تراثنا وثقافتهم

العدد 4 - تشرين أول 2005 : كمال عبد الله حمودي
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
على مر الزمن، كان تراثنا العريق بفرعيه، المادي والروحي، عرضة للنهب والسرقة والتحريف والتزوير؟؟! من قبل أعدائنا التاريخيين، الاستعمار بكل اشكاله وصفاته وحالاته، ومن خلفه، وأمامه، وعلى جنبيه، الصهيونية العالمية مجسدة بوجهها المعاصر ـ ما نسميه بقهر، الدولة اليهودية ـ القائمة في فلسطين المحتلة.. بغية محو هذه الثقافة الحية المتمثلة بإنسان هذه المنطقة من العالم وما يحمله من قيم و ـ ثبوتيات ـ تاريخية فذة تجعله مميزاً عن غيره وبكل تواضع ومحبة..

هذه المدونات التاريخية واللقى الأثرية بدءاً بالمومياوات والآثار الفنية والمنحوتات والمنمنمات ولوحات الفسيفساء التي كانت تزين المعابد والقصور والساحات العامة، إلى المخطوطات وما تحويه من علوم أفاد منها الغرب فائدة عظيمة، الأمر الذي أكده أكثر من باحث ومستشرق غربي معروف، وحسبي أن أشير إلى كتاب ـ شمس العرب تسطع على الغرب ـ ؟؟! للمستشرقة زيغريد هونكه وكتاب ـ صور وصفية لبلاد العرب ـ لـ كارستن نيبور والمؤرخين، والمستشرقين، بيترودلافالا وتافيزيه وفولني والمؤرخ والآثاري الكبير باولو ماتييه وما أكده باحثون يجعل كفة الميزان غير راجحة لحساب إسرائيل، الأمر الذي يقض مضجعها، ومضجع من يواليها وهم كثر على كل حال؟؟

لذلك تسعى إسرائيل إلى مسح ما يمكن، وما لا يمكن مسحه أيضاً من هذا الإرث، معتمدة على كم هائل من الأساطير والأكاذيب وهذا الدعم الإعلامي العالمي الذي قل أن حظيت به دولة مارقة عبر التاريخ؟!! لأن هذه الثقافة التي ترتكز في مجملها على ماض من الأمجاد الغابرة، ماضي ينابيع الحضارة ـ الأولى ـ في بلاد ما بين النهرين، وسوريا الطبيعية، ووادي النيل بتوأمه التاريخي ـ مصر والسودان ـ إلى الجزيرة العربية، الماضي الذي منح العالم ـ الحروف الأبجدية الأولى والأرقام الحسابية، والمدونات الثقافية الراقية المتمثلة بالأساطير والأناشيد والقصائد الشعرية، والتشريعات الحقوقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لهذه الأسباب، كانت المعركة ـ حامية الوطيس ـ، بين الثقافات الراقية والثقافات الهجينة؟ وهو ما أطلق عليه صفة ـ المعركة الحضارية ـ حتى لا تغيب صفة الحرب، حتى عن ساحات الصراع الفكري، وهو ما يسميه رجال الحرب والمثقفون على السواء ـ صراع الحضارات ـ مع ما تخفيه هذه التسمية من خبث؟!!

هذا الصراع الذي نستند فيه إلى تاريخنا العريق وماضينا المشرق بكل معطياته ومؤثراته، بغض النظر عمّا نحن فيه اليوم من نقص لما ذكرناه؟

ولطالما أدرك أعداء هذه الأمة: أن مفاتيح الحضارة هذه موجودة فينا؟! نحن ورثة هذا الإرث الكبير؟!! أرضاً وإنساناً.. تكاد تدمع عيني، أو هي تفعل عندما تقع في صدر صحيفة، أو في طيات كتاب أو جريدة، على خبر مفاده: إن هذا الأثر التاريخي الرائع، أو ذاك، مسروق من أرضنا؟!! بطريقة من الطرق؟؟ موجود الآن في ساحة فرنسية أو متحف إيطالي، أو نمساوي، أو ألماني، أو إسباني، إلى ما هنالك من بلاد الله الواسعة..

حقيقةً، لا أحد يستطيع، تأكيد بداية هذه الظاهرة، أين؟ كيف؟ ومتى؟ بدأت؟ ولكننا نعلم ـ من خلال المدونات ـ أن بدايتها، ـ هدايا ـ كان يتبادلها الخلفاء والملوك والقادة العرب، (أيام زمان) مع جيرانهم أو أصدقائهم، القادة الأجانب وغالباً ما تكون هذه الهدايا ذات قيمة تاريخية، يجهلها صاحب الهدية ذاته؟! ظاهرة تعبر عن الأبهة والترف ـ المغلف بالغباء ـ طبعاً، لأن هذه العادية التاريخية أو تلك، هي ملك لكل الوطن والأمة بالإجماع ولأنها أيضاًَ هي ومجموع ما نملك من هذه الكنوز، ما هي إلا سجل تاريخنا، ثقافتنا، حضارتنا، وليس لأحد الحق في (الإضافة أو الحذف)!

الاستعمار واليهود على الخط..

قرأت قصاصة ذات يوم، نقلاً عن فني يعمل في مجال الترميم والنسخ والتطعيم بالصدف والذهب والفضة قوله: (في بداية القرن العشرين، تكالب اليهود على شراء البيوت الدمشقية القديمة ليس من أجل السكن، لكن لنزع السقوف المزينة بالرسوم والزخرفة والنقوش، ثم إرسالها إلى تجار يهود في فلسطين لبيعها لليهود، بغية تركيبها في منازل اشتروها من أهلها بالقوة، وصممت بطريقة تحاكي في قدمها البيوت الدمشقية والفلسطينية، لأمر لا تحتاج خلفيته إلى تعليق؟! ولا يخفى على أحد، أن الصهيونية العالمية كعدو تاريخي، حاربتنا في كل الساحات وخاصة في تاريخنا الثقافي، وبنفس الخلفية المشبعة بالحقد، واللؤم، والعداء، الذي لا رجعة عنه ولا شك فيه، كانت البلدوزرات الإسرائيلية تسرق ما يمكن سرقته من المواقع الأثرية اللبنانية، وذلك أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان صيف 1982..

وبالعودة إلى التاريخ ـ القريب ـ هكذا فعل جيش نابليون في مصر، أثناء احتلاله القصير زمنياً، البعيد الأثر فعلياً؟ نعم لقد جاء نابليون بالمطبعة، وبالمترجمين، والآثاريين أيضاً، فنهب ما نهب، بقوة سواعد العسكريين الفرنسيين فقط، ولكن بعد أن كسر جنوده أنف أبو الهول بقذيفة مدفعية ـ قاتلة ـ ؟!! ولكن أبو الهول بقي في مكانه ورحل الفرنسيون رغم ـ أنفهم ـ ؟؟!

كذلك فعل الاحتلال الإنكليزي لمصر، لأن الاستعمار وغاياته ومراميه، واحدة، وبين هذا وذاك، قصة متحف بغداد التي تدمي القلب، ويعجز اللسان عن وصف أو تصور ما حصل؟

فمقابل حماية كاملة تامة فرضها الجنود الأميركيون ـ المرتزقة ـ (الكلمة الوحيدة التي قالها الصحاف.. صدقاً)؟! على وزارات ـ النفط والمالية والقيود المدنية ـ أخلى المحتل الأميركي الطريق أمام لصوصه ومن تعاون معهم ليعبثوا بإرث قلما جاد التاريخ بمثله، كان الحبل على الغارب في المتحف الوطني العراقي وأروقته ومستودعاته، التي تحتوي أبجدية التاريخ الأولى، ومدونات فجر الإنسانية، نهباً بين أيدي لصوص بغداد، إنها ليلة أخرى تضاف إلى ـ ألف ليلة وليلة ـ لكن بلا شهرزاد، وبلا هارون الرشيد، متحف بغداد، دمعة كبيرة، نقطة أول السطر؟؟

نعم كنوزنا أصبحت في متاحف العالم!! ولولا كنوزنا لما كان هناك متاحف؟! أتساءل هل من المعقول أن يأتي اليوم الذي نسافر فيه إلى الغرب، لإلقاء نظرة على ـ تاريخنا ـ أخيراً أسدل الستار، بعبارة شهيرة للمؤرخ العالمي أورنولد توينبي القائل ذات يوم: (لكل إنسان في العالم وطنان، الوطن الذي ولد فيه وسوريا؟ ويقصد بسوريا ـ حسبما أشار ـ بلاد الشام أو ما نسميه نحن في قلوبنا وضمائرنا ـ الهلال الخصيب ـ أو كما يسميه الشاعر السوري الكبير ـ فايز خضور ـ الهلال الخصيب ـ ؟؟ الخضيب حالياً؟ بانتظار الشفاء السريع.