العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

سعاده ونهج المستقبل

انطوان بطرس
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

 

مئوية سعاده الأولى

انطوان بطرس

 

نقف الآن، بعضنا إلى بعض، مستعيدين أجواء تلك الساعات الأولى من صباح الأول من آذار سنة 1904، ولحظاتها التاريخية التي شهدت ولادة الزعيم والمفكر انطون سعاده. نقف لنحتفل  بالمئوية الأولى لولادته، والوطن والعالم على حد سواء في فوضى قيَمِ فكرية وسياسية وفراغ مفاهيمي شامل على صُعد الوجود والفكر والاجتماع والاقتصاد والسياسة، من النوع الذي تشهده الحضارة البشرية من حين إلى آخر ويستدعي مثالا نموذجيا جديدا يعرف بـ (paradigm)، ليكون معيارا مفاهيميا يستوعب حقائق العصر في ميدانه، يرسي قواعد جديدة للتعامل مع الذات والآخرين وبين الآخرين على الصعد الفردية والعالمية.

ولكم يشهد العالم اليوم عقولا تسعى بشكل حثيث بحثا عن المثال النموذجي العالمي الجديد ليكون رديفا للتطور المعرفي والتقني الهائل الذين يشهده هذا العالم. مثل هذه الأزمنة واجهتها البشرية من قبل في عشايا ظهور الديانات الكبرى والعقائد الكلية كما وفي أعقاب الكوارث والحروب الكونية.

رأى النور قبل مائة عام فكان على موعد مع القدر من اجل سورية والعالم كله. لغيرنا ان يقول انها خطى كتبت عليه، اما المعلم، وكما رد على المدعي العام في المحكمة العسكرية: انها خطى نحن كتبناها ونحن مشيناها بملء ارادتنا. انها خطى الجهاد والتضحية ونكران الذات والشهادة المبكرة، جابهها كلها بثغر باسم وطلّة ساحرة وتواضع لا مثيل له، وإرادة فولاذية، وأمل لا سقف له، برسالته وبالنهضة التي خلقها وبالحركة التي أوجدها وبالتعاليم التي زرعها. ملأ الدنيا وشغل الناس منذ مطلع شبابه، وترك بصمة كبرى على صفحة التاريخ وهو لم يتجاوز الخامسة والأربعين.

شغل سنوات عمره القصير بالبطولة النادرة مقارعا الاستعمار وهو فتى يافع يوم انزل العلم التركي عن سطح مدرسته وهو في الرابعة عشر من العمر، رعى أشقاءه وتكفل تربيتهم وحمايتهم وهو فتى غض، هاجر وعمل في سكة حديد، اشتغل في الصحافة، أسس حركات حزبية، عمل في التجارة ليقيت نفسه، تولى توزيع البضائع على الدراجة ليحافظ على كرامته، جاهد وتعب وأنهك جسده من اجل رسالته. وكان شغله الشاغل ان يجد الجواب لسؤال جوهري وهو: ما الذي جلب على شعبه هذا الويل؟ وقد ضمّن هذا التساؤل التاريخي في رسالة تعتبر من مفاخر أدبيات اليقظات الفكرية والنهضات الاجتماعية والمواقف السياسية التاريخية. 

الأسئلة المبدئية التي نستهل بها هذه المناسبة هي:

هل ان سعاده لهذا العصر الجديد ؟ وهل هو لسورية أم لسورية والعالم معا؟ وهل العقيدة القومية الاجتماعية ضيقة ام تتسع للعالم؟. 

هل سعاده وهو النهضوي، ملائم لهذا التغيير الكبير في الخريطة الكونية ولهذا التبدل الهائل في الأفكار والقيم والاتجاهات؟ هل هو نهضوي عالمي عن حق وحقيق؟ هل ان فكره الواسع والمتكامل والعميق المستند الى رؤية فذة يحتل له موقعا في إطار المستقبل؟ وهل هو في حاجة لإعادة استكشافه كمفكر وصاحب نظرية متكاملة؟

هل ان المسرح العالمي كله هذه المرة ساحة لعقيدته في عصر العولمة وفي مرحلة الضياع الفكري والسعي إلى عقيدة جديدة ترسم للعالم معالم الطريق في الإطارين القومي الضيق والمنظومة العالمية بتحدياتها الكبرى؟ وإلى أي حد يعتبر فكر سعاده عابرا للانتماءات المختلفة؟

ثم كيف نقرأ سعاده وتراثه المدون قراءة عصرية؟ كيف نجعله متوافقا -وهو أصلا متوافق في الجوهر- مع المستجدات والمتغيرات؟ هل المستقبل الفكري على موعد مع سعاده؟

ملامح العصر الجديد

 

أسئلة كثيرة ليس من الهين الإجابة عليها. ومن اجل مقاربة هذا الموضوع نستعرض البيئة التي تتفاعل فيها خلفيات الأسئلة المطروحة ضمن سؤال أساسي وهو: ما هي ملامح العصر الجديد وخطوط سيره العريضة ومتغيراته وصولا إلى ما يمكن لعقيدة سعاده ان تقدمه لنا وللعالم؟ 

إذا تخيلنا أنفسنا أمام رسم تمثيلي للعالم ( sketch ) جغرافي سياسي اقتصادي اجتماعي فكري وحضاري، لوجدنا ان العالم مشطور إلى شطرين رئيسيين يفرق بينهما محيط واسع. ربما الجامع الوحيد بينهما هو الانحلال الخلقي الشامل إنسانا ومجتمعات ونظم حكم وسياسات، وما تبقى فهو تناقضات. اما التناقض الرئيسي بينهما فهو ان الشطر الأول يعيش تطوراً علمياً-تكنولوجياً رفيعاً بلغ حدود اسرار الحياة، وشيوعا لا مثيل له في المعلومات وسهولة الوصول اليها ومنفعتها  الاقتصادية. يوازي ذلك تطور مماثل في عدة الحرب وأدوات السيطرة العالمية، الأمر الذي منح المنتج الأول لعدة الحروب، هيمنة أحادية مميزة جعلته يتصرف كحكومة مركزية عالمية، تصنف الدول درجات، وتستبيح الثروات وتتحكم بسياسات الدول والمعاهدات، وتنفرد بالقرار عالمياً. لها ذراع طويلة ولكنها تنظر بعين واحدة دون مراعاة لنظام خلقي او سياسي دولي، مع استباحة كلية للقانون الدولي والمنظمات العالمية. اما نظم الحكم في هذا الشطر فهي ديمقراطية تؤمن بالحريات المدنية وبسيادة القانون داخل حدودها لكنها ديكتاتورية خارج تلك الحدود. التطور في هذا الشطر انهى عهد الاقتصاد الوطني المنغلق المستقل، وتحول اقتصاد الدول الى جزء من اقتصاد عالمي متكامل متشابك يغلب عليه طابع الكتل الاقتصادية الكبرى. عولمة وانحسار في السيادة الوطنية. الفضاء القومي في مأزق سببه تأثير المؤسسات ما فوق القومية supranational  على الدول ودساتيرها لكنه يبحث عن متنفس في التجاذب الذي تشهده العولمة بين مؤثرات الاعتماد الاقتصادي المتبادل والقوى الشعبية المعادية لهيمنة الرأسمالية.

وأما الشطر الثاني فيسوده الفقر والتأخر والأمية بالرغم من توافر الثروات الطائلة في كثير من أرجائه. ومن الطبيعي ان يتصف هذا الشطر بتراجع العلم والثقافة رغم بعض البؤر والجيوب العلمية الرفيعة التكنولوجيا المتاحة لأغراض التسلح والدفاع لا لنهضة المجتمع ونقل العلم من الصفوة إلى البيئة العامة للمجتمع الخاضع لسيطرة الغيبيات. وخلافا للشطر الأول، يخضع هذا الشطر بكامله تقريبا لنظم مستبدة وحكومات جائرة حيث تنعدم  الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات. في جزء من الشطر الثاني، تقوم دولة عنصرية لها قدرة التحكم بمركز القرار العالمي فتوظف القوى الدولية في الشطر الأول لمآربها وتطبق سياسة عنصرية واستيطانية وعدوانية مع جميع جاراتها، معرضة السلام العالمي للخطر ومؤذنة باشعال حرب حضارات لا تترك اخضراً ولا يابساً.

وتقف وراء واجهة الحكام قوى وتيارات تؤمن -مثلها مثل قوى اليمين في الشطر الأول- بحتمية صراع الحضارات، فتعمد إلى توظيف العقائد الروحية في المواجهات المضادة سعيا لتوازن رعب جديد قوامه القنبلة البشرية بموازاة القنبلة النووية.

 

اما العلاقات بين الشطرين فتخضع لقواعد الاستعمار مغلفة بإطار حديث من الوشائج الديبلوماسية.

الانعكاسات

ما هي الانعكاسات؟

من منطلق العقيدة القومية الاجتماعية نحدد سبع إنعكاسات قومية وعالمية سبعة هي:

  اولاً: وقوف انسان هذا العصر على شفير حضاري لا يقبل فيه بأخيه الإنسان. ان عدم القبول بالآخر، نتيجة تباعد القيم الشاملة المسيرة للعقائد والأديان وتزايد سوء الفهم المتبادل، لهو من اخطر التحديات التي تواجه الإنسان في القرن الجديد. إن رفض القبول بالآخر يهدد التناغم البشري ويقضي على الدورة الطبيعية للعلاقات البشرية ويحل الحروب محل التوافق المطلوب لتمتين جهود مشتركة تواجه التحديات الطبيعية التي تهدد مستقبل البشرية وقضايا المصير المشترك.

  ثانيا: الضغط الثقيل على النفس والجسد الذي يتعرض له الإنسان من خلال استمرار سيطرة القيم المادية بالرغم من انتهاء الحقبة الشيوعية. سبب ذلك ان قيم النظام العالمي المسيطر، وهي قيم رأسمالية، وتعتبر قيم مادية تفوق بشاعتها، في بعض وجوهها، بشاعة الشيوعية.

  ثالثاً: اختلاف موقع الدين في الحياة والمجتمع والمنظومة السياسية بين المجموعتين الثقافيتين الكبريين المسيحية والإسلام، وبالتالي اختلال جوهر التواصل العالمي وإيقاعه. بذلك تتقطع أوصال الحضارة بصورة عامودية كما لو أننا على شفير حرب قبلية من صنع الماضي، ولو على نطاق كونيّ، مضاعفاتها وأضرارها تفوق ما يستدعيه الخيال من صور مرعبة. 

   رابعاً: اختلاف مفاهيم العلاقة بين الإنسان والمجتمع. وهذه عقدة مزمنة تتراوح بين الحرية الفردية المفرطة والتوتاليتارية المطلقة. وربما كانت هذه الإشكالية من أهم معضلات علمي الفلسفة والاجتماع على صعيد الفكر والنظرية، ومن أهم عناصر التململ التي تجابه الإنسان الباحث عن سعادته ومصيره.

  خامساً: ارتفاع القيمة الاقتصادية للمعرفة بحيث أصبحت المعلومات رأسمال جديد وبات إنتاج الخدمات وتوزيعها أول مصادر الدخل القومي.

  سادساً: مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان. هنا ماذا يمكن ان نقول ونصف عدد سكان العالم العربي الذين تعدوا الخامسة عشرة من العمر أميون. هل يمكن تصور ديمقراطية وحقوق مدنية في ظل الأمية؟ من المسؤول في هذه الحلقة المفرغة، ولماذا لم تستخدم الثروات الطائلة للنهوض بالإنسان الذي يرزح تحت وطأة حكومات تعبث بمصالحه ومستقبله ومستقبل اجياله طمعاً بكرسي او تزلفا لرضى خارجي؟ 

  سابعاً: إشكالية الحداثة ومفهوم الثقافة. هذه المعضلة التي تتفرع عن النقطة السالفة تستدعينا بدورها إلى التساؤل اين نحن من الحداثة في وقت اجتاز العالم المتطور علميا الحداثة، واخذ يتحدث عن حداثة ما بعد الحداثة. اين نحن من قضايا العالم الثقافية؟ أين إبداعات الشعر والأدب عموماً والرسم والنحت والموسيقى؟ أين الفكر وموطنه؟ هل يسكن في ديارنا ام انه ولى الأدبار لفرط القحط؟ أليس مخزياً ان العالم العربي لم ينتج عام 1991 إلا حوالى 5600 كتاب مقابل 42 ألفٍ لأميركا اللاتينية ولا نتحدث عن أميركا الشمالية او أوروبا؟ أليس مخزيا ان مجموع الناتج الإجمالي لـ 22 بلدا عربيا لا يساوي مثيله في بلد أوروبي واحد هو إسبانيا حيث يترجم سنويا 920 كتابا لكل مليون نسمة مقابل كتاب واحد لكل مليون عربي؟

هذه العناوين تنطوي على تحديات خطيرة أربكت العالم وقطّعت أوصال المجتمعات وأحدثت بلبلة في الفكر السياسي بل وفي الوجدان القومي للشعوب وخاصة في مجتمعنا السوري تحديداً الذي يعاني من التأخر والجهل والضياع والتجزئة والتمزق الداخليين. انها نقاط سبع البعض منها موجه للوضع في المجتمعات السورية، والبعض الآخر يتوجه إلى القلق الذي يعم الضمير الإنساني محلياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، والبعض الثالث موجه إلى الغرب وعلى الأخص الولايات المتحدة المنخرطة في سياسات أدت إلى الفوضى العالمية وقد توصل إلى الدمار الشامل. 

فما الذي يحتاج  إليه المناخ العالمي الجديد المتمثل بالقرية الإلكترونية العالمية عموماً ومجتمعنا السوري تحديداً؟ وما الذي يمكن ان يوفره إرث سعاده المتمثل بمذهب "العقيدة القومية الاجتماعية"؟

التقليد السوري في حمل وقيد النهضة

طرحت للتو في مقدمتي سؤالا هو: هل ان سعاده للعصر الجديد، وما الذي يجعله هكذا؟ 

من المفارقات الجميلة ان انقل إليكم، في هذه المناسبة العزيزة ، ما كتبه سعاده نفسه عن رسالته مع منقلب قرن جديد هو القرن العشرون.

في أوائل العام 1924،  وكان آنذاك في العشرين من عمره، كتب، لقراء مجلة "المجلة" التي كان يحررها، ما هو أشبه بمقدمة تمهيدية للقرن العشرين واضعاً إياهم في إطار المتغيرات. في مثل هذه الإطلالة الفكرية الإستشرافية التي تحتمها مناسبة العبور إلى قرن جديد. كتب يقول:

"العالم الآن آخذ في الاختمار بآراء جديدة وفلسفات جديدة وعلوم جديدة وفنون جديدة. وفعل هذا الاختمار آخذ في التأثير في كل قسم من أقسام الدنيا، من القطب الشمالي حتى القطب الجنوبي على مدار الأرض كلها.

العالم على أبواب معارك هائلة تلتحم فيها جنود العلوم والمعارف والآداب والعدل والحرية والسلام مع جنود المبادئ الرجعية والظلم والعبودية والحروب. فمن أي الجنود أنت؟"

ثم تساءل:

"ما هو شأن المسيحية اليوم؟ ما هو شأن الإسلام؟ ما هي الاشتراكية؟ ما هي الحرية؟ ما هي الديمقراطية؟ ما هو مصير العالم وكيف مسيره؟

"من هو ماركس؟ ومن هو لينين؟ ومن هو ولسن؟ ومن هو مكدونالد. وماذا صنع هؤلاء الرجال في سبيل الإنسانية؟"

وبعد ستة عشر عاما اخرى، أي عام 1940، وكان في السادسة والثلاثين من العمر وقبل 9 سنوات من استشهاده، جاء مقال بمناسبة الأول من آذار، في "سورية الجديدة"، التي كان يصدرها في سان باولو، عاد فيه بالقارئ 22 جيلاً إلى الوراء، قارن بينه وبين الفيلسوف السوري زينون، واضع الفلسفة الرواقية. 

قبل ان امضي في ما كتبه سعاده اذكر ان الرواقية لعبت دوراً كبيراً في تاريخ الفلسفة. وقلائل ربما يعرفون ان تأثيرها لا يزال قائما اليوم. فأنا عرفت ذلك حديثاً. قال زينون ان الفرد هو نسخة مصغرة عن العالم وانعكاس له، وإن هدف الإنسان الأسمى هو ترقية الفكر. لقد أخضع عوامل اللذة والألم لسيطرة الإرادة (وقد تميزت الرواقية من بين جميع المذاهب الفلسفية في هذا الشأن). قال ايضاً ان الفكر هو جوهر الطبيعة وانه بسبب وجود ناموس طبيعي، يتمثل في الشعائر الوضعية والتقاليد، لم يعد ثمة دور لوثنية التقاليد اذا حل مكانها الفكر المتحرر، وعلى الإنسان ان يعمل واجبه، مُدخلا بذلك كلمة الواجب للمرة الأولى في الفكر الإغريقي. كما اعتبر ان مصدر الوجود هو واحد وشامل وليس ثمة من فارق بين الفرد والكون، وبالتالي لا تناقض او نزاع بين المادي والروحي. القانون الطبيعي تبعاً لذلك يشمل برعايته جميع أبناء البشر دون تمييز بين سيد وعبد.

هذه الفلسفة الجديدة اعتنقها وانتمى اليها أباطرة وعظماء وفلاسفة، منهم الإمبراطور مرقص اوريليوس، ورجل الدولة شيشرون، والفيلسوف سنيكا الذي وصل الى حد اعتبار الجنس البشري مقدسا، فأعطت دفعا ثقافيا عظيما للإمبراطورية الرومانية. ولم تقتصر بصمة زينون الأبدية على العالم القديم فحسب بل امتد تأثيرها الى المسيحية وأثرّت في توجهها إلى المحبة، إذ تتلمذ على الرواقية بولس الرسول في مسقط رأسه طرسوس، كما أوحت هذه الفلسفة لفلاسفة القرون الحديثة أمثال روسو وديكارت وسبينوزا وكانط نظراتهم في الإخاء الإنساني وحقوق الحرية والمساواة والأخلاق. كما وتسرب كثير من الآراء الرواقية الى الفلسفة الإسلامية كما يتضح من رسائل أخوان الصفا. أعطت الفلسفة الرواقية دفعاً أساسياً لتقدم المذهب الإنساني Humanism في المعرفة، ومنذ القرن التاسع عشر أصبحت تشكل جزءاً مهماً من الفكر الحديث.

بحسب النص الموقّع باسم نصوح الخطيب، فإن زينون "ظهر في أزمة من أزمات التاريخ الحرجة وكان زينون رسالة الخلاص لذلك الجيل ولأجيال عديدة تلت ..[وواحدا] من تلك الشرارات التي كانت تشعها سورية في مختلف العصور". 

إعتبر المقال سعاده امتداداً لزينون وللتقليد السوري في حمل وقيد الفكر، إذ قال: "لنقلب من صفحات التاريخ اثنين وعشرين جيلا ولنرجع إلى تلك الشواطئ الرابضة على المتوسط موطن زينون ومنبثق الحضارة. ماذا نجد؟ نجد بلاداً تجابه أزمة أشبه بالأزمة التي جابهها العالم في عهد زينون ... فظهر فجأة في سماء تلك البلاد كوكب الفكر والعزيمة يجمع الشمل ويهديه إلى سبيل الحياة". 

ثم قارن الكاتب بين سعاده وزينون، فقال: "كلاهما يكوّنان ركنين متينين في بناء حضارة المتوسط المتحولة بسرعة لتكون حضارة الإنسانية العامة ... لزينون فضل التقدم ان كان لصدفة الزمن حق الفضل، اما لسعاده ففضل شمول الفكرة وتحقيق الناحية العملية".

من الواضح ان سعاده، في مجمل ما كتبه هنا بالذات وفي ألوف الصفحات التي تركها، ترك نبضاً كونياً وإرثاً إنسانياً يتعدى حدود بلاده ليشمل واقع الإنسان الفرد والمجتمع على نطاق عالمي، لأن الطروحات التي استجاب فيها للتحديات كانت طروحات متقدمة منبثقة عن رؤية تتعدى العصر وتستوعب معضلات ظاهرة الاجتماع البشري حتى أمد طويل ومنها ما قد يمتد امتداد الفلسفات التي تحررت من زمنها وأصبحت من دلائل استمرار الوجود الاجتماعي.

المذهب القومي الاجتماعي

وضع سعاده المبادئ والأفكار التي صاغها واعتنقها وجعلها أساسا للنهضة القومية الاجتماعية، وأطلق عليها "المذهب القومي الاجتماعي"، في إطار فلسفي واسع تناول شؤون الحياة والكون والفن، وقام بتوزيعها بين مبادئ سياسية وأخرى إصلاحية. معظمها، له وقع خاص في تطورات القرن الماضي واستهلالات القرن الجديد، قد تبدو بحاجة إلى تحليل وتقويم وموائمة، كونها وضعت في عصر مختلف في قيمه، لأن كل فكر سياسي لا بد ان يتطور بحسب تبدل الحالات والأزمنة. وقد نجد ضرورة في تأويل بعض مواقف سعاده وأفكاره التي نعتبرها عالمية وذات روىء شاملة من اجل ان نبين الرابط بينها وبين المستجدات العصرية، وكي نرى شمولية المذهب القومي الاجتماعي وقدرته على استيعاب التحديات المستجدة التي تواجه الإنسان. 

في خطاب سعاده عام 1939 -الذي ألقاه في إجتماع قومي عقد امام المغتربين في بوينُس آيرس- ورد نص يصح ان يعتبر مانيفستاً فلسفياً وهو النص المتعلق بـ " المذهب القومي الاجتماعي". في هذا الخطاب الذي اعلن فيه سعاده ان سورية تحمل الى العالم رسالة اجتماعية، ورد ذكر "المدرحية" لأول مرة ضمنياً قبل ان يشير اليها بوضوح فيما بعد.

في هذا الخطاب، رسم سعاده معالم الوضع العالمي والمتمحور حول الصراع العنيف الهائل بين النظرية الشيوعية او الاشتراكية القائمة على الأساس الماركسي الذي يفسر الحياة بالمبادئ المادية من جهة، والنظرية الفاشية او الاشتراكية القومية التي تفسر الحياة بالمبادئ الروحية، من جهة أخرى. ولقد اعتبر انه "ليس بالمبدأ المادي وحده يفسر التاريخ والحياة تفسيرا صحيحا ويشاد نظام عام ثابت في العالم، وانه ليس بالمبدأ الروحي وحده يحدث ذلك". ان التاريخ والحياة، كما اضاف، يفسران تفسيراً صحيحاً "بمبدأ جامع -بفلسفة جديدة تقول ان المادة والروح هما ضروريان كلاهما للعالم". واضاف ان النظام الجديد للعالم لا يمكن ان يقوم على قاعدة الحرب الدائمة بين الروح والمادة، بين المبدأ الروحي والمبدأ المادي، بين نفي الروح المادة ونفي المادة الروح، بل على قاعدة التفاعل الروحي-المادي تفاعلاً متجانساً على ضرورة المادة للروح وضرورة الروح للمادة، على اساس مادي-روحي يجمع ناحيتي الحياة الإنسانية". واختتم بالقول انه في هذه الفلسفة "يجد [العالم] الأساس الوحيد لإنشاء نظام جديد تطمئن إليه الجماعات الإنسانية كلها وترى فيه إمكانيات الاستقرار السلمي واطراد الارتقاء في سلم الحياة  الجديدة". 

مثل هذه اللغة وهذا الكلام امر لم تعهده الحياة السياسية ولا الفكرية لا في البلاد السورية ولا في الشرق العربي كله وربما في كثير من انحاء الكرة الأرضية. البعض وحتى الأمس القريب، وربما حتى الآن، لم يستوعب المدرحية فاعتبرها "لفظة وليست نظرة"، أي تركيباً واتجاهاً وسطاً في الفلسفة بين فلسفتين. في حين يرى فريق ثانٍ انها فلسفة جديدة مكتملة قائمة بذاتها، لها عناصرها ومنهجيتها. ونحن من الرأي الثاني ونضيف انها ليست طرفاً في مجتمع عانى من الاستعمار وتوابعه الفكرية، يوم ولدت النظرية، كما كان يعتقد، بل إنها أمست، بفعل إفلاس العقائد المسيطرة عالمياً، ضرورة حضارية عالمية.

في العام التالي، وفي كلمة القاها في احتفال اول آذار 1940 إذ كان العالم يرزح تحت وزرالحرب العالمية الثانية، سلط  سعاده مزيداً من الضوء على مبدأه هذا، الأمر الذي كشف عن فلسفة متماسكة كلية. قال أن هذه الفلسفة التي ينادي بها "ترفض الإقرار باتخاذ قاعدة الصراع بين المبدأ المادي والمبدأ الروحي أساساً للحياة الإنسانية". بالمقابل فقد وجه الأنظار إلى "الأساس المادي-الروحي للحياة الإنسانية ووجوب تحويل الصراع المميت الى تفاعل متجانس يحيي ويعمر ويدفع لثقافة جديدة ويسير بالحياة نحو ارفع مستوى". 

لم يكن سعاده يخاطب القوميين الاجتماعيين فحسب ولا سورية وحدها بل العالم كله، وفي لحظة صراع لابد ان تنتهي إلى منتصر ومهزوم، وبالتالي لا بد من رسم عالم جديد لما بعد السلام يتكفل بحياة هانئة موعودة. وكان سعاده، كما أعلن منذ بداية مسيرته، صاحب نظرة فلسفية شاملة إلى الحياة والكون والفن، مثلما كان الحزب يعبر عن نظرة جديدة إلى الحياة.

إعادة الاستمرارية الى الحقيقة

في كانون الثاني 1947، وجه سعاده الى القوميين الاجتماعيين رسالة من الأرجنتين، أساءت فهمها القيادة المحلية المستكينة المرتاحة المنسجمة مع النظام لدرجة انها أوقفت نشرها وتعميمها.وهي في الواقع لم تنشر الا بعد اربعة أشهر من عودته إلى الوطن وبقرار شخصي منه.

في رسالته هذه، والتي يصح ان نعتبرها رسالته العالمية، خاطب سعاده القوميين بتلك الكلمات النادرة في تاريخ الأحزاب السياسية، حيث قال: "آمنتم بي معلماً وهادياً للأمة والناس ومخططا وبانياً للمجتمع الجديد وقائداً للقوات الجديدة الناهضة ... وآمنت بكم امة مثالية معلمة وهادية للأمم، بناءة للمجتمع الإنساني الجديد، قائدة التجديد الإنساني". بعدها دعا: "الأمم جميعاً الى التسليم بأن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس مادي-روحي (مدرحي) وان الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه"، وترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده، وعقيدة تفسيره من الجهة الأخرى بالمبدأ المادي وحده، والإقلاع عن اعتبار العالم، عالم حرب مُهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية.

وصف سعاده العقيدة القومية الاجتماعية بأنها "كلية" واعتبر ان القوميين الاجتماعيين انما "يشيدون تمدنا جديداً افضل من التمدن القديم الذي وضع قواعده أجدادهم. فهم من الناحية الفلسفية، الأساسية، في طليعة الأمم التي تسعى لإيجاد عالم افضل من الموجود ... وانهم يشعرون بأنهم يقدرون ان يفيدوا الشعوب الأخرى، في جمع القارات على السواء بتفكيرهم الجديد". هذه هي الحقيقة، وهذه هي وصية سعاده والمطلوب اعادة الإستمرارية إلى الحقيقة.

ملاحظة : في العدد القادم الجزء الثاني عن نظرة سعادة لاهم المواضيع الفكرية منها 

الديمقراطية والمدرحية، الانسان والمجتمع، الحداثة .