العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

تفشى النثر في الصلوات "نحتٌ شعري مع محمود درويش"

مازن نجار | الكويت
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

الحديث عن محمود درويش يجرّنا مباشرة إلى سؤال وجودي هو كيف تكون كائناً مثله, او كيف تشكل عالمه المدهش المليء بالحيوية والغنى, ولعلَّ ميزةً أساسية تلفِت الإنتباه مباشرة إلى شعره وهي القدرة على تغيير جلده كالأفعى التي تسأم من نفسها ... فلا يلبث أن يجدد نفسه وتنحو تجربتُه نحو مساراتٍ لم تستردها من قبل ...

إذن: كيف استطاع محمود أن يأتي بهذا المخزون الواسع، وأن يضع أمامنا معجماً شعريا متنوع البنى والدلالات والرؤى والمواضيع؟ وكيف يشعر عندما ينهي أي كتاب على أنه كتابه الأخير- كما عبر عن ظنونه- ثم يعود ليكتشف أنه ما يزال على قيد الشعر ليقول أكثر مما قاله من قبل؟

ومهما تكن اللحظةَ التاريخيةَ الطارئة زمنياً مهيمنةً على اللحظة الجماليَّة عنده، إلا أنه تدرّج في سيرورته نحو الإنفلات من أعباء المرحلة والانعطاف نحو قصيدة أكثر شعرية.
"أنا من الشعراء الذين لا يحتاجون إلى نقاد ليدمروهم ... أنا كفيل بتدمير نفسي والتمرد عليها". يقول وهو الذي علق على جداريته ما يتصل بذلك:

كلما احترق الجناحان اقتربتُ من الحقيقة وانبعثتُ من الرماد
أنا حوار الحالمين
عزفتُ عن جسدي وعن نفسي
لأكملَ رحلتي الأولى إلى المعنى
فأحرقتي وغاب


وباعتبار أن الحالة الشعرية التي تعتري الشاعر وتحولُ له الذراتِ المتناثرة أمامَه من اللاشيء إلى كلماتٍ شعرية -كالكهرباء- التي تسري فجأة في جسد ميت فتعيدُ له الحياة. هي حالة واحدة الماهيَّة والنتيجة لدى معظم الشعراء...

وبعيداً عن القراءات الجزئية أو التفسيرية، سنحاول أن نقدم قراءة استخلاصية معمقة النظر الى بؤرةٍ محدّدة وهي محاولة معرفة سرِّ محمود درويش الشاعر، أو ما يحصل خلال تلك الإلتماعة الشعرية, وذلك بعقلية من يكتب الشعر وليس بعقلية الناقد وأدواته الأكاديمية.

جداريَّة درويش و شعريَّة الشعر :

الملاحِظ ان درويش، من خلال لقاءاته وشعره أنه يبدو أكثر صدقاً فيما يكتبُه من شعر و ما يتجلَّى في ما بين أسطُرِ. ما يقوله في مقابلاته ... ويبدو أنه يحب أن يخفي سرَّه.. ويرفضُ أن يعطي مسوَّداتِه الأولى للنقاد التي صرَّح أنها تختلفُ كثيراً عن قصيدتِه النهائيَّة ...
لكن عندما يقفُ محمود درويش أمامَ الموت وجهاً لوجه ويشعرُ أن الزمن خانه وهو لم يقُلْ بعد كل ما عنده ... ينتفض ليُخرج من تحت جلده ما كان يخبئه و يصرِّح في ساعة اليقين بما لم يكن ليصرح به لو لم يقترب منه الموت بهذه الدرجة، كأني عندما أتذكر النسيان تنقذ حاضري لغتي.


لذلك، تبدو جداريته بيئة وفرصة مناسبة لاستكشافه بعد أن خدعه الموت واضطرَه ليقول ما قاله ثم ولَّى عنهُ إلى ميعادٍ آخر وهو نفسه الذي يقول في مجموعته (لا تعتذر عما فعلت):

وعند الفجر أيقظني
نداء الحارس الليلي من حلمي ومن لغتي::
ستحيا ميتة ًأخرى
فعدِّلْ في وصيتك الأخيرة
قد تأجَّلَ موعدُ الإعدام ثانية
سألتُ إلى متى؟
قال انتظرْ لتموتَ أكثر
قلت : لا أشياء أملكُها لتملكني ..


في جداريَّته "الصوت القادم من الموت" والتي تظهره كعارف بأسرار الحياة بعد فوات أوانها, يأتينا ليبحثُ في أسرارِ الوجود وينقِّب في غياهبه...

في الجدارية يسألُ نفسَه السؤال الذي طالما مارسَ إجابته دون ان يعيها ..يسأل نفسه عن ماهيَّة الشعر لديه وكيف تتجلَّى اللحظة الشعرية:

من أين تأتي الشاعرية
من ذكاء القلب, أم من فطرة الإحساس بالمجهول, أم من وردةٍ حمراءَ في الصحراء ...


ويردفُ في تضاعيفِ جداريته:

لصحراء تنقص بالأغاني أو تزيد


ليس المتكلم هنا هو درويش، لكنه صوت الكشف الذي يحاول أن يحل خيوط أعقد سؤال عن التفاصيل التي تطرأ في تلك الإلتماعة التي لا تستغرق إلا أجزاء من الثانية و تنبض فيها القصيدة ... تلك التفاصيل التي تبدو أشد غموضاً حتى بالنسبة للشاعر نفسه .

- هل الشعرُ يأتي من حالة شعورية يستكشفها الحدس ويجسدها في أحاسيس معاشة، يمكن له التعبير عنها بسلطته اللامرئية و يجسدها في قدرة على خفض مستوى ترددات الشعور حتى يتواكب َمع الاشياءِ غير المحسوسة في زحمة الحياة اليومية؟

- أم أن الحالة الشعرية هي حالة فكرية فقط يجرِّدها العقل ويبنيها جزءاً جزءاً و يشكل حالة معينة قد تكون غير معاشة بالضرورة يعبر عنها شعرياً؟

- كيف يصل إلى لحظة الإلتماعة الشعرية وما هي مصادر الصورة الشعرية لديه؟

صحيحٌ أن كل الأسئلة النظرية عن الشعر وماهيته لا يمكن الإجابة عليها إلا شعريَّاً أي بالشعر نفسه ... لكن المغامرة رغم هذا تحلو هنا خاصة مع شاعر مثل درويش، وتحيلنا أيضا ًلنكتشف أنفسنَا من جديد معه .

 

قدسيَّة الشعر :


الشعر كائن مقدس -أو غامض- ما نزال نحاول معرفته. لكن كلما حاولنا التقاطه عندما يأتي إلينا وإصطيادَه أثناء لحظة الكتابة الشعريَّة والعودة إلى الوعي لمعرفة مايحصل ... يهربُ الشعر و يتحوَّل إلى دخان أبيض يحرق أوراقه الخضراء

للكلمات وهي بعيدةٌ أرضٌ تُجاورُ كوكباً أعلى
وللكلماتِ وهي قريبةٌ منفى
كلما فتَّشتُ عن نفسي وجدتُ الآخرين
وكلَّما فتَّشتُ عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبةِ
هل أنا الفردُ الحشود؟


ودرويش كذلك تصبح الشعرية عنده طريقةً للعيش والفهم وتجلياتُها حالةٌ مقدسة يحلو استكناهُها، وتثيرُ القلق الوجوديَ في نفس الشاعر الذي يعتبرُها اتصالاً مباشراً مع خط السماء الساخن الذي يرتقي فوق العدم ويُرجع الأشياء إلى مكوناتها البدائية وعُري ولادتها الأول ...

كلما اتضح الطريق إلى السماء
وأسفر المجهول عن هدف نهائي
تفشى النثر في الصلوات
وانكسر النشيد


الصلاة تتلى شعراً يتم االتقرب به إلى الخالق ... وما تبقى هو النثر ... والنثر هو اللاشعر فقط ... وكلما حاولَ الشعر فضَّ مغاليق السر، عند اقترابه من أبواب السماء ينكص إلى حالة النثر ويأتيه شهاب ثاقب يبعده عن تجليات هذه الحقيقة. ولعلَّ من إحدى مهمات قصيدة النثر أن تبرز كيف يستطيع الشعر دخول الجنة بدون أي عبادة او مفاتيح ويتجاوز مغاليق الأبواب التي طالما غررتها الأناشيد المموسقة والإبتهالات المرتلة.


محمود في مقابلاته:


لم يكتب محمود في تنظير الشعر أو الحديث عن تجربته الكثير فلقد قال شعراً ما أراد ان يقوله نثراً وهذا يحسب له بعكس الآخرين ... لكننا بالمرور على مقابلاته التي تكلم فيها عن لحظة الشعر لديه نلاحظ وجود تباين في المواقف يكمل الدائرة لديه ... يقول في عبارة في إحدى المقابلات التي أجريت معه: "أنا اعتبر أن المصدر الأول للشعر في تجربتي الشخصية هو الواقع، وأخلق رموزي من هذا الواقع، فرموزي خاصة بي، حيث لا يستطيع الناقد أو القارئ أن يحيل رموزي إلى مرجعية سابقة. أي أنني أحول اليومي إلى رمزي. الواقع هو مصدر رئيسي لشعري".(البيان الخليجية 20/5/1986).

لكن هذه العبارة تحيلنا إلى اللقاء الذي نشرته مجلة "مشارف" في عددها الثالث، يوم سأله عباس بيضون عن بعض الصور الغامضة في مجموعة "لماذا تركت الحصان وحيداً"، وتحديداً الصورة التي ترد في قصيدة "تعاليم حورية":

 

وخبزت للسمّاق عرف الديك.
أعرف ما يُخرِّبُ قلبَك المثقوبَ بالطاووس

 

 

وقد قال درويش في اللقاء عن مصدر الصوت ما يلي:

"الصورة ليست دائماً ذات مرجع ذهني. قد أكون راجعاً من حديقة الحيوانات والطاووس. أعني ألوانه، مروحته اللونية، اخترقتني. من وظائف الشعر -وهذا ما تعلمناه من لوركا- تغيير الحواس. وقد أكون حينها أكتب هذه القصيدة، ودخل الطاووس فيها. لكني لا أعتقد أن هذا خرب القصيدة. هناك أيضاً المطبوع بعرف الديك."

وحين يعقب عباس بيضيون قائلاً: "هل هذه الصورة ممكنة التخيل" يجيب الشاعر: "يعني أن ألوان الطاووس تخترق كأنها تثقبه. ليس عندي دفاع علمي عن هذه الصورة."

لكننا سنجد على طرف مقابل أن درويش، فيما بعد، وتحديداً في المقابلة التي أجريت معه ونشرت في الشعراء يقول: إن الكتابة كتابة على الكتابة، ولا توجد كتابة تبدأ من بياض.

من اين تأتي صوره إذاً؟ من الواقع أم من المتخيل الذاتي أم من القراءات السابقة
وهل تؤثرُ مطرقة اللحظة الشعورية لديه أثناء انبجاس الكتابة على بناء الصورة بشكل دائم ووحيد ...

نقول هذا مع معرفتنا بأن بعض كاتبي الشعر لا توجد لديهم لحظة شعورية أصلاً ويبدؤون كتاباتهم بدءاً من القصيدة نفسها بدون استمداد أي شيء من أي حالة ... أما مع درويش فالأمر مختلف أمام تنوعه في طرق نسج صوره وتجلياتها حتى مع الأخذ بعين الإعتبار ما سبق من دور اللحظة الشعورية ...

الجواب عن سؤال كهذا سيجيب عن سؤاله الدهري عن الشعرية ... هل هي ذكاء قلب يعرف كيف يجرد حالاته, أم فطرة إحساس بالمجهول تجعله يغوص أعمق من الآخرين حتى يختبر أحوالاً جديدة, أم وردة ينبتها الغناء وتنمو بالسقاية والدربة؟

يقولُ في مقابلةٍ طويلةٍ نشرت مؤخراً في جريدة الحياة: (كلُّ تخطيطٍ لقصيدةٍ هو عملٌ فكريٌّ واعٍ, وإذا ظهرتْ ملامحه تتحول القصيدة إلى مجموعة مقولات, وتُصبحُ ايضاً فلسفة, وتصبح العلاقة بين الفلسفة والشعر علاقةَ اضطرادٍ متبادل، ...). يجب أن يكون هناك تصورٌ لهندسةٍ معماريَّة تقوم القصيدة على أساسها، فالقصيدة كما يبدو تبدأ بمقولات نثرية يتم استنتاجها ثم تطور إلى نسيج شعري ... وهو ضد قصائد اللاموضوع التي تعتمد على الحالة إن كانت موجودة أساساً أولاً وأخيراً (قصيدة بلا بنية قد تهددها النزعة الهلاميَّة .أحب أن يكون للقصيدة قوام وهذا ليس قانوناً أحذوه بل هو خياري الشعري)، لكنه يتحدث من زاوية مختلفة عن مرحلة ما قبل الكتابة أيضاً في موضع آخر ليصل إلى لحظة الإلتماعة الشعرية لديه يقول:

"تبدأ القصيدة عندي من الحدس، حدس يأخذ شكل الصورة، أي يصيرُ الغامض والحلميُّ مجموعةَ صور, لكن هذا حتى الآن لا يفتتحُ مجرى القصيدة, يجب ان تتحولَ الصورُ إلى إيقاعات".

كذلك محمود في مقابلاته يدور حول زوايا مختلفة ومتباينة مما يدفعنا إلى التمييز والمطاردة، ولعلنا كشعراء حين نتخلى عن دور المحققين ويستجوبنا هو نصاب بالحيرةِ مثله أيضاً.


 

خرافة الإيقاع:


يعودُ محمود مرةً أخرى ليصفَ عمليةِ ولادةِ قصائدِهِ:

"تولدُ القصيدةُ عبر الأيقاع ..أكتب أول سطر ثم تتدفق القصيدة ... الإيقاع هو الذي يقودني إلى الكتابة ... إذا لم يكن هنالك إيقاع, ومهما كانت عندي أفكار أو حدوس أو صور فهي ما لم تتحول إلى ذبذبات موسيقية لا أستطيع أن أكتب ..."


لكننا نعرفُ أن الحديثَ عن الإيقاعِ عند درويش يشوبُه صلفُه الإيقاعي و تشبُّثُه بنفسِه كنهايةٍ للمرحلةِ الإيقاعية للشعر العربي، فهو يفتتح أول قصيدة من "لا تعتذر عما فقعلت" بـ:

يختارني الإيقاع يشرَقُ بي
أنا رجعُ الكمانِ ولستُ عازفه
أنا في حضرة الذكرى
صدى الاشياء تنطق بي


لكنَّ السؤال القادحَ لمحمود درويش إذا كان يبدأ دائماً بالإيقاع ولا يكتب إلا عندما تتحول قصائده إلى إيقاعات ... يمكن أن يصاغ بالشكل التالي: هل يمكن ان نعثر على قصيدة يمكن ان تُقالَ بصورةٍ أفضل لو تعرَّتْ من إيقاعِها و انزاحت وطأتُه من عليها؟ للإجابة عن سؤال كهذا يجب أن نتخيل الهيولى الأولى لكلمات القصيدة في مرحلة المخاض لنقرأ القصيدة في مرحلة ما قبل الكتابة ...رغم هذا فالعثور على نماذج مماثلة يبدو أمراً صعباً إلا أنه ممكن خاصَّة في المطولات التي كتبها والتي بدت فيها أحياناً نتيجة الإجهاد أثناء السير معالم ما تحت الثياب .نقرأ في الجدارية:

كأن الأرض ضيقةٌ قليلاً على المرضى الغنائيين
أحفاد الشياطين المساكين المجانين
الذين إذا رأوا شعرا ًجميلاً لقنوا الببغاء شعر الحب


تبدو بعضُ الكلماتِ الناتئة فائضةً عن المعنى, وبعضُ الكلمات حُوِّرت في حالة الوعي لتناسب الوزن .
يمكن أيضاً العثور في قصائد اخرى غير المطولات لنرى في قصيدة "في يدي غيمة" من ديوانه لماذا تركت الحصان وحيداً:

أسرجو الخيل لا يعرفون لماذا
ولكنهم أسرجوا الخيل في السهلِ
كان المكان معداً لمولده: تلةً من رياحين أجداده تتلفتُ شرقاً وغرباً...


...
ولا بدَّ أن تكرارَه لبعضِ مقولاتِه يمكن أن يُلاحظ في تلافيف قصائده من خلال بنى إيقاعية مختلفة يشي بأن الإيقاع جاء في مرحلة التشذيب النهائية للقصيدة وليس مولِّداً لها.

 

قصيدة الموضوع:


لا توجدُ أفضلُ من قصيدة ذات أفكار مسبقة وموضوع محدد لنعرف كيف يتعامل الشاعر معها ليكتب قصيدة.. من خلالها نعرف إذا كانت اللحظة الشعورية جاءت من خلال الحدس والقدرة اللامرئية على استبطان الأشياء ... من خلال فطرة الإحساس بالمجهول ... ليتمثل الشاعر الحالة ويتقمصها ثم يعيدَ انتاجها من خلالِ شعورِه الخاص الحقيقي ... وأحياناً قد يُحدث إنقلاباً جميلاً في المفهوم كما تعامل محمود درويش مثلا ًمع الأساطير حيث غيرها وحورها ... ونعرف من خلال قصيدة الموضوع أيضاً ما إذا فرضت المقولات المسبقة وغرض الوضوع على الشاعر نفسها وأصبحت القصيدة مادة مجردةً بناها العقل وأضيفت إليها المهارة اللغوية والتصويرية فقط. تبدو قصيدة محمد الدرة مثالا ًنموذجياً على ما قلناه, فالملاحظ فيها أنها تفاوتت في كيفية المعالجة في مقاطعها المتنوعة, من السردي إلى التصويري الذي يجرده العقل إلى الإنغماس في الحالة:

محمد
ملاكٌ فقيرٌ على قاب قوسين من بندقية صيَّاده الباردِ الدم
من ساعةٍ ترصدُ الكاميرا حركاتِ الصبي
الذي يتوحَّد في ظلِّه


المقطع هنا تصويريٌّ بحت لا دخل للشاعر فيه ... لكننا نظلم القصيدة إن اجتزأنا منها هذا المقطع:

فمازال يولد، مازال يولد في اسم يحمِّله لعنة الاسم
كم مرة سوف يُولد من نفسه..


المقولة الفكرية -لكل امرئ من اسمه نصيب- اسمه شابه اسم النبي (ص) وكانت نهايتُه الشهادةُ كأغلبِ الأنبياء ... الشعر هنا نشأ من العقل وبدأ من القصيدة:

يرى موته قادماً لا محالة
لكنه يتذكر فهدا ًرآه على شاشة التليفزيون
فهدا قوياً يحاصر ظبياً رضيعاً
وحين دنامنه شم الحليب فلم يفترسه
كأن الحليب يروض وحش الفلاة
إذاً سوف أنجو


محمود ساردٌ هنا فقط طرأتِ القصةُ على ذهنه فقط و نثرها على الأسطر شعرا واللحظة الشعورية هنا هي نفسها اللحظة الفيزيائية للمشاهد الخارجيً... لكن محمود لا يترك القصيدة من دون أن يضرب ضربته القاضية عندما يقول:

محمد... دم زاد عن حاجة الأنبياء إلى مايريدون


من كتب هذا فقد تمثل الحالة قبل كل شيء واستطاع الصعود إلى السماء.


قصيدة غير ناجحة :


لا توجد عند محمود قصيدة غير ناجحة بشكل مطلق في أعماله الأخيرة ..ولا نريد أن نقيم الآخرين ولا أن نسدَّ الذرائع لكنَّنا نرى أن أفضل شيء يُعري الشاعر ويُرينا أدواتِه الحقيقية هي نماذجُه التي لم يُجِدْ فيها استخدام أدواته أو جميع أدواته لنتعرفَ على الشيءِ المستعمل من خلال غيابِ استعماله . ومن خلال فشلِه النسبيِّ في تلكَ النماذج سنعرفُ سرَّ نجاحه فيما تبقى.


تبدو قصيدة هي "جملة اسمية"، في ديوانه "لا تعتذر عما فعلت" نموذجاً مثاليَّاً لما نقوله...الشاعرُ قبلَ كلِّ شيء قرر بمحض اختياره وحبَّاً للتجديدِ الهيكليِّ أن يكتبَ قصيدة مكونةً من الأسماءِ فقط, بدون أي فعلٍ فيها.

هي جملة اسمية لا فعل فيها أو لها


...
يتدخَّل هنا الوعي في مرحلة لحظة اللاوعي الكتابية ... ولا بدّ من تعديل أي فعلٍ يطرأ على باله، وتحويله إلى اسم كما هو الأمر في المحسنَّات البديعية ... ومع طرافةِ الفكرة إلا أنَّني لا أقتنعُ بالنتاجِ الشعري هنا بعد اكتماله... ما السبب؟ ليس لأننا نريد القول إن القصيدةَ فقدتْ براءَتها ... لكننا عندما نفتشُ عن الحلقة المفقودة نرى أن اللحظة الشعورية التي ولدت القصيدة لديه نبعت من حالة عقلية مجردة بناها العقل واعتراها التفكير عوضاً عن الحدس.
لنتأمل أسطره الشعرية منثورة على مرحلة مخاضها:

فرحي جريحٌ - زهرتي خضراء كالعنقاء- قلبي فائض عن حاجتي -متردد ما بين بابين
-  أين ظلي مرشدي وسط
الزحامِ على الطريقِ إلى القيامة؟- ليتني حجرٌ في سورِ المدينة, - ليت للفعل المضارع موطئاً للسيرِ-

أين طريقي الثاني إلى درجِ المدى-أين الطريق إلى الطريق- وأينَ نحنُ السائرينَ على خطى الفعلِ المضارعِ - كلامنا خبرٌ
مبتداٌ أمامَ البحر- فليت للفعل المضارعِ موطئاً فوق الرصيف...

 

وشأن أغلب شعراء اللاموضوع الذين يغورون في أنفسهم، تبدو هذه القصيدة بلا هدف محدد تسير إليه ... أو تجميعاً لأسطر شعرية وردت في قصائد سابقة انتقيت لأنها خالية من الأفعال...
ولأن الحلقة المفقودة هنا هي الحالة فهي غير مفقودة في جميع قصائده الأخرى ... ولا ريب أن الشاعر يمرُّ في القصائد الأخرى بمرحلة إعداد نفسي لكي يغوص في الحالة النفسية ويستطيع الإحساس بها بشكل حار وملائم .يمكِّنُه في النهاية من أن يفرز مشاعره صحيحة واضحة الرؤية لديه على الأسطر عند الكتابة ... هذا الإعداد قد يأتي فجأة أحياناً وقد يحدث نتيجة غمزة أو لفتة او انثناءة.

إلا أنَّ الذي نتأكدُ منه أنه عند كتابته لقصائده فهو يستقي من الحالة النفسية أولاً وأخيراً واللغة عليها أن تخلق نفسها بنفسها ... ثم يُعادَ تشكيلُها من جديد في مرحلة التنقيح والصحوة من عملية الولادة.

وكما قال محمود درويش عن الإلهام بأنه "عثور اللا وعي على كلامه" ... فنقول إن اللاوعي هو سرٌّ سماويٌّ ..اختلط بسببه احياناً مفهوم الشاعر بمفهوم النبي ... وصرنا بسببه نحب الذي أنزلته السماء من الشعراء.

-------------------

* شاعر سوري مقيم في الكويت