما استباح أموال وأعراض الكويتيين -وهي أعراض عربية، وحتى بعد سقوط النظام العراقي ولجوء أكثرية الرموز البعثية العراقية إلى سورية ودول عربية أخرى، فلو كان لدى هذا الشق العراقي من الحزب مشروعه القومي، لأعلن الوحدة الفورية الاندماجية مع حزب البعث السوري.

إن العراق يشهد الآن ولادة تجربة "ليبرالية ديمقراطية" ستخرجه من ظلامية الأصولية القومية، التي لا تختلف كثيراً عن الأصوليات الدينية الظلامية، هناك الآن، أمام بقايا "البعث العراقي" فرصة حقيقية لمراجعة الذات، ونقد تجربته السابقة، إذا كان هذا الحزب لا يريد -وبحق- تحميل نفسه كل أوزار وأخطاء وخطايا الدكتاتور الراحل صدام حسين.

ثمة دعوات جديّة من قبل الحكومة العراقية الحالية لعودة البعثيين من الذين لم تتلطخ أياديهم بدماء أبناء الشعب العراقي إلى الحياة السياسية الحقيقية، في ظل وجود برلمان عراقي حقيقي وحر، وعندها سيجد البعثيون، سواء غيّروا اسماءهم أم لم يغيروها، مكاناً لهم في العملية السياسية الجارية في العراق. عدا ذلك، لن نسمح لهم بأي شكل من الأشكال، بالعبث بمصير الشعب العراقي ووضعه على كف عفريت، إذ لا عودة بالعراق إلى مرحلة حكم الحزب الواحد، تلك المرحلة أصبحت في خبر كان، وعلى الحالمين بعودة تلك الحقبة المظلمة، أن يستفيقوا من أحلامهم أو كوابيسهم.

صحيح أننا في عراق اليوم لا نحمل مشروعاً قومياً، ولا ندّعي ذلك، بل نحمل مشروعنا السياسي الحضاري الواضح المعالم، والذي يتجسد في بناء عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي موحد، ونحن اليوم نخطو خطوات كبيرة وملموسة على صعيد العلاقة مع الشقيقة سورية، حيث تمخضت الزيارة الأخيرة للرئيس العراقي السيد جلال طالباني إلى سورية عن اتفاقات كبيرة وهامة، تخدم وتعزز علاقات البلدين في مجالات عدة، ليس أقلها الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي كان يعتبر سابقاً أحلاماً بعيدة المنال بالنسبة للشعبين الشقيقين.

فأين، إذن، هم أصحاب "المشروع القومي"؟ وأين كان مشروعهم حين كانوا في السلطة؟ وأين هو مشروعهم الآن؟

فيما يتعلق بمقولة "المقاومة"، أنا شخصياً لا أرى أن هناك مقاومة جدية وحقيقية في العراق، رغم احترامي لكل المختلفين معي في الرأي بهذا الخصوص.

المقاومة تكون حقّة وشرعية، حين يكون هناك إحتلال فعلي للبلد شبيه بمرحلة الإستعمار البريطاني أو الفرنسي قديماً لكل من العراق وسورية.

أميركا حرّرت العراق، استجابة لنداء قواه الوطنية السياسية، التي لم تتمكن لوحدها، وبإمكانياتها المتواضعة، من إسقاط أعتى دكتاتورية شهدتها المنطقة بل وربما العالم، في عصرنا الحديث. أمريكا دخلت العراق بناء على التزامات وقوانين ومواثيق دولية، وستخرج منه حين يقرر الشعب العراقي ذلك عبر ممثله الحقيقي والوحيد "البرلمان العراقي".

إن الأعمال الإرهابية التي يقوم بها تنظيم القاعدة، وبقايا البعث الصدامي تعطي ذريعة لبقاء أطول لقوات الاحتلال الأميركي (أقول الاحتلال، حسب تعريف مجلس الأمن الدولي له رغم عدم إقتناعي بذلك، لأن تسمية الاحتلال هي تسمية سياسية -قانونية- دولية، تفرض على أمريكا التزامات معينة تجاه العراق وشعبه، أمام الأسرة الدولية، المتمثلة بالأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي).

من يريد أن يمارس حقه في المقاومة الوطنية الشريفة، فليمارسها تحت قبة البرلمان أو من خلال المنابر السياسية والصحفية والإعلامية الحرة في العراق. "الاحتلال الأميركي" لن ينتهي ولن يرحل بتفجير إرهابي هنا أو هناك، في هذا السوق الشعبي أو تلك الحارة السكنية، حيث يذهب نتيجة ذلك العشرات من الأطفال والنساء والناس البسطاء، في حين لا تكون حصة أميركا من هذه العمليات سوى جندي أو جنديين. طبعاً أرجو ألا يفهم من كلامي هذا، أنني أدعو إلى قتل الجنود الأميركيين الذين تركوا بلادهم وعائلاتهم، لمساعدة الشعب العراقي، ولكن كي أوضح حقيقة "المقاومة" التي يتبجح بها البعض. المقاومة شيء والإرهاب شيء آخر، وحتى الإعلام السوري يقر بهذه الحقيقة.

لن يكون في عراق اليوم إقصاء لأي قومية أو طائفية، لأسباب قومية أو طائفية مذهبية، فالجميع سواسية أمام القانون. والثقل السياسي لكل كتلة سياسية داخل البرلمان هي التي تحدد حجم المشاركة السياسية لهذا الطرف أو ذاك. نحن الكرد في غالبيتنا من المذهب السني، ولا يمكن أن نقبل لكائن من كان في العراق أن يضطهد أو يقصي إخواننا العرب السنة في العراق، لكننا بالمقابل لا نسمح لبعض الغوغائيين من أصحاب الشعارات "القومجية" والدينية والطائفية بإتهام ونعت غالبية الشعب العراقي "الشيعة" بأنهم صفويون فرس، لأن ذلك هو ترديد فج لأقوال رأس النظام العراقي السابق، الذي شن حرباً ظالمة ضد الجارة إيران، استمرت ثماني سنوات، ودمّرت الكثير من مقدرات البلدين البشرية والاقتصادية.

ختاماً أرى أن الحل الوحيد، العقلاني والمنطقي، لمشاكل العراق وإخراجه من أزماته الحالية وطرح السياسات المتباينة، يكمُن في مناقشة وحل الملف الوطني العراقي من خلال المصلحة الوطنية العامة، والوحدة الوطنية العراقية الحقيقية التي تشارك فيها كافة أطياف الشعب العراقي، سواء من خلال البرلمان أو من خلال أي منبر أو ائتلاف أو تكتل سياسي.

صلاح برواري

كاتب وصحفي كردي عراقي ـ دمشق