تغيرات في اليهودية العالمية الجديدة

العدد 4 - تشرين أول 2005 : رشا محفوض
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وقبله من جنوب لبنان ، الصعود الصيني العالمي وتأثيره المتوقع على الاستراتيجيات العالمية، التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأميركية، الافتراق الاستراتيجي المتوقع بين اليهود في العالم ودولة إسرائيل.. التحولات الكبيرة في المجتمع والدولة في إسرائيل هل هي مشاهد جديدة للتحولات الاستراتيجية العالمية اليهودية والإسرائيلية، وهل تظهر هذه المشاهد أسئلة جديدة تشي بالضعف والاختلال رغم القوة العسكرية والدعم الأميركي؟

إن الانتخابات الإسرائيلية تؤشر على حالة من التشتت والتمزق والصراع داخل إسرائيل وانهيار الأحزاب التقليدية والكبرى التي أسست الحركة الصهيونية لأكثر من 30 سنة وتنامي تأثير اليهود الشرقيين السفارديم وزحفهم نحو القيادة، هم بنظر الاشكناز لا يختلفون عن العرب، أما الروس فهم حالة عصية على الفهم في مجتمعهم فلا هم يهود ولا هم إسرائيليون غربيون اشكناز ولا هم شرقيون سفارديم، انهم فقط روس ينتمون إلى المافيا والفودكا والشيوعية السابقة والقيصرية واليهودية الروسية أكثر مما ينتمون إلى إسرائيل. أما المتطرفون الدينيون اليهود يمثلون تحدياً خطيراً لمستقبل إسرائيل والولايات المتحدة وهم أكثر خطورة وكارثية من التطرف والعنف في العالم. ومع هذا علينا أن نسأل هل ستستطيع إسرائيل أن تعيش بحالتها الجديدة من الانفصام عن الوكالة اليهودية العاليمة التي تمثل الإسناد الأساسي لها؟..

اليهودية العالمية الجديدة..

في تقرير هو الأول من نوعه، عنوانه حال الشعب اليهودي في عام 2004 عوامل التأثير على اليهود في عالم متغير بين التقدم والتراجع. التقرير صادر عن معهد تخطيط السياسات للشعب اليهودي بتكليف من الوكالة اليهودية العالمية وبإشراف البروفيسور في الجامعة العبرية بالقدس سيرجيو ديلا بيرغولا. وقد كتب المبعوث الخاص السابق للرئيس الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط واليهودي المعروف دينيس روس مقدمة التقرير.

يشمل التقرير معطيات دقيقة وواسعة لكل الجاليات اليهودية في العالم على الأصعدة كافة، ويتطرق لأحدث التغييرات في أروقة السياسة الدولية والإقليمية وانعكاساتها على اليهود. فجزء كبير من مضامينه قد تشكل عناوين لتوجهات إسرائيل وللمؤسسات اليهودية لعدة عقود مقبلة.

يرى التقرير أنه ثمة خلاف بين الوكالة اليهودية العالمية التي ترى إسرائيل جزءاً من الاخاء اليهودي العالمي، وإسرائيل واليهود الإسرائيليين يرون أنهم مركز القيادة ليهود العالم، ومن المخاطر التي يراها التقرير حالة التعددية الاثنية والثقافية في إسرائيل التي أدت إلى ظاهرة الزواج المختلط بين الأديان وتغريب الزواج، أي بين الأعراق اليهودية نفسها. ويُلاحظ أن معظم اليهود يجدون أنفسهم يعيشون حالياً في أكثر البلدان والمدن قوة في العالم النامي. جامعين الثراء والقوة العسكرية والمعرفة الرفيعة التكنولوجية والحرية السياسية، كما أن اليهود في الشتات الدياسبورا في موقع ملائم فيما يتعلق بالتربية والدخل والموقع في الصناعات العالمية الأساسية للدفاع عن المصالح اليهودية، ويوجد تحت تصرفهم عدد كبير المصادر التي يمكن تعبئتها لدعم هويتهم وثقافتهم والدفاع عن جالياتهم أمام التهديدات الخارجية ولهم تمثيل جيد في مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي وهم أيضاً في وضع يمكنهم من ممارسة التأثير.

وفي التقرير أيضاً اقتراحات جديدة حول مأسسة النفوذ اليهودي بما ينسجم مع الانقلابات العالمية في مجال الاقتصاد والإعلام والسياسة، وإثارة أسئلة ساخنة حول الهوية وعلاقات إسرائيل وسياساتها بالجاليات اليهودية في العالم وحول عملية السلام أيضاً.

التغيير هو ما يحدث في إسرائيل

ربما يكون التغيير الكبير في مسار اليهودية هو ما يحدث في إسرائيل من تحولات في النفوذ والنخب والتركيب الاجتماعي والاقتصادي الذي يغير من المسار الذي استقرت عليه إسرائيل منذ تأسيسها.

فقد أنشئت كدولة أوروبية ينتمي إليها مجتمع أوروبي عصري يختلف عن المجتمعات الشرقية وقد أدت هذه السياسة إلى سيطرة المجموعة الأوروبية وتهميش المجموعات الشرقية، حيث تعتمد السياسات الإسرائيلية علىحجب التعليم الثانوي عن أبناء السفارديم لكي يستمروا في الأعمال الزراعية والأعمال غير الماهرة وليبقوا طبقة دونية في المجتمع الإسرائيلي، وربما يكون من أسباب التحول الكبير الذي جرى عام 1977 في إسرائيل تجاه الشرقيين لإسقاط حزب العمل المسؤول عن السياسات المتحيزة والتمييزية تجاه الشرقيين ويقدر أن 80% منهم قد أعطوا أصواتهم اليمينية عام 1992.

لم يقتصر الانقسام الإسرائيلي على الانتخابات بل امتدت إلى المجالات الاجتماعية أيضاً وبدأت هيمنة السياسة الطائفية، فقد برزت الأحزاب الطائفية مثل شاس وبدأ الشرقيون يحتلون مناصب مهمة ويشاركون في السلطة المحلية ويؤثرون في الأحزاب السياسية وإن الطبقة المؤسسة من الغربيين الاشكناز أو الأموساليم تبدو متجهة إلى الانحسار بعد نصف قرن من الهيمنة والتسلط. وكانت النتائج الأخيرة في إسرائيل خاصة عام 2001 الحلقة النهائية على الصعيدين الرمزي والسياسي في مسيرة الاموساليم.

وتشهد الواجهة السياسية الإسرائيلية اليوم صعوداً لافتاً للقيادات الشرقية ففي الليكود هناك ديفيد ليفي ومئير شتريت وموشيه قصاب الذي تدرج حتى صار رئيس دولة وسلفان شالوم وشاؤول عمور في حزب العمل ووصل إلى الصف الأول عدد من الشرقيين مثل بنيامين بن إليعازر وشلومو بن عمي ورعنان كوهين ورافي ادري ورافي ألول وإيلي بن مناحم وعمير بيرتس رئيس الهستدروت الجديدة وغيرهم.

التحول الإسرائيلي إلى الشرقية

وهنا لا بد أن نسأل ماذا يعني التحول الإسرائيلي نحو الشرقية واستمرار الوكالة اليهودية تحت هيمنة غربية؟

في الوقت الذي تريد فيه الوكالة اليهودية أن تبقى إسرائيل واليهود جزءاً من الغرب؟

عندما نشأت الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر بقيادة هرتزل اعتبرها قادة اليهود التقليديون مثل روتشيلد تجمعاً من الشحاذين لأنهم كانوا يرون من قيام دولة يهودية خطر على اليهود ويفضلون استراتيجية ترتيب أوضاع اليهود في دولهم. أما اليوم فتبدو الآية انقلبت بين اليهود وإسرائيل فالقيادة اليهودية تتخذ دور الحركة الصهيونية السابق في حين تتجه إسرائيل التي أنشأتها الحركة الصهيونية إلى الاستراتيجيات والأفكار التقليدية التي كانت سائدة قبل 120 سنة.