العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

في الكلام المستأنف على مقولة الاستنهاض حين يولد السؤال من الحدث (الجزء الثاني)

محمود حيدر
الاحد 20 أيار (مايو) 2007.
 

مفكر يهودي آخر هو أ.ب يهوشواع راح يضع استراتيجيات للتطبيع مع العرب، وهو مغرق في مستنقع الشك من إمكان تطبيقها. لقد ركّز كما فعل سواه، على أهمية الجانب الثقافي والميتافيزيقي للسلام، إلا أنه كان يدرك في عمق نفسه، أن ما يقدمه لا يتعدى مجرّد كونه أهواء إيديولوجية تترجم الفجوة المعنوية التي يقيم فيها الفكر الصهيوني الآن. أنه يبيّن "أن التطبيع يتم قبل كل شيء على المستويات الدنيا مثل السياحة والتجارة والمياه ورأس المال إلخ ..." لكن من الخطأ -يضيف يهوشواع- أن نترك هذا التطبيع على خلفية العداء التاريخي، بل يجب بذل مجهودات خاصة من أجل تقويته عن طريق إجراء اتصالات بين المثقفين ورجال الفكر، بل حتى بين رجال الدين إن أمكن ذلك.

 

احتلال المعنى

ينظر العقل الصهيوني إلى التطبيع في ما يتعدى المباشر السياسي على إنه نظرة تبدأ من اللاَّهوت المؤسس للأطروحة الإسرائيلية، ثم تعود إليها بعد أن تقطع الحقب التاريخية المُفضِية إلى إنجاز الدولة اليهودية ومقومات استمرارها. فلا يفاصل هذا العقل، تبعاً لمنطق اللاّهوت المؤسس، بين أحيازه وعناصره، وإنما يسعى إلى إجراء صلات تكامل في ما بينها.

إن أول ما يرمي العقل الإسرائيلي إليه هو جعل مصطلح التطبيع مفردة ذات قابلية للتوليد المعرفي معرفية تختـزن فاعلية القبول والتداول بين النخب، كما تمتلك سحر التأثير على اللغة المكوّنة للنصين السياسي والثقافي العربي. وحين يأخذ هذا المصطلح قسطه الوازن من التداول في حقول التفاعل المعرفي، فإنه يتحول مع الزمن إلى حقيقة لم يكن لها من قبل أي حضور يُعتد به، ذلك أن التطبيع الثقافي يأخذ صفته العملية في الحالة التي يصبح فيها محوراً للمساجلات بين النخب العربية. بهذا المعنى، تكون سَيْريَّات التطبيع أشبه بـ"ورطة ثقافية" من علاماتها أن عبارتي"الغزو الثقافي" و"السلام السياسي" تؤديان مع الوقت إلى ترسيخ اصطلاح لا أساس له في الواقع. فهو -أي الاصطلاح- يفترض حصول سلام لم يحصل بالفعل، لكنه سيؤدي إلى حجب حقائق أخرى هي بمثابة خرائط وطُرُق فعلية، للتطبيع الاقتصادي، والدبلوماسي، والأمني تجري وقائعها خلف ستائر كثيفة من الصمت.

في الثقافة السياسية الإسرائيلية يدخل الاصطلاح كقوة حاسمة لا مرئية في رحلة السيطرة على العقل السياسي العربي والإسلامي. ولقد عبر الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان عن ذلك في الجانب المتعلق بمصطلح "السلام"، إذ رأى أن على الإسرائيليين أن يتخيّلوا سلاماً ناجزاً مع أعدائهم لأن مجرد الاستجابة للدعوة يعني أولاً وقبل كل شيء أنه سيكون لنا -أي لليهود- مستقبل. ثم يستدرك ليوضح أنه لا يعني بهذه الدعوة الكلام عن مستقبل جيد أو مستقبل سيئ، بل يعني بمثل هذا الحديث الإشارة إلى احتمال ما يجب أن تكون عليه الأطروحة الإسرائيلية في المستقبل: لعل جذر الأمر هنا هو أن كلمة "سلام" في وعينا نحن الإسرائيليين، يتعلق دائماً بأمنية، وبأمل، وليس بوضع قائم. كأن السلام في لغتنا كلمة فريدة من نوعها: اسم يخفي في داخله أمراً ما. مثل مسافر كفيف يعمل بميل دائم للمستقبل.

 

تسديدات اللاهوت الثقافي الإسرائيلي

إن سلطة المصطلح التي يراد لها أن تكون قيداً علينا، إنما تقع في أساس المنطقة المعرفية التي تبنى عليها الثقافة السياسية الإسرائيلية، وإن كان لدى هذه الثقافة حيوية الاستنتاج والابتكار على قاعدة زمن مديد من الشعور بالغلبة على الآخر. في اللاهوت الإيديولوجي لليهودية السياسة المعاصرة من المفاهيم ما يفيض على الثقافة الإسرائيلية ويسدّدها ويمدّها بأسباب الاستمرار. فإذا كان اليمين الديني الإسرائيلي مثلاً قد نشأ في أعقاب حرب حزيران/ يوليو 1967 ونتيجة لها، فإن لاهوته الإيديولوجي يسبقه تاريخياً بكثير، حيث بدأت نشأته -كما هو معروف- في الطائفة اليهودية في فلسطين على يد الحاخام كوهين كون المتوفي في العام 1939. هذا الحاخام هو الذي تحدى رفض أغلبية اليهود الأرثوذوكس للصهيونية، باعتبارها عقيدة مارقة تنكر مبدأ أسياسياً في الديانة اليهودية قوامه أن عودة المسيح المنتظر هي وحدها التي تعيد توحيد اليهود في أرض إسرائيل، وينتظر أن يكون اليهود سلبيين طوال هذه العملية، ومن ثم تكون الصهيونية اغتصاباً لما دبّره الله لليهود، ونقيضاً لعملية خلاص اليهود. فالحاخام كوهين كوك كان بهذا المعنى يمارس فعلاً تأويلياً لليهودية، كما أسهم في تأسيس اللاهوت السياسي لدولة إسرائيل. يرى كوك أن الصهيونية بشَّرت ببداية عصر المسيح المنتظر، زاعماً أن الصهاينة كانوا في الحقيقة أدوات استعملها الله بغير علمها لتعجيل عملية خلاص اليهود، بأن يستوطنوا أرض إسرائيل مرة أخرى. وبذلك نال كوك رضاء الطائفة الأرثوذوكسية المتطرفة من خلال توظيف محكم لحيوية حركة قومية علمانية لا تتقيد بتعاليم الدين. وعقب حرب حزيران/ يونيو1967  ترسّخ الاعتقاد بأن إنشاء الدولة هو بشير أمل ببدء عملية الخلاص. لقد مثل الاستيلاء على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهي قلب أرض إسرائيل في الكتاب المقدس، تأكيداً لآراء كوك، بمعنى أن انتصار إسرائيل العسكري وضع في نطاق الارتقاء المتواصل لعصر المسيح المنتظر.

لقد بات واضحاً أن المحافظة على وحدة أرض إسرائيل هي الهدف الأسمى للقوميين الدينيين، وأنها تشكل الجزء الذي يكوّن قلب عقيدتهم اللاهوتية الأيديولوجية الناشئة. ومع استمرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في إسباغ قيمة كبيرة على التحكم اليهودي في الأراضي التي احتلت سنة 1967، نشأت قوى مترابطة مع القومية الدينية، على الرغم من استنادها إلى أسس أمنية. وترتب على اعتبار أن الأرض شديدة الأهمية لعملية خلاص الشعب اليهودي، أن تبلْوَرَت فكرة مؤداها، أن أية محاولة لمبادلة الأرض بالسلام إنما تعدّ اغتصاباً لإرادة الله، ويجب معارضتها. ولأغراض هذا التشكيل الأيديولوجي، استخدمت لغة ورموز دينية عديدة من الكتاب المقدس، أبرزها العهد المبرم بين الله وإبراهيم بشأن الأرض باعتبارها "مملوكة ملكية دائمة". لكن تلك المواقف المؤكدة لقدسية الأرض استندت أكثر إلى "الهالاخاه" والتلمود، على الرغم من أن "الهالاخاه" لا تملك إلا القليل الذي تقوله "العماليق". غير أن كاهانا استخدم هذا الوصف ليشمل جميع أعداء الشعب اليهودي، والفلسطينيين خصوصاً. لذلك، كان يقول إنه يجب على اليهود، إذا أرادوا تقديس اسم الله، أن يدمروا العماليق، وبهذا يدخلون العصر الحقيقي لعودة المسيح. هذا الرأي روّج له قسم التعليم الديني الذي ترعاه وزارة التعليم في إسرائيل، وطبقاً له لا يكون الحل الوسط بشأن الأرض مجرد مأساة سياسية، وإنما هو جرح كوني، وردة إلى الاتجاه المضاد في الخطة الإلهية لانتصار اليهود على العماليق.

إن هذه القاعدة القبلية التي يؤلفها اللاهوت الإيديولوجي ستغذي المعارف البَعْدية، والقواعد الاستراتيجية والسياسية والأمنية لدولة إسرائيل.

 

لكن ما الذي يتبدّى من المشهد الاجمالي للحراك السياسي والايديولوجي للأطروحة الاسرائيلية؟

 

استعادة المعنى

لننتبه إلى جملة حقائق أظهرتها التحولات الأخيرة في المواجهة مع الأطروحة الإسرائيلية:


-  
إخفاقات متلاحقة في احتواء أو تصفية حركة المقاومة الفلسطينية على المستويين العسكري والسياسي.


-  
الهزيمة الأولى لجيش الاحتلال الإسرائيلي في ربيع العام 2000.


-  
الهزيمة الثانية حرب تموز/يوليو 2006.


-  
بداية زمن جديد من الصراع العربي-الإسرائيلي، من علاماته الكبرى إمكان إلحاق الهزائم بإسرائيل بعد إيقاعها في هزيمتين محققتين بالفعل، وهزائم قيد الوقوع على جبهات أخرى.


-  
ذلك قد يرسي مقدمات ضرورية لقيامة المقولة الأمنية الثقافية العربية، على نشأة الاقتدار. وهو ما يفترض النظر إلى مصطلحات الأحقاب المهزومة، وأخصها مصطلح التطبيع، بوصفه ظاهرة سلبية في الأمن الثقافي لمجتمعاتنا.

إن مبدأ الزمن الجديد يمكث في تعامل النخب الثقافية العربية مع هذا المصطلح بوصفه رديفاً سياسياً وثقافياً وإيديولوجياً لسلام الإكراه. لا يجوز -والحال على هذا الفهم- أن يدخل معنى التمثّل والهزيمة كواحد من العوامل المحرّكة للخطاب الثقافي العربي، وبالتالي فإن مجرد القبول مثلاً بمصطلح التطبيع الثقافي، يعني الإقرار الضمني بأنه حقيقة واقعية أو بأنه إمكان قابل للتحقُّق.

إن من شروط الممانعة عدم الفصل بين أحياز التطبيع. وبهذا المعنى يمكن الاستدلال على خط التطبيع من وجهه السياسي الدبلوماسي بالذات، فمن شاء ممانعة الثقافي، عليه ممانعة السياسي. ولئن كان الكلام هنا يعني بالدرجة الأولى المثقفين، فلأنه يتوخى توليد حقول معرفية، تحدِّد المسافة بين وظيفة المثقف ووظيفة السياسي، فما يراه السياسي ويعمل وفق موجباته ليس بالضرورة ما يراه المثقف ويعمل عليه.

حين يرفض الثقافي مبدأ التطبيع فهو يرفضه بوجوهه وأحيازه كلها، فلئن كان الوجه السياسي-الاقتصادي للتطبيع هو الذي يجري الآن مجرى الفعل اليومي، فإن الخطر يكمن فيه بالدرجة الأولى.

ثمة من يرى إن استعادة روح المقاومة ومفارقة أسباب العنف الأهلي، وتعميم مجالات التفاعل والتواصل بين المجتمعين السياسي والمدني وإطلاق الحريات، هي من الخطوات المؤسّسة لمقاومة أي ضرب من ضروب التطبيع، وهي السبيل الذي يؤسس لقيام كتلة تاريخية تقاوم منطق الهزيمة وتداعياتها في الفضاء العربي بأجمعه.

إن وعي الهزيمة وثقافتها ومصطلحاتها هو قبل أي شيء مستهل وعي الممانعة ووجوبها، لأن إدراك الأمر في الحالين سوف يسقط الأوهام، ويضيء على أسئلة ظلّت محتجبة عنا زمناً طويلاً.

لكن القول بوجوب وعي جدلية الهزيمة والممانعة في آن، يرمي إلى إنشاء التحيُّز الضروري بين ثقافة الامتناع والمقاومة وثقافة القبول والتمثيل، وهو الفصل الذي يمكّن النخب الثقافية العربية والإسلامية من استعادة قضاياها الغائبة، أو تلك التي غُيّبت في زحام الهزائم والتراجعات على مقربة منا اليوم شاهد على واجبية وعي استعادة المعنى. الانهزام الإسرائيلي في لبنان، حدث لم نستيقظ بعد على عمقه وأهميته وتاريخيته، ربما لأنه جاء في زمن لا يزال اللبنانيون فيه يعيشون آثار نزاعاتهم وفرقتهم، ولأنه جاء أيضاً في زمن عربي مكتظ بالتراجعات ومشاعر الخيبة المزمنة. هذا وجه مأسوي لحدث التحرير والصمود، إذ يجب أن نعترف بهذا الحيز من المشهد، لأن الاعتراف به سيجنّبنا إهمال أسئلة جرى السكوت عنها ردحاً طويلاً من الزمن، مثلما سيمنحنا ذلك الاعتراف بإمكان نادر، هو مراكمة وعي النصر بعدما تراكم علينا وعي الهزيمة.

كان يقال: لكي تتوازنوا في لحظة الصدام، ضعوا تفاؤل الإرادة مقابل تشاؤم العقل، ذلك أيضاً حتى لا تبلغ الهزيمة بكم مداها الأخير. الآن يمكن الكلام على مقالة ثقافية هي في طور التأسيس: "إن تفاؤل الإرادة هي عين تفاؤل العقل لو هما قاما معاً...".

لو عاينّا حرب لبنان الأخيرة، بوصفها"حرب المعنى"، لظهر لنا كيف انقلبت مفاهيم كبرى وتحوّلت إلى الضفة المعاكسة لأطروحة الغلبة الإسرائيلية.

لكن تحويل السؤال حول نهاية الأطروحة الإسرائيلية إلى قضية ثقافية ومعرفية وفكرية هي المبتدأ والخبر بلا أدنى ريب.

محمود حيدر

باحث في الفكر السياسي والفلسفي

رئيس تحرير مجلة "مدارات غربية"

 

 

الهوامش:


-  
ديفيد غروسمان، "فلنتخيل السلام"، ملحق يديعوت أحرونوت، 29/2/1993.


-  
راجع كلايف جونز، "اللاهوت الإيديولوجي لليمين الإسرائيلي"، مجلة مدارات غربية، العدد الخامس، شباط/فبراير 2005. (تعريب: كريم عبد الرحمن)