العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

الأمة والدولة

ترجمة واعداد الدكتورة ماري شهرستان
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

عادت المسألة القومية إلى الظهور وكثر الحديث عن "يقظة الأمم"، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وحرب البلقان، وإعادة توحيد ألمانيا، وبروز التيارات الاقليمية في اسكوتلندا، بينما نحن في مواجهة الظاهرة المركزية للحداثة.

المطالبات القومية التي تعبِّر عن نفسها في الكيبيك وكاتالونيا، وكورسيكا، إنما تستجيب إلى ديناميكيات اجتماعية حيث ينبغي معرفة منطقيات المصلحة فيها، فهي مرتبطة خصوصاً بإرادة الاعتراف بثقافة نوعية متميّزة عن ثقافة الدولة.

لكن كيف يمكن للمجتمعات الحديثة أن تردّ في مواجهة وتحدّي التعددية القومية؟

ينبغي الإصلاح في عمق الدولة-الأمة دون الخشية من أن نرى في المستقبل تبديلها بالأمة الديمقراطية متعددة القوميات. لكن الناحية السلبية والخطر الكبير جداً هو في التبعات التي نرى فيها محاولات انفصالية تقوى ويقوى معها طيف الإثنية الذي يؤرِّق العالم.

تميّزت الفترة الممتدة من الحربين العالميتين إلى الحرب الباردة، بالمسألة القومية التي توصلت لأن تكون منسية لمصلحة المواجهة الإيديولوجية الثنائية القطب التي فرَّقت العالم وقتها.

لكن بدون أدنى شك، لم تغِب الأمة عن الأفق السياسي، والتحرر من الاستعمار كان ثمرة حركات التحرر القومية. لكن البُعد القومي كان مُقنَّعاً في أغلب الأحيان خلف خطابة ماركسية، وغارقاً في المنافع الدولية. كانت هذه الاستراتيجية في الخفاء مجرد ممر اجباري بالنسبة إلى شيوعيي العالم الثالث، من الصين إلى كوبا مروراً بيوغسلافيا. 

أشرك عبد الناصر في مصر، كما البعثيون في سوريا، القومية الجامحة مع اشتراكية عربية أدّت إلى تأميم الاقتصاد حيث استلمته الدولة. 

ومع سقوط جدار برلين، تغيّر المشهد رأساً على عقب، ونهاية الصراع الإيديولوجي-العسكري بين الفريق الاشتراكي وفريق العالم الحر، أعيد طرح المسألة القومية في القارّة الأوروبية.

فبينما استعاد البلطيق حريته، اعادت ألمانيا وحدتها. في يوغسلافيا، كما في القفقاس، اخذت المواجهة مع القوميين منحى عنيفاً. وفجأة لم تعد المسألة سوى انتقام بين الأمم ويقظة القوميّات.

لكن الخطاب السائد يرى في عودة هذه الدفعة القومية رجعة غير محمولة، لأنه في رؤية غائية للتقدم الذي سوف يؤدي إلى التجاوز الحتمي القومية بعالمية وبديمقراطية ليبيرالية مثل المثالية الشيوعية.

لكن هذا المعتقد القديم قد كُذِبَ مع اشتداد القوميات خلال القرن العشرين، وهذا لا يعني ان تبقى القومية أبدية، إنما ينبغي تجنب دفنها بسرعة كما فعل العديد من الراديكاليين والليبيراليين والاشتراكيين. القومية هي هيئة مركزية للحداثة حتى لو إرتدت اشكالاً سيئة.

القومية هي ضمنياً متعددة المعاني، وهذا ما يجعل بناء نظرية عامة للقومية من الصعوبة بمكان. يُفضَّل الخوض والتركيز على ظاهرة "عولمة القومية"؛ إن اجتماع هاتين الكلمتين قد يكون ملفتاً للوهلة الأولى، لأن القومية هي مبدأ الدفاع عن الخصوصية. ومع ان هذه الإيديولوجية في تحريك النوع الافرادي، فقد انتشرت منذ قرنين انتشاراً كبيراً، في اوروبا أولاً ثم في باقي القارّات، وأصبح نادي الدول نادياً عالمياً. فإذا ظلَّ تدويل البروليتاريا حلماً، فإن عالمية القومية اصبحت حقيقة.

الهدف من الدراسة هو فتح مساحات للتفكير والتأمل حول القوميات الانفصالية التي تفعل داخل دولة ما، وتطالب باسم مجموعة انسانية موصوفة على انها "امة" وتتشارك بعض الخصائص، (كالتاريخ والثقافة واللغة والماضي المشترك والأرض) بالحكم الذاتي السياسي وحتى الاستقلال.

هذه القومية الطرَفية (المحيطية) الانفصالية، تشكل النموذج الأكثر نشاطاً في القومية المعاصرة، من الكيبيك إلى البلقان مروراً بكاتالونيا وفلاندرا وكورسيكا. ليس معنى ذلك ان القومية المركزية والواحدة والمطلوبة بقوة من قبل تيارات أقصى اليمين الشعبوي (الجبهة القومية، الحزب الليبيرالي النمساوي...) قد اختفت. لكن هذه القوميات هي من حيث المبدأ تندرج ضمن إطار دولة موجودة مسبقاً، والقوميات الانفصالية تُستخدم لخلق اجواء سياسية جديدة وبذلك تساهم باعطاء دفع جديد لانبثاق القومية.

سوف احاول التقاط المحركات العميقة لهذه الظاهرة وتقصّي المظاهر قبل أن استنتج في وقت لاحق كيف يمكن للدول ان تردّ.

لا يمكن تحويل القومية إلى صورها المتطرفة فقط، فهي موضوع اجتماعي معقد والتركيز على مظاهرها الأكثر بروزاً (مع مكوناتها القوية في الاقصاء والعنصرية) يؤدي إلى تشويه عام للقومية بحيث يمنع من فهم المحركات العميقة.

كانت القومية غالباً ذات مستوى محرِّر: من ينكر للشعبين البولوني والإيرلندي التزامهما في معركة قومية كانت ملحّة للغاية؟ لقد كانت هذه الشعوب مقموعة ومذبوحة ولم تكن تستطيع التغلب وابراز الوجود إلا بالوصول إلى ذروة المنطق القومي لبناء دولة تعطيها هامش السيادة والأمن الجماعي الذي كانت تنشده بعزيمة وصلابة.

ينبغي علينا إذاً التريث والارتياب من كل مزيج سريع ينفي القومية بكاملها.

بعد قرن من الزمن قد يجري تحديث على هذا الحضّ دون ان يفقد قوته: "فالعقائد القومية لليش فاليسا وابراهيم روغوفا، هل تكون مدانة لأن الديماغوجيين يتباهون ويتبجحون بانهم قوميون؟"

مظهر خارجي معقد، يتضمن أشكالاً مفرطاً مثل المنوعات الليبيرالية.

القومية هي متعددة المعاني في العمق وهذا ما يجعل، برأينا، بناء نظرية عامة للقومية امراً في غاية الدقة والحساسية. لقد حاول البعض فعل ذلك بجدارة. لكن من الأفضل تركيز الاهتمام على ظاهرة اكثر حصراً وتحديداً وهي عالمية القومية.

 

القومية في العولمة

 

خلال عقد التسعينات 1990، تم إغناء اطلسنا بدول جديدة لم يكن لها أي وجود سياسي، من اوزبكستان إلى إيرتيريا مروراً بمولدافيا وسلوفينيا، فهي ليست اقل من عشرين دولة بزغت إلى الوجود.

الاعتراف الدولي لا يعطي إلا صورة جزئية وغير كاملة لديناميكية مطالبة قومية اعمق بكثير.

فهنا، تجد رئيس وزراء فلاني يطالب في بلجيكا بكونفيديرالية يراها البعض مرحلة لتفكيك البلاد. وهناك، تجد زعيماً سياسياً يستغل دعماً لانتخابه فيعمل لاستقلال اسكوتلاندة. والكيبيكيون مستمرون في العمل رغم فشل الاستفتاء الثاني كي تستقل منطقتهم. والكردستان التركي مثل العراقي، والبنجاب الهندي حيث السيخ، يناضلون لخلق دولة مستقلة. هذا التصعيد القومي يظهر وكأنه ظاهرة تنطوي على مغالطة تاريخية وعلى رجعية ارتدادية.

فهي مغالطة تاريخية لأن التعبير عن هذه القوميات يبدو في مواجهة عولمة ينبغي لها ان تترافق مع بزوغ ظروف انسانية اصيلة وتسوية للاختلافات. وهي رجعية ارتدادية لأنها عندما تبرز الهويات الخاصة تسيء إلى المواطَنة السياسية التي هي التبعية القصوى لجنسية تفوق الانتماءات الخصوصية النوعية.

النظرة المتفائلة للعولمة، هي في عمقها موزعة بين الماركسية الجديدة والليبيرالية الجديدة. تشكو الأولى من الكلفة الباهظة الاجتماعية لشمولية الاقتصاد لكنها تستمر بالتفكير بأن الخصوصيات القومية والتناحر بين الشعوب تختفي مع تطور البورجوازية وحرية التجارة والسوق العالمية وانتظام الانتاج الصناعي وظروف الحياة التي تجلبها.

اما بالنسبة إلى الليبيراليين، فهم يرون من منظور وظيفي نفعي، بزوغ اقتصاد سوق معولم وكأنه وسيلة لتطوير الترابط والتفاعل وخلق مجتمع دولي حقيقي حول المصالح المشتركة.

 

لكن الواقع يقاوم بعناد هذه التكهنات المرحة المتفائلة فنرى الحدود تقوى وتتكاثر بدلاً من ان تزول، بينما تزداد العولمة تطوراً.

كيف نشرح هذه المفارقة؟

 

التشابه ينبِّه الاختلاف

لنبحث اولاً في نسبية العولمة، فهي جزئية بشكل مضاعف.

فمن جهة 20 % فقط من المبادلات قد تحققت في الاقتصاد العالمي، إذ إن انتقال السلع يبقى بشكل اساسي محصوراً داخل بلاد معينة. ومن جهة اخرى، إن تدويل المبادلات ورأس المال يصيب فقط البلاد المتطورة وبعض البلاد الصاعدة، لكنها تجهل تماماً بلاد العالم الثالث.

في الواقع، تجري العولمة حول شبكة مراكز كبيرة تتمركز فيها نشاطات التبادل، بينما تبقى مساحات شاسعة مثل القارة الافريقية والاطراف الداخلية للبلاد الغنية مهملة تماماً. لأن العولمة تبقى جزئية، فهي إذاً ليست بصدد مجانسة المدى الاجتماعي للكرة الأرضية وإنقاص الخصوصيات القومية بشكل دائم، في المنظور الحاضر على الأقل. لكن بالنسبة إلى مؤيدي العولمة الساعية للتجانس، لن يكون هذا الوضع نهائياً: على المدى الطويل، تقوية الاقتصاد العالمي يجعل الأمم-الدول قوى متراجعة، فلن تلعب الأمم ولا القومية إلا ادواراً ثانوية وغالباً صغيرة؛ او بتعبير آخر، سوف تجد القومية نفسها وقد تجاوزها تطور التاريخ العالمي.

لكن إقامة هذا البرهان العام يدعو للشك. حتى لو افترضنا أن العولمة لا تزال في حالتها الجنينية وانها سطحية جداً بحيث لا يمكنها ان تخلق توحيداً يستطيع قضم اجنحة المطالبات القومية، ولكن كيف نفسر التلازم بين التعميق التدريجي للعولمة وازدياد المطالبات القومية؟

حاول البعض اكتشاف دياليكتيك سري خلف المظاهر. يقولون ان الغليان القومي في نهاية القرن العشرين ليس سوى غناء البجعة بالنسبة إلى القومية وليس ذروتها. فالظاهرة ليس لها مدلول حيوي بل مدلول النهاية. فالقومية تلمع قبل ان تموت وللمرة الاخيرة وبكل نيرانها.

هذه النظرية ليست محققة وبمنطق "مكر التاريخ" هي لا تفسر شيئاً.

يبدو ان من الأصح ان نحدّ مستوى المفارقة: شمولية/تجزئة بحصرنا للعلاقة السببية بين الظاهرتين. أما ظهور سلسلة من الدول الجديدة في اعوام 1990 فليس له علاقة بالعولمة الاقتصادية ونتائجها الحتمية الاجتماعية والثقافية. الموضوع هو على العكس من ذلك إذ ان البلاد المهمشة من الاقتصاد الرأسمالي العالمي، بلاد الاشتراكية الواقعية، هي التي عرفت البعث القومي. إن تفكيك الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا كان نتيجة تفتيت الأنظمة الفديرالية القمعية، كما في حال الاتحاد السوفياتي كامبراطورية حقيقية.

هل العولمة والدفع القومي ليس بينهما سوى محض الصدفة؟ لا اعتقد ذلك ابداً.  

إذا كان تفكيك الاتحاد السوفياتي يفسر نفسه بعوامل سياسية فإن استمرار وتعميق المطالبات القومية في البلاد المتطورة تدعمها ديناميكية العولمة، التي هي مرحلة جديدة للحداثة. وتجد تفسيرها ايضاً في صعود قوة الشمولية التي اصبح لها تأثير محرِّض على القومية وذلك بحسب قانون رد الفعل.

في المرحلة الحالية، العولمة هي آلية مضاعفة الوجهين. فالشمولية الاقتصادية، والدور المتصاعد للمنظمات الدولية، وظهور الرهانات الأرضية (أي البيئة)، وانتشار ثقافة نمطية عالمية مؤمركة بشكل كبير، وعولمة بعض المبادىء (مثل حقوق الانسان، والديمقراطية) ادى ذلك كله، في الوقت الحاضر، إلى بزوغ حضارة عالمية، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى تشمل به كل الكرة الارضية بل هي تتواجد بشكل جزئي. نجد اليوم، أشخاصاً يقطنون في زوايا الارض الاربعة يتشاركون بسمات مشتركة، مثل: عادات الاستهلاك، والمراجع الثقافية، والقيَّم.

إن المجتمعات الانسانية هي مجتمعات ثقافية متجددة على الدوام بالاحتكاك والتفاعل حيث تعيش الثقافة القومية وتزدهر لأنها بتماس مع غيرها من الثقافات.

هناك مثل كاف لإظهار هذا الميل. الكيبيك: لقد كان الكيبيك أقل حداثة بالنسبة إلى كندا الناطقة بالانكليزية، وتحوَّل فجأة من مجتمع ريفي زراعي إلى مجتمع حضري صناعي، وزالت الفروقات بين الناطقين بالفرنسية والناطقين بالانكليزية.

لكن المعضلة في يومنا هذا هي في ازمة الأمة-الدولة التي تواجه ضغوط العولمة الخارجية من جهة وضغوط الانفصال الداخلي من جهة أخرى ... حيث تنتظر هذه الأزمة حلولها في القرن الواحد والعشرين...