العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

الموت بطلٌ في مسرحيات بيروت

أسماء وهبة
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

كأن الموت هو البداية والنهاية. عدد من المسرحيات التي عرضت في بيروت أو ما زالت تعرض تتمحور حول المأساة الإنسانية أو الميلودراما السوداء التي نعيشها اليوم. فبين مسرحية "جرصة" لرفيق علي أحمد و"شلاح الطربوش" لإيلي كرم و"الصفحة سبعة" لفادي أبي سمرا وعصام بو خالد، نجد الموت عاملاً مشتركاً فيما بينها، إذ يراوح بين الموت العادي والقتل والإستشهاد. قد يموت الإبطال على امتداد المسرحية -كما في "شلاح الطربوش"، والتي تبدأ أحداثها عام 1916 وتنتهي في عام 2007، حيث تروي قصة عائلة عبد النور- شنقاً على يد العثمانيين أو بالسكتة القلبية أو قتلاً بسبب الطائفية أو قنصاً في الحرب الأهلية اللبنانية. ليس ذلك فقط، فلقد خلق ايلي كرم سجالا مفتوحا بين الأحياء والأموات في إطار من الصدمة للمتفرج التي قد ينفر منها للوهلة الأولى. نجد الزوج الأب يحاسب زوجته على خيانتها، وهي تكره استسلامه للمشنقة. ونرى الابن الزوج يسأل زوجته لماذا باعت نفسها لموظف الدولة، وهي تلومه على تركها وحيدة في بيروت المدينة التي تقهر أبنائها!

 

أما في مسرحية "جرصة-" التي تروي سيرة الفنان رفيق علي أحمد الذي يصاب بالعجز الجنسي نتيجة الأزمة السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي منعته من تقديم مسرحية جديدة خلال عشرين عاما- يقرر البطل في النهاية أن يموت حاملاً الصليب مودعا ابنته وجمهوره، بعد استعراض إنساني مليء بالخواطر يرفض فيه الإٍستمرار في حياة عنوانها الطائفية، وكأن في موته رمزية لموت الفنان والفن والفرد اللبناني.

 

في مسرحية "الصفحة سبعة"، هناك إبهار في استخدام اللغة والجسد من قِبل عبقريا المسرح عصام بو خالد وفادي أبي سمرا في عمل يطفح بالمرارة والألم والكوميديا، حيث اختزل عصام بو خالد وفادي أبي سمرا -أو المتسولان- العلاقة الإنسانية في ثنائية حارقة يبدأها في الدقائق الأولى للعرض وهما يتنازعان على رفع شارة النصر على خشبة المسرح وسط الظلام، ثم يبدأن رحلة البحث اليومي عن موتى في صفحة الوفيات التي سمياها "الصفحة سبعة" ليقتاتا على موائد العزاء. وفجأة يكتشف أحدهما أن اسمه مدرج في هذه الصفحة فيستسلم لموته ويلحق به صديق عمره إلى العالم الآخر ليمثلا طرفا المعادلة اللبنانية التي تواجه الموت بامتياز!

المفارقة أن المسرحيات الثلاثة تسخر من الموت وتربطه بشكل غير مباشر بالطائفية خصوصا في شلاح الطربوش التي تنتقد فكرة الشهادة "اللي عالفاضي". فليس هناك شيء اسمه شهادة، وكأنها دعوة إلى حب الحياة بدلا من حب الموت الذي يغرق فيه لبنان!

على أي حال، يبدو أن الموت مقدس في المسرحيات الثلاثة من خلال النص، وكأنه من المستحيل عرض أي مسرحية في بيروت الآن دون الإشارة إلى الموت. فهل أراد الفنانين من تقديم شخصيات تنضح بالموت على المسرح القول أن وطنهم على شفير الموت لأن كل أبنائه مشروع أموات؟!