العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

الإرهاب و الدرامة التلفزية السورية ، الفن بلباس السذاجة

نجيب نصير
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

لم تكن الدرامة التلفزيونية السورية هي أول من تناول هذه الظاهرة الثقافية المسماة بالإرهاب ، ولكن سبقها إليها المصريون والأردنيون في عدد من المسلسلات التي لم تتحصل على الكثير من ردود الأفعال النقدية أو الشعبية بل ربما كانت أقرب إلى الانتقاد منها إلى النقد والمناقشة ، ومع خوض الدرامة السورية هذا المجال لم يكن الحال بأحسن ، فالدرامة التي تحكي عن الإرهاب ظهرت كنبت شيطاني بلا اسس أو مقومات أو أسئلة تثير التفكير أو التدبير ، تاركة للمسكوت عنه ان يبقى كما هو فالمسألة عويصة للغاية لا يستطيع تحمل مسؤوليتها هذا الجزء الهش من الفن نظرا لتعقيداته السياسية والإعلامية وحتى الإرهابية ، لذلك بدت الأعمال الدرامية التي تتناول هذا المفهوم غير المتفق عليه وكأنها منشور خطابي ساذج لدرجة أنه يمكن أن يمر عليه وفيه كل العوامل المؤسسة للإرهاب مع انه يعلن صراحة أنه عمل يدعو إلى نبذ الإرهاب .

في النقطة الأولى التي يبدأ فيها المسلسل الدرامي السوري المعني بالإرهاب ، يلحظ عدم وجود تعريف للإرهاب متفق عليه ، فالعمل يمشي على حبال من هذه الناحية ، فالمشاهد لا يعرف المقصود من مصطلح الإرهاب ألا تلك الحالة الجنائية التي تقوده إلى الموت أو السجن ، حيث تتنافر تجربة المشاهد الحياتية والثقافية مع هذا التعريف الغائم والمثير لأسئلة قد تدفع إلى الإرهاب بدلا من البعد عنه ، فالبيئة السياسية كجزء من الأداء الاجتماعي والتي يعيش فيها المشاهد لا تقدم أي دليل على مصداقية العمل الفني الذي يراه ، مع قناعة هذا المشاهد بخطورة الإرهاب ، ولكنه اصبح قادرا على التجربة طالما هو شخصيا معرض لتلقي حقنة اللقاح ضده ، خصوصا إذا تعرض لتجربة شخصية من الخوف او الذل أو الاضطهاد ، ليتحول العمل الفني إلى سكين ذي حدين أو أكثر إذا لم يستطع تقديم صيغة مقنعة فنيا وفكريا ، حيث يتحول غير العارف بقضية إلى وبال عليها في حال عدم تمكنه من التعامل معها والأسوأ انه يحاول أن يخدم هذه القضية ، لذلك نرى مسألة الإرهاب ليست نابعة من أسئلة مجتمعية بقدر ما هي نابعة من توجيهات إنتاجية لا تغيب عن بال المشاهد في سوق صغيرة كالأسواق العربية لتظهر درامة مشغولة على عجل ينقصها الكثير من مقومات الفن الفكرية والثقافية بل حتى التجربة الشخصية ، وذلك لأرضاء الجهه الانتاجية اعتمادا على ما يفترض انه مشاهد أمي يتأثر بما يراه لتتحول الأمية إلى إحدى غايات الدرامة التلفزيونية كي تجد دائما زبائن لها من هنا تبدو الدرامة المعنية بالإرهاب واقعة في المأزق ذاته الذي وقع فيه المشاهد ... أي ما هو الإرهاب ؟

في هذا السياق لا تستطيع الدرامة فرض وجهة نظر في مسألة اختبرها المشاهد شخصيا ولمسها لمس اليد ويستطيع التفكير فيها ليس لوحده طبعا بل في رعاية وسائل الإعلام والنشر ليخرج بأسئلة يطلب الإجابة عليها ليعرف مكانه في الحياة وعلاقته الحقيقية بالدين والوطن والسياسة ، هذه هي المعضلة التي يواجهها المسلسل الدرامي المعني بالإرهاب ، فهو لا يملك لا أسئلة ولا أجوبة ولا رؤى حول الظلم الذي يتعرض له المواطن في المجتمعات العربية داخليا وخارجيا ، كما أنه لم يستطع أن يسلط أي ضوء على الإرهاب الأميركي ، أو الصهيوني ، أو المجتمعي من خلال نظرة تحليلية مسببة وكأن الإرهاب مثل الهواء الأصفر أو الجراد يدخل المجتمعات دون تحضيرات أو دلائل أو أسباب ، فقط مسألة واحدة يعود إليها ( الفضل ) في وجود الإرهاب هو استلاف سوء التفسير الديني ، حيث ومجرد حضور هذا السوء ليبدأ الإرهاب بالتوالد ، ومع أن هذا النوع من المسلسلات يفترض في نفسه انه سوف يقول الحقيقة كما هي ويفضح الإرهاب كعملية غير إنسانية وهدامة ، ليصل كي يصبح الإرهاب كموضوعة قابلة للنقاش والتطوير ، وهو عكس الغاية الإنتاجية إذا كانت تقصد ما تطلب فعلا .

الإرهاب هو نتاج حراك اجتماعي في الواقع تغفله الحراكات الثقافية جبنا أو تواطؤا ، ويتعاطف معه المجتمع في تمظهراته البسيطة والتي تتطور لتصبح استحقاقات اجتماعية ، وعليه فأن مقاربة الإرهاب كمنتج من ثقافة اجتماعية ، يستدعي الوقوف على أسباب هذا الإنتاج ومناقشتها موضوعيا وبحياد علمي ، وتصورها كحدث جنائي عابر ومدان وتبسيطي ، لا يقدم للمسألة شيئا وإنما قد يحدث العكس ، فالمجتمعات العربية حبلى بالأسئلة غير المسددة ، فالذبح في الجزائر على سبيل المثال هل هو انحراف جيني أم صراع أوربي أميركي على بترول المنطقة أم ماذا ، من أكتشف هذه العوامل المؤدية إلى الموت ووظفها بهذه الهمجية ، من طعن نجيب محفوظ ولماذا؟ ،ما هي الآلية المجتمعية الثقافية السياسية التي أدت إلى (غزوة منهاتن ) ؟ وهل هي نفسها التي أدت إلى قصف المدمرة كول ؟، وهل النضال الفلسطيني هو نفسه الجهاد الفلسطيني ، وهل السجن السياسي هو مدرسة للإرهاب أم هو تعليم وتهذيب وتوعية ؟ ، وهل انسداد أفق الدولة الحديثة ضمن منظومة نكران حقوق المواطنة ( أو تأجيلها ) هو من دواعي الإرهاب أم ان الإرهاب هو من يؤجلها ؟ألا يشعر المواطن بالظلم من تصرفات بوش ومحافظيه وهو يعبث ببلاده ؟ وهناك الكثير من الأسئلة المطروحة على المواطن العادي فكيف يمكنه أن يتلقى الموضوع كجريمة جنائية عادية .

في هذه المسلسلات تم تمييع موضوعة الإرهاب لتصبح غامضة أكثر مما هي عليه ... فالموضوع مجتمعي بامتياز ويحتاج إلى جرأة في موضعين : الأول تفكيك الأسباب التي تودي إلى أول طريق إلى  الإرهاب وهذا لم يفلح به أحد حتى الآن خوفا من تداعياته الاجتماعية ، والثاني فك ارتباط النضال بالجهاد على الرغم من ضبابية اللغة وهو الآخر لم يفلح به أحد حتى ألآن خوفا من تداعياته السياسية ، وبالنتيجة فأن تثبيت صورة الفن على هذا الشكل الذي قدم في موضوعة الإرهاب ، يضعه في توازن قلق بين نارين مرهبتين نار السلطات ونار المجتمع والمجتمع الذي يبحث الذي يبحث عن تفريغ شحنته الحركية كونه مجتمع ، أن الباس ظاهرة الإرهاب هذا الشكل الفني يسذج الفن كمنتج اجتماعي بحيث لا يصلح لا كتسلية ومتعة ولا كفائدة وتوجيه وتوعية .