العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

عن الذي لا يشبه أحداً

لين هاشم
السبت 19 أيار (مايو) 2007.
 

في حالة مماثلة، كنت لأغلق باب غرفتي بهدوء، وأستلقي على سريري الصغير وأستسلم ساعات لوجهك في صورة ما. أو كنت لأتصفح رسالة ما أرسلتها لي، وأدقق في كل حرف فيها، وأعيد استيعاب معانيها بغباء، كأنني ما قرأتها من قبل مئة مرة. أو كنت لأختار وردة من بين باقات ورودك الذابلة التي اتشح احمرارها بالسواد، وأقضي ليلتي مع عبيرها بسذاجة أحاسيسي الأنثوية، كأني ما تنشقتها من قبل ألف مرة.

في وضع كهذا، كنت لأجمع كل "الدباديب" التي أهديتني، السوداء والبيضاء والبنية، فوق فراشي، وأعبث معها مطولاً ثم انام في أحضانها وفي داخلي شبه شعور بأنها أحضانك. أو كنت لأستمع بصبر لا ينتهي الى أغنية تهديني اياها عبر الأثير، او بضع كلمات شوق وحب تخطها على شاشة هاتفي. أو ربما ما كنت لأنتظر، لأن صبري سريع النفاذ، فأسرع لاخبارك كم أشتاقك في هذه اللحظة وكم تداهمني الذكريات العتيقة. كنت لأتصل، او لأتوقع اتصالك، ليحملني صوتك بعيداً، الى الحلم.

 

كل هذا كان ليحصل، لو كان حبك حباً عادياً. لكني لا املك أي صورة، ولم ترسل لي أي رسالة او وردة، ولم تهدني "دبدوباً" أعانقه كل ليلة، ولا أغنية أسهر برفقتها، ولم تتصل بي يوماً، ولا مر في خاطرك أن تترك توقيعك في رسالة ما على هاتفي.

العزاء يكون عادةً بالذكريات، لكني هذه المرة، لا أملك أي ذكريات عنك. انه حب معلق هذا الحب، بلا ماض ولا حاضر ولا مستقبل، لأنك لست كالآخرين، وأبداً لن تكون كذلك.

بعد أن وقعت في أسرك، بت متأكدةً ان بي ميولاً لتعذيب نفسي. أختار دائماً الحب الخطأ والرجل الخطأ. أختار دائماً مشاعر لا يمكن البوح بها. لكن مشكلتي أن الحب ليس اختيار. كتبت لك مرة:

 

لو كان الحب اختيار

لما اخترت الانهيار

وما كان مصيري أنت

لو ملكت يدي الأقدار

 

لو كان الحب قرار

لما قررت الانتحار

في دوامتي عينيك وما

أصابني هذا الدمار

 

لكن علي ان أعترف، يمكن للحب ان يكون سادياً، يوهم بأمل قريب، وبغدٍ نكون فيه معاً، وبلقاء طويل. وهم وضياع جميل. ثم يتقلص هذا الأمل مع كل يوم يمر، وتغدو قضيته مجرد ابتسامة أو نظرة او كلمة، أو لقاء من بعيد. أشعر كمن يحدق الى قبره ويصر على اقناع نفسه انه ما زال حياً.

كل ليلة، حين يغفو الجميع وتطفأ كل الأنوار، أصارع صورتك في مخيلتي، لكنك دائماً تتغلب علي وتبقى. أستسلم بعد ساعات من التعب، فأحدثك عما يشغلني ويؤرقني ويؤلمني. أخبرك عن نظرتك التي تستفز دقات قلبي بعنف وجنون، وعن ابتسامتك القاسية التي تقتحم كل بداياتي كلما أمسكت قلمي وأردت الكتابة. أحدثك عن شوق يحتلني بلا رحمة ويفقدني شهيتي بالعيش، أعترف لك بضعفي امام كلماتك، أعترف لك كم أريدك وكم أرغب بك. أغفو، ينقطع حديثنا، لكنك سرعان ما تعود في حلمي لتجعلني احبك كالعبادة.

لم تغير عاداتك بعد، ما زلت تهوى القفز بين سطور قصائدي وأوراقي، وما زلت تعرف الوقت المناسب لتأتي وتعيد أغلالك حول يدي كلما أفلت منها قليلاً. كما عهدتك بقيت، عنيداً، تكره الاستسلام، تقفل كل الأبواب والنوافذ وتقطع الهواء لتبق وحدك امامي. وما زلت كما كنت، تعرف كيف تجعلني رغم رغبتي برحيلك أرجوك ألا ترحل، ورغم رغبتي بعدم سؤالك أرجوك ان تسأل.

وأنا، انا ما زلت كما كنت، أبني أيامي على كلمة أود ان تقولها، وعلى عطر رغبتك به، وعلى رسالة ووردة منك، لن تصل ابداً.

انه حب ممنوع، مبتور، محرم، ميت، مدفون. فأنا أعرف انك لست لي، انك منذ زمن لغيري، وأنك لن تكون يوماً قدراً في باقة أقداري. أكثر ما يعذبني انك لم تكتف بمشاعري فقط، بل حرّضت علي ضميري أيضاً. انه لضمير غريب! يحاسبني بقسوة على مشاعر لا ذنب لي فيها، ويعاقبني على اعترافات لم أعترف لك بها! ماذا أفعل ان كان غذاب الضمير دائماً قصاص للحب؟

في أحد الأيام، اقتنعت أني نسيتك تماماً، وهنأت نفسي بقوتي وقدرتي على تجاوز حب مدمر كهذا. ثم رأيتك. كنت اكثر بهاءً وجاذبيةً وسحراً من أي وقت مضى، فوقعت في حبك من جديد. كم سخرت من "قدرتي" ومن نفسي في تلك الليلة! كتبت عدة صفحات في مذكراتي عن هذا اللقاء الذي كلما وقع، يوقعني في الحب من جديد. تساءلت: كيف يمكن لانسان نسيناه، ان يثير فينا كل تلك الأحاسيس في حركة واحدة؟! جاء الجواب سهلاً: حين يكون ذلك الانسان أنت، أنت الذي لا تشبه أحداً، يصبح كل شيء ممكناًً.

في ساعة مماثلة، كنت لأكون غافية في فراشي أحلم بك، لكن طيفك لم يعد يرضى بمجرد حلم، بات لا يتركني حتى أوقِّع في أسفل صفحتي أني أنهيت للتو، مقالةً عنك.