العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

ويبقى الزعيم زعيما"

أسعد ذبيان
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

جالسين على المقعد في الجامعة، كانوا ثلاثة.

  في الماضي غير البعيد، ما كنت لتفرّق أحدهم عن الآخر إلا في السمات الخارجية وتقاسيم الوجه وطبعاً في بصمات الأصابع. ما كنت لتفصل بينهم بسبب الانتماء أو الاعتقاد، صحيحٌ كلُ منهم ينتمي إلى مدرسة فكريّة مختلفة ولكن لا أحد بينهم يتعصّب لإيمانه أو لمعتقده. ذاك أنّ المدارس الفكرية التي ينتمون إليها لا تؤمن بإلغاء الآخر أو باعتباره عدو أو خائن أو عميل أو عبد مأمور أو تابع أو أداة أو أو أو ....

 

  أحدهم ينتمي إلى مدرسة كمال جنبلاط الإنسانية، وثانٍ من مدرسة انطون سعادة القوميّة، وثالث من أنصار حركة المحرومين التي أسسها الإمام موسى الصدر. وثلاثتهم طلاب في كلية الاعلام الفرع الأول (الفرع الثاني يعود لفريق آخر)، وهذا نتاج الحرب الأهلية اللبنانية التي أخشى القول بأنّها الأولى . فماذا لو - معاذ الله - وقعت حربٌ لبنانيّة ثانية ؟ كيف سيقسّمون الجامعات هذه المرّة لتجنب المشاحنات ؟ لكن لن أخشى كثيراً، فلدى القيادات الحل الأنسب دائماً والأطروحة الأمثل. أليسوا هم الأنبياء والقديسون للبنانيين من مختلف الانتماءات والمشارب، ومختلف المذاهب والطوائف؟ فلا خوف أيّها الشعب، أنت بأمان، أنت بأيدي الكبار الكبار، العظماء الأقوياء، أنت بأيدي الذين لا يسألون عنك ولا يخافون عليك ولا يخشون لا على مستقبلك ولا أمالك ولا أحلامك، ولو بنسب مختلفة - فمنهم من يفرّق معاشات (لوجه الله بالطبع) ومنهم من يبني المشاريع (فتستفيد بنوكه ومنشآته وشركاته ويفيد) ومنهم من يفرّق مناصب ومراكز حكومية وعسكريّة وفي مختلف الفئات الرابعة والثالثة والثانية والأولى (حسب الكفاءة طبعاً)
-  فلك الحياة أيّها اللبناني، وأمامك الطيبات لتأكل منها وتغرف. 

 

 نعم متوجّهون إلى الحرب، كلهم، جميعهم، بلا استثناء، يدرسون الخيارات المتاحة والحرب إحداها، بعضهم يتّجه إليها وهدفه الدفاع عن النفس وعن الوجود، بعضهم يتّجه إليها ليحمي قوته ومركزه، آخرون يسيرون إليها من دون قرار ذاتي، والبعض هدفه ينبع من عامل الدين والايمان، والبعض سيقاتل من أجل توسيع رقعة النفوذ وتحسين شروط المفاوضات. البعض يمتلك السلاح، والبعض يسعى لامتلاكه، والبعض الآخر ينتظر نشوب الحرب ليتلقّاه، والتاريخ يشهد تدفّق هذا السلاح إبان الحرب، أليست لدينا أخصب أرض لنرويها بالدماء وأفضل أجساد وأعظم عقول لنفجرها بالحقد الأخوي ؟ لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ الجميع سيخسر والكل سيهزم، وسيبقى هذا البلد عرضةً للتقسيم والتجزئة والشرذمة ما دمنا في بعضنا البعض شكّاكين منقسمين. سنبقى نتصارع ما دمنا منقسمين حول كيفية تحرير فلسطين، وطالما لدينا من يؤمن أنّ إسرائيل ستصدق مع العرب ولن تخترق الهدنات المتلاحقة بين الفينة والفينة. هذا شرٌ وذاك شر، وأهون المشكلتين أصعبها. ربّما ستلاحظون من خلال الأحداث أنّ حجّة جميع الأنظمة العربيّة كانت قتال إسرائيل ويوم واتتهم الفرصة للانتصار في حرب أكتوبر، طلبوا هم بذاتهم (أي القيادات) من جيوشهم أن تتقهقر وتنسحب. الخلاصة أنّ محاربة إسرائيل حجّة واهية. وأولئك الذين يعتبرون أنّ سورية عدو ومن المحال التعامل معها، أليسوا هم الذين استفادوا من وجودها على طوال عشرين عاماً وأكثر (سواء بالغصب أو التهديد أو حفظ ماء الوجه أو للاستمرارية والبقاء) ؟ كلهم أخطؤوا ولا أحد منهم حاسبناه، فنحن "الشعب" لا ننتخب إلا نفس القادة ونفس البرلمانيين المعتّقين من مختلف الجهات، فنبقي بلدنا رهن التدخلات وألعوبة السفراء (الغربيين والإقليميين والشرقيين) والجيران (الأشقاء منهم والأعداء). يبقى الزعيم زعيما" وابنه زعيم ، ويبقى الفقير فقيرا"، ابنه فقيروآخر شهيد (شهيد المعارضة، شهيد السلطة الشرعية، شهيد الوعد الصادق، شهيد الصمود والمقاومة، شهيد الموالاة، شهيد وشهيد ....) ونسوا أن يقولوا (شهيد التحريض والتهويل، شهيد التمادي في استخدام مفردات التخوين، شهيد الشحن الطائفي...) 

 

رأيت في الثلاثة الجالسين المستميتين للدفاع عن الأحزاب التي يمثلون، صورة مماثلة لثلاثة شبان في مقتبل العمر، كانوا يقاتلون على نفس الخندق في الحرب اللبنانية وقتلوا سويّة، والمفارقة الأكبر أنّ المتصارعونَ هنا هم ابن أخ الأوّل ، ابن خالة الثاني، وجار الثالث.

 

 عفواً، لكن يبقى الزعيم زعيما"، ويبقى الشعب غشيما".