العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

خالد حدادة: الحزب الشيوعي يدعو إلى إعادة تكوين المقاومة ومشروع التغير الديمقراطي

حوار و إعداد: زهير فياض - زاهر العريضي
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

 

  لا شك أن الحزب الشيوعي اللبناني كان من أوائل الأحزاب والحركات التي أطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مطلع الثمانينات وكان للحزب دور أساسي ومساهمة أساسية في العمل المقاوم، باختصار ما هو تقييمكم لهذه التجربة في اطار جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ما هي الانجازات وما هي الاخفاقات؟

- بدايةً، أود أن أشير أن المقاومة - وخلافاً لما هو شائع- لم تبدأ في العام 1982، صحيح أن المقاومة التي بدأت عام 82 كانت مقاومة منظمة وفاعلة غير أن بوادر المقاومة بدأت منذ الستينات وتحديداً منذ حركة الأنصار التي تشكلت بدعوة من عدة أحزاب شيوعية عربية نتيجة تآمر الأنظمة العربية على القضية الفلسطينية، مما دفع الفئات الشعبية العربية أن تتحرك باتجاه تنظيم مقاومتها للدفاع عن القضايا الوطنية ولدرء الخطر الصهيوني، وبدايات البحث فيها سبق حتى تأسيس المقاومة الفلسطينية، بعدها جاءت تجربة الحرس الشعبي التي تزامنت مع تزايد الاعتداءات الاسرائيلية للأراضي اللبنانية في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات وقد كانت تجربة الحرس الشعبي أكثر تنظيماً وتطوراً من هذه الناحية، وترافقت في الجو الداخلي مع بداية صعود خط الحركة الوطنية أي قبل انشائها تحديدا بعد تحقيق تقارب بين الأحزاب العلمانية واليسارية المختلفة والشهيد كمال جنبلاطً من جهة ثانية، وشكلت رداً على منطق الدولة اللبنانية آنذاك الذي كان يعتبر أن قوة لبنان في ضعفه، ويومها تعليقاً على هذه التجربة صدر بيان للشهيد جنبلاط أشار فيه الى ضرورة تحصين القرى الحدودية وتسليح سكان تلك المناطق، بما يجعلهم قادرين على التصدي للاعتداءات الاسرائيلية، أقول هذا لكي أثبت قضية أساسية تحاول الدولة تجاهلها وهي أن المقاومة لم تكن في يوم من الأيام خياراً عبثياً، وانما جاءت كرد فعل لملأ فراغ تركته الحكومات المتعاقبة والدولة اللبنانية من سنة 1943 وصولاً الى العام 1982، عام الاجتياح الاسرائيلي الكامل للبنان، يعني هذا يؤسس لردنا اليوم حول موضوع المقاومة، وكرد على الشعار الذي ورط لبنان وأضعف جبهته الداخلية عنيت شعار "قوة لبنان في ضعفه" وغيرها من الشعارات التي يحاول البعض استحضارها في لبنان، أو شعار تحييد لبنان في الصراع العربي - الاسرائيلي، لذلك لا بد من أن نسجل للتاريخ أن المقاومة نشأت لتملأ فراغاً كبيراً تركته الدولة في حماية شعبها، فقام الشعب ليدافع عن نفسه حيث قصرت الدولة أو تهاونت أو تخاذلت، هذا هو السياق الحقيقي لمقاربة موضوعة المقاومة بالأمس واليوم.

  اذاً المقاومة تنطلق كحالة شعبية ومن بعدها تم خلق الأطر التنظيمية لحركتها؟

- يحس الشعب بالحاجة لحمل السلاح اما لتكرار تجربة حصلت سنة 56، الدولة أخذت قرار المقاومة آنذاك، ولكنها رأت أنها بحاجة الى عمل شعبي مساند لها، فتدعو لتنظيم مقاومة شعبية وهذا ما فعله المصريون في بور سعيد وفي قناة السويس والعمليات الفدائية التي ساهمت فيها مجموعات من القوى اليسارية آنذاك بالتنسيق مع الجيش المصري، أو أن الدولة لا تقوم بواجبها في حماية شعبها أو الدولة غير قادرة على القيام بهذه الحماية ، أو هي متآمرة أو أن الدولة بالأساس غير موجودة كما الحالة الفلسطينية، وفي كل الحالات تنبثق حالة شعبية من الناس لتدافع عن قضايا شعبها بديلاً عن الدولة، في لبنان كانت هذه الحالة قائمة، فقد كانت الدولة مقصرة وأحياناً متواطئة، أحزاب الدولة والدولة تتبنى شعاراً سخيفاً يقول بأن "قوة لبنان في ضعفه" بهدف تحييده عن الصراع العربي - الاسرائيلي، وهكذا قامت المقاومة في لبنان من حالة شعبية ساهم فيها الشيوعيون واليساريون وقوى وطنية أخرى. من كل ما تقدم أريد أن أستنتج أن المعادلة التي يحاول البعض طرحها اليوم والتي عنوانها "سلموا سلاحكم لنقيم دولة" هي معادلة فيها بذور التآمر ، نحن نقول العكس فلتثبت الدولة أولاً أنها دولة تريد الدفاع عن نفسها وشعبها وأهلها وتريد تحرير الأرض والأسرى وتمتلك استراتيجية دفاعية حقيقية حينها يجري البحث كيف تتحول المقاومة الى داعمة للدولة.

  بالضبط، أين هي الحكمة من أن تقوم بتسليم كل أوراق القوة لديك كدولة وكشعب ثم بعدها تذهب الى مفاوضات أو ما شاكل، هذا اذا كان بالأساس خيار المفاوضات خياراً واقعياً مفيداً مع العدو الاسرائيلي.

- للأسف السياسات المعلنة للحكومة الحالية تؤكد ليس فقط أنها لم تتعلم من الدروس الماضية بل على العكس تحولت الى عنصر سلبي في علاقة المقاومة بالعدوان، والتجربة التي حصلت في العام 82، يومها القرار باطلاق المقاومة تم أخذه قبل العدوان الاسرائيلي، وهذا ليس سراً، وهناك اجتماع للجنة المركزية في الحزب الشيوعي آنذاك في أواخر 81 وأخر في شباط 82 تأكد لنا بالتحليل السياسي وعبر الصلات السياسية أن العدوان آت لا محالة، وسيكون شاملاً ، ويومها كان هناك انطباع عند المقاومة الفلسطينية أن هذا العدوان بحده الأقصى سيلامس حدود نهر الليطاني، ويومها حذرنا أن هذا الاجتياح سيصل الى بيروت لأنه مرتبط بهدف تحقيق تغيير داخلي في لبنان، وليس فقط ضرب المقاومة الفلسطينية، كان المطلوب الاتيان ببشير الجميل رئيساً للجمهورية، وبالتالي أصبح الهدف الحقيقي للاجتياح الاسرائيلي عام 82 ليس فقط الخلاص من الوجود المسلح للمقاومة الفلسطينية بل بشكل رئيسي التغيير الداخلي في لبنان. ويومها أخذ الحزب بقيادة الرفيق جورج حاوي قراره بمقاومة العدوان الاسرائيلي حتى قبل حصوله، وجاء اعلان المقاومة بعد حصول الاجتياح الاسرائيلي وجاء هذا الاعلان متزامناً مع اعلانها وممارستها من قوى أخرى - بشكل خاص القوميين- وغيرهم من قوى وطنية لبنانية موجودة في البلد، وتشكلت تلك الحالة الشعبية الحاضنة للمقاومة، والشيئ الايجابي آنذاك تمثل في التنوع الذي أعطى للمقاومة بعدها الوطني الشامل. ما ميز قراءتنا سنة 82 اضافة الى منطقنا بمواجهة العدو الاسرائيلي وتحرير الأرض هو تأكيدنا العلاقة بين المقاومة من أجل التحرير والنضال الداخلي من أجل التغيير الديمقراطي، واعتبرنا أن المقاومة ضد العدو الاسرائيلي هي رافعة للنضال الداخلي، لأن المقاومة أدركت أن نجاح المقاومة غير ممكن في بلد ينخره سوس الطائفية والمذهبية والامتيازات وغياب العدالة الاجتماعية، والمعالجة لا بد أن تكون شاملة، وهذا المنطق حقق الكثير من الانجازات وفرض شروطاً سياسية وأسهم في اسقاط اتفاق 17 أيار ، وكان من شأنه تغيير قواعد اللعبة الداخلية ومنع التحاق لبنان بركب أميركا واسرائيل. في تلك الفترة ركبت في البلاد موجة التحرير مع موجة التغيير أكثر من أي فترة سابقة أو لاحقة. للأسف، بعد تلك الفترة ساد منطق اعادة الصيغة اللبنانية بدعم من قوى محلية واقليمية، هذا المنطق ضرب دور المقاومة في التغيير الداخلي، ويومها جاء مؤتمر لوزان وجنيف وظهرت بوادر تسوية سياسية للأزمة اللبنانية وتم اجهاض أي محاولة جدية للتغيير الديمقراطي في لبنان ومع الأسف بمؤازرة قوى حليفة للمقاومة وأعطى هذا الأمر النظام الطائفي جرعة حياة كبيرة، وهذه هي الخطيئة التاريخية التي ارتكبت ليس في حق المقاومة بل في حق لبنان، لأن الطوائف لا تستطيع بناء دولة، وهي غير قادرة على ترسيخ مفاهيم الحرية والسيادة والاستقلال الحقيقي، فهي - أي الطوائف - تستطيع أن تستبدل الوصي ولكنها لا تستطيع أن تلغي منطق الوصاية. بكل الأحوال ما جرى في العام 84 من انتفاضة 6 شباط وافشال لاتفاق 17 أيار يعد انجازاً تاريخياً كبيراً حققته المقاومة في لبنان، بالرغم من الفشل في تطوير النظام السياسي اللبناني الذي افترضنا أنه متلازم مع تلك الانجازات ويحميها في مواجهة التحديات المستقبلية وهذا ما أكدته الأحداث اللاحقة وصولاً الى المرحلة الحالية من الصراع. كل هذه العوامل أدت الى محاصرة منطقنا الذي يقول بتلازم التحرير مع التغيير، وهذا ما أدى موضوعياً الى ضعف دور الحزب في المقاومة في الفترات اللاحقة.

   ما هو السبب المباشر لتراجع مساهمة الحزب الشيوعي في المقاومة منذ نهاية الثمانينات ؟  

- هناك عدة عوامل، منها هزيمة المنطق الذي كنا ننادي به وعنوانه كما قلت تلازم التحرير مع التغيير، أي هزيمة المنطق الديمقراطي في المقاومة، هذا المنطق كان يقوم على تحرير الأرض من الاحتلال الاسرائيلي وبذات الوقت، تحقيق تغيير علماني وديمقراطي في الداخل اللبناني، ولحظة طغى من جديد منطق المساومات الطائفية والمذهبية، ضربت روحية المنطق الذي كنا ننادي به في المقاومة، وبدأ حصار الطوائف لأي دور للقوى العلمانية والديمقراطية في التغيير الداخلي وأعاقت القوى الطائفية حركتنا في اطار المقاومة.

  طالما نتحدث عن الطابع الوطني للمقاومة، دعا السيد حسن نصر الله منذ فترة الى اعادة احياء ما يسمى "سرايا المقاومة اللبنانية" . كيف تردون على هذه الدعوة وهل هناك من امكانية لاعادة احياء دور الأحزاب والقوى الوطنية المختلفة في اطار المقاومة؟

-  يعني نحن نحترم كثيراً السيد حسن نصر الله على المستوى الشخصي وعلى مستوى الدور الوطني الذي يقوم به اليوم، ولكن المسألة ليست قضية بالشكل بل مسألة مرتبطة باعادة صياغة لمشروع المقاومة والاستفادة من التجربة الماضية، والا تصبح المسألة شكلية ولا تحمل مضموناً جديداً، نحن بحاجة الى قراءة لترابط موضوع المقاومة والتغيير، اذا أعيد نقاش هذا الموضوع من هذه الزاوية، يصبح تفصيلاً ما هو دورنا كحزب في المقاومة، وننصبح جزءاً من عمل المقاومة ذي الوجهين ، أما أن ندعو الى اعادة تكوين المقاومة خارج اطار مشروع تغييري تحديثي داخلي، فهذا يصبح مغامرة بكل تاريخنا في المقاومة، ونفضل عندها أن نبقى مساندين وداعمين للمقاومة بجانبها التحريري ونحافظ على تمايزنا في الجوانب الأخرى.

 

  في ظل الهجمة الشرسة للمشروع الأميركي - الصهيوني، كيف يمكن تثمير انتصار المقاومة في لبنان عراقياً وفلسطينياً؟

- بصراحة، العدو
-  وهذه مفارقة تاريخية- هو أكثر من يؤمن بترابط الساحات، ونحن نجهل هذه الحقيقة. وهذا أمر مؤسف، لا شك أن قيمة انتصار تموز أنه شكل رافعة معنوية ونفسية هامة لكل المقاومات ان كان في العراق أو في فلسطين، وكان لهذا الانتصار مفاعيل هامة على المسارات الأخرى للصراع، ونحن في لبنان يجب أن نلعب دورنا في تحصين الساحة اللبنانية عبر استمرار نهج المقاومة، وتعزيز الصمود الشعبي الذي يحضن هذه المقاومة، والتنسيق مع كل القوى العربية الأخرى في مواجهة المشروع الاستعماري الذي يستهدف بلادنا