العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

كذبة التعددية في مجتمع متخلف

نصري الصايغ
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 


I

لكل جماعة خصوصية، ايّاً كانت مرجعيتها الثقافية، اكانت دينية أم مذهبية أم طائفية أم حزبية أم نقابية أم....، لكل جماعة في منطق الحداثة، خصوصية مستمدة من خلفيتها او من وظيفتها، أو من الدور الذي تقوم به. لكن الخصوصية، وهي سمة عامة لكل الجماعات، لا تعني العزلة أو الانعزال أو النبذ او امتلاك الحقيقة، او حق التفوق العنصري، أو... الا في المجتمعات المتخلفة، التي يتأسس انتماءها الاجتماعي، على تبني الموروث، بشكل تبعي وتلقائي. اما الخصوصيات الثقافية، التي تقوم قاعدة الانتماء اليها وتبنيها، انطلاقا من اختبار عقلاني وحر، فانها غالبا، ما تكون منفتحة تؤمن بالحوار والتفاعل، وتحتكم في حل خلافاتها، الى مؤسسات المجتمع السياسية والقضائية المحكومة بالدساتير والقوانين وبعض الأعراف.
الجماعات الطائفية، في مجتمعات مأزومة، متخلفة، مغلقة، متعصبة، ينتصر فيها منطق الانغلاق على نزعة الانفتاح. الدراسات السوسيولوجية اثبتت ان الجماعات، كل الجماعات، التاريخية المتوارثة (القبيلة، العشيرة، الطائفة ...) محكومة بتيارين في داخلها، تيار الانفتاح، وتيار الانغلاق. ويتغلب تيار الانفتاح في اجواء من الحرية والديمقراطية، التي تزول فيها المخاوف بين الجماعات، بينما تتغلب نزعة الانغلاق في مجتمع مأزوم، دكتاتوري، تعسفي، متعصب.
وعليه، فان الخصوصية الثقافية، مهما غالت في تزمتها داخليا، لا تعصى على التفاعل.
لم نصل بعد في مجتمعاتنا العربية، الى مفهوم الوطن الواحد، فالوطن الذي يظن انه واحد، هو وطن افتراضي، هو وطن ملغى، بأوطان في داخله. لأن الوطن يحتاج الى مواطنين، مهما تعددت مشاربهم الثقافية الخصوصية، يمارسون علاقتهم بدولتهم، من خلال انتمائهم المباشر الى الوطن، لا الى الطائفة او المذهب او العشيرة.
ألا نرى ان الانتماءات المذهبية، عابرة للأوطان الجغرافية؟ ألا نخشى اليوم، من انتشار الطوائفيات والمذهبيات والعصبيات الدينية، الى ما بعد حدود الأوطان الجغرافية، مكتلة ضدها، طوائفيات وعصبيات ومذهبيات دينية مناقضة، وعابرة للأوطان ايضاً؟
ألا تكون النتيجة، تأسيساً على ما تقدم، تهديماً لكيان الوطن، من خلال اختزاله بمذهبية وخصوصية تشطح بعيداً، مكرسة عزلتها مع نقيضها الذي يقيم معها داخل حدود الكيان الوطني؟
المسألة ليست في الثقافة والخصوصية، بل في التجارة السياسية الرائجة، التي توظف الرصيد الكبير الذي تكتنزه الطوائف المأزومة، في معارك لا يربح فيها الا العدو... والعدو فقط.

II

الخصوصية التي تكرس الانغلاق، تميل الى تقديس رموزها، والتعلق بها، وتمجيد زعمائها وطاعتهم طاعة شبه عمياء. وشهدت المجتمعات المتخلفة، ونحن منها، انماطاً كثيرة من الحصانات السياسية، فتضخم حجم المنوعات، كي لا تمس تلك الحصانات "بسوء". انها مسألة تجارية رائجة. يتم تصدير الآخر على انه مشروع اعتداء على الخصوصية. كل طائفة تخاف من الأخرى. الخوف المتبادل يؤسس للغيتوات. والغيتو يصور نفسه انه محاط بأعداء.
وكي لا يكون الكلام الوارد آنفا، مجرد تصور ذهني، او وصف مبرمج، فان القاء عين فاحصة، لحالات العداء المتفشية راهنا، يظهر بوضوح ان كل طائفة تخشى من طائفة او تحالف طوائف. تخشى من اعداءها، من نموها الديمغرافي، من مؤسساتها، من ثروات ابنائها وزعمائها، من نفوذها، من مصادر قوتها الخارجية.
هذا هو العراق في مشهده الداخلي الدامي، وامتدادات هذا المشهد اقليمياً، ألا تبدو التنبؤات كارثية؟ هذا هو لبنان، مفتون بعزفه الطائفي. يعد لحلقة من العنف السياسي، وقد يتطور الى عنف كابوسي، وهذه هي المجتمعات العربية، برمتها، مأخوذة بعقيدة الخوف المتبادل، في اجواء متشنجة، عصبية بلا حوار ولا مؤسسات يلجأ اليها، ولا قيادات موثوقة وواثقة، بأن الانفتاح لا يطيح الجميع.
الحصانة، ذريعة، سببها الخوف. ولا شيء غير تجارة الخوف وتعميمه، كأفيون سياسي، لتسهل كل السلطات، استمرار تسلطها.

III

ان التعدد الطائفي والمذهبي، انطلاقاً من الخصوصيات، تديره الدولة اللبنانية، وفق الدستور والقوانين والمحاكم الكنسية والشرعية. الطوائف اللبنانية، تمارس خصوصيتها الثقافية بحرية تامة، بل، وبحرية زائدة. فادارة التعدد الطائفي، مصونة ومحترمة... ولكن الطوائف لا تشيع. المشكلة مع الطائفية سياسية، لا ثقافية.
فليتفضل أهل الطوائف، الذين يرفعون ثقافات الطوائف والتعدد، وليقولوا لنا، ماذا ينقصهم، من الولادة الى الممات. لقد منحت الدولة، كل الطوائف، حكماً مبرماً ومطلقاً، احتكرت فيه اللبناني من ميلاده الى وفاته، (ولادة، تنشئة، تصليحاً، تبنياً، توريثاً، تزويجاً، تطليقاً، الى ساعة دفنه).
على ماذا يختلفون اذاً؟ ليس على النوازع الثقافية. اختلافاتهم متمحورة، حول ما لا علاقة له بالمذهب والدين والطائفة، انها خلافات ابتدعتها زعامات تاريخية موروثة، او تبنتها زعامات حديثة، نتاج الحرب ونتاج المال، وجيرت الكتل الطائفية لتكون وقودها في المعارك، اصواتها في الانتخابات، جماهيرها في الملمات.
الطوائف متفقة على المحاصصة في الداخل، ومختلفة على حصتها ودورها في القضايا الاقليمية.
مثلا: ما علاقة الثقافة الطائفية للمسيحيين بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات؟ هل مذهبه او طائفته أفتت له بموقف ما؟ ما علاقة السنة في لبنان، كثقافة وطائفة، بالعلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا، ولماذا يختلف موقفها عن موقف الشيعة؟ لماذا الشيعة تخصصوا في المقاومة، فيما تخصص الآخرون في الأعمار الى آخر؟
هذه زندقة. هذا فجور. هذه لعنة. ان الزعامات والتيارات والسلطات القائمة، مجمل المجتمعات العربية بحاجة الى جمهور اعمى ينتسب اليها وراثيا، بحاجة الى حاشية. الطائفة، حاشية الزعيم المطيعة.

IV

الانتماء المدني، والخروج على مؤسسات المجتمع الأهلي، مكلف للغاية. المؤسف، ان المثقفين العرب، في معظمهم، هاجروا مواقعهم، اما في هجرة الى السلف او في هجرة الى النيو ليبرالية. فقسموا المجتمع الى عقيدتين منغلقتين.
الانتحار الديني لا يمنع ابدا، الانتماء السياسي المتعدد. فقد يكون المؤمن بدين او مذهب معين، اشتراكياً، وزميله ليبرالياً، وصديقه ديمقراطياً، والآخرون عروبيين، والبعض قطريين ووطنيين.
الدين او الثقافة الدينية اكثرية، لا تشكل مرجعية سياسية ذات اتجاه واحد. اذا التجأ اليه الناس فاجتهاداتهم السياسية متعددة ومختلفة.
فالمشكلة اذا، اننا ما زلنا في مجتمع بطريركي/ابوبي. والمجتمع المتخلف هذا، لا يوفر ابداً، حظوظاً وفرصاً لخيارات حرة. انه مجتمع اتباعي الزامي، ويعتبر الخروج عليه مروقاً في الدين، ان صلب الخلافات ليس في الثقافة، لأن جوهر الثقافة، هو في البحث الدائم عن المختلف والاختلاف. والا، كيف نفسر الاجتهاد، اليس الإجتهاد الجديد إضافة مختلفة عن اجتهاد سابق؟
المشكلة، اننا نظن دائماً ان المشكلة في مكان آخر، كأن يقال مع البعض، ان المشكلة في الدين، او في الطائفة او في الثقافة او في الجماعة. المشكلة، كل المشكلة في التوظيف العبقري والجهنمي، لكل ما هو جميل وسامم ومفيد، لمصالح سلطات وقيادات، ربها في عرشها وايمانها في حسابها المصرفي.