العدد الثاتي والعشرون - أيار 2007

في الكلام المستأنف على مقولة الاستنهاض حين يولد السؤال من الحدث (الجزء الاول)

محمود حيدر
الاحد 20 أيار (مايو) 2007.
 

New Page 2

ربما لم تتملك أطروحة الأمن الثقافي في التاريخ العربي-الإسلامي المعاصر ما يجعلها أطروحة منجزة. مع صعود الحداثة في الغرب من القرن السابع عشر إلى بداية القرن العشرين، ظهرت أسئلة الاستنهاض في بلادنا لتشهد معها نمواً موازياً.

من الأسئلة ما انعقد على سيرة الحداثة، ساعياً إلى الأخذ بأنوارها، وتمثل أحوالها وحوادثها ... ومنها ما انعقد حيال طوفانها، على حذرٍ، وتريُّبٍ، وشكٍ، فانبرى إلى مضارعة مقاصدها مستشعراً خطرها من غير طائل.

الأسئلة في الحالتين جرت على نشأة سالبة. في الحالة الأولى كانت انسحاراً بما جاء به الغرب إلينا. وفي الحالة الثانية ستأتلف الأسئلة على أرض المواجهة لواقع حداثوي يتمدد كوحشٍ خرافي لتوطين قِيمِهِ بالقوة.

الحالتان ستؤسسان، منذ ذلك الوقت، لأطروحة ثقافية يعاد إنتاجها على نصاب الأسئلة السالبة نفسها. أطروحة تستعاد كلما اشتدت وطأة الصدمات الحضارية المتعاقبة بين الإسلام والغرب، وبدا كما لو أن سؤال الإحياء الحضاري، لا يمسك به إلا إذا رُدَّت الحملة الحداثية الغربية على أعقابها. غير أن حاصل الاحتدام ظل على الدوام، ضمن سياقه البارد، فجدلية التقدم والتأخر أخذت سبيلها إلى الرسوخ وأسئلة النهضة باتت أدنى الى أوعية مثقوبة لا تصلح للمراكمة والتوالد...

النهضوية العربية في بدايات القرن الحادي والعشرين بدت وكأنها تستعيد نشأتها على صورة اللحظة التي حفرت فيها مقولة الاستعمار سيريّتها الفعلية في الجغرافيا العربية-الإسلامية قبل نحو قرن مضى.

لكن الصورة إياها، سوف تستأنف رحلتها بوتيرة أشد عمقاً مع ظهور الأطروحة الإسرائيلية في منتصف القرن العشرين المنصرم، إذ مع هذا الظهور نشأ زمن تاريخي جديد لم يعد معه سؤال النهوض الحضاري على نسقه التقليدي، أي على نحو ما عرَّفه نهضويو آخر القرن التاسع عشر.

كل شيء مع التوليد الاستعماري للأطروحة الإسرائيلية عاد إلى حقل الاحتدام، وصار الكلام على الثقافي، والمعرفي، والفكري، والتنموي، والإحيائي، كلاماً غير ذي وزن، ما دام يتحرك خارج الحقل الذي انفسح بقوة مع القيامة الإسرائيلية في العام  1948.

ابتداءً من الظاهرة الإسرائيلية، سوف تُختزل جُلَّ الأسئلة المتعلقة بالنهضة ضمن تساؤل مركزي واحد وكثيف عما إذا بالإمكان استيلاد مسار حضاري، عربي-إسلامي، يصدّ الهيمنة الاستعمارية للحداثة الغربية الجديدة ويتوازن معها.

ظل التساؤل سارياً بين النخب العربية من دون أن يتعيّن محل الإشكال الفعلي فيما دلّت الوقائع التاريخية المتعاقبة حقيقة كون الظاهرة الإسرائيلية هي الظاهرة الأكثر تعبيراًً عن إمبريالية الحداثة وما بعدها وعن فعاليات الغرب الثقافية والفكرية والسياسية.

ثمة الآن طور آخر من الحراك حول الأطروحة الإسرائيلية. فبقدر ما يتسم هذا الطور بالحد الأعلى من العداء لإسرائيل في المجتمعات العربية والإسلامية، بالقدر الذي ينبسط أيضاً على فرضية الالتقاء والمصالحة مع الحكومات والمجتمعات في آن. هذه الفرضية تطرح اليوم على أكثر من نصاب: أكثرها حيوية ما يجري على قاعدة تبدأ من نهاية العداء لإسرائيل، عبوراً إلى نهاية الخصومة معها، ثم يصَّاعد الاقتراب والوصل إلى ضربٍ من “حسن جوار” يفترض أن تتآلف الأطروحة الإسرائيلية فيه مع العرب والمسلمين ضمن ما يسمى بالجغرافيا الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط الجديد.

لقد وجدنا إثر التحول الذي استهله القرن الواحد والعشرين أن نتخذ من سَيْريَّة تشريع الأطروحة الإسرائيلية وفق "الأنصبة" المشار إليها، طريقاً للكلام المتجدد على سؤال الإستنهاض. فقد ظهر بوضوح في خلال السنوات التي أعقبت انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في العام1991، أن سلاماً حقيقياً لن يكون له متسع من "الإعراب" السياسي، والثبات التاريخي، ما لم يتعدَّ عمل الحكومات، ليصل إلى عمق المجتمعات المدنية العربية.

هذا ما يضاعف من مجال الاحتدام الأشد ضراوة مع الأطروحة الإسرائيلية، ولا سيما لجهة قبولها والتعامل معها كجزء من نظام القيم الذي يُعد للمنطقة.

لعلّ الشيء المفارق هنا، أنه كلما اشتدت فكرة جعل إسرائيل حالة طبيعية داخل الجغرافيا الثقافية العربية-الإسلامية كلما قوبلت بالامتناع والمجانبة، حتى ليبدو للذين يعاينون طبقات الصورة، كأن فكرة الجعل المشار إليها، هي فكرة افتراضية اتخذت من "التطبيع" سبيلاً لها لتصبح أمراً واقعاً.

أمرٌ جلل ظهر أخيراً في سوق الكلمات من دون أن يستقر بعد في عالم المفاهيم: إن إسرائيل باتت دولة عادية، تُصنع لها الهزيمة مثلما صُنِعَ لها النصر ... قامت بحداثة الغرب الاستعمارية، وتتهافت بتهافتها.

لكن لو جاز لنا اختزال النقاش الحار، الذي طالما حُمِلت عليه الثقافة السياسية العربية، لبسطناه على تفارق ملحوظ بين ثقافتين: ثقافة امتناع ومقاومة، وثقافة تماهٍ وتماثل. سوى أن هاتين الثقافتين ستنهضان على نصاب غير متكافئ، إما لكونهما وليدتا تحولات في معادلات القوى على امتداد نصف قرن من الصراع العربي-الاسرائيلي، أو لانتسابهما في الغالب، إلى بيئة مشتركة، شكّل الكفاح الوطني ضد الاستعمار، بأصنافه المختلفة، محرّكُها العام.

ولسوف يغدو التفارق بين كل منهما، أكثر جلاءً واتساعاً، في خلال الربع الأخير من القرن المنصرم. تلك الحقبة اكتظّت بتحولات مدوية في العالم، ولن يكون العالم العربي-الإسلامي بمنأى عن آثارها، ومؤثراتها، وكوارثها، بل هو في الحقيقة كان موضع القلب منها. وقبل أكثر من عشر سنوات ستجري على أرض المشرق العربي آخر حروب "الحرب الباردة" وأول "حروب العولمة". وبعد ذلك بقليل سيُفتح الباب على وِسْعِهِ لإنهاء الصراع بين العرب وإسرائيل، عبر سلام لا تزال شروطه الحقيقية غائبة، ولو تحقّق ما تحقق منها بالقوة، أو على خلاف ما يُراد لها أن تكون بالفعل.

ضمن مساحة هذه التحولات التي سـتختزل الزمن السياسي بسرعة هائلة، أُخِذت الثقافة السياسية العربية بالاضطراب والحيرة. لم يعد لدى النخب متسع من الوقت لكي تفكر، وتتأمل، وتصوغ الأفكار، والشعارات، والخطط، على نحو ما كان قد تيسّر لها في الماضيين القريب والبعيد. كانت النتيجة أن حلّ اللاّيَقين السياسي محل الشعور بالامتلاء والأمان، وراحت نخب الأمة تبحث عن أمكنة تمنحها القدرة على التفكير خارج حقول الضغط، إلا أنها لم تلفح. وبسبب ذلك، نما لدى هذه النخب وعي سالبٌ، هو نفسه الوعي الذي غالباً ما نظر إلى أحوال الأمة بوصفها أحوالاً ناشئة من أرض مهزومة، بينما لم ينظر إلى أحوال العدو، على أنها أحوال غلبة وتفوُّق، تتوالى آلياتها وتتراكم بلا هوادة.

لم تكن ثقافة التماهي سوى حصيلة هذا الوعي السالب نفسه، غير أن السجال الذي بدأ مبكراً في الثقافة السياسية العربية، حفّز هذه النخب لتغادر كسلها وإحباطها. كان عليها أن تخوض معاركها الثقافية في ظل خلل هائل في الموازين، مما دفع بيئات واسعة منها إلى الظن بأن "سلام الإكراه الإسرائيلي" قد أَحكم على الأمة، وليس لها من خيار إلا المدافعة عن الحياض الثقافي والروحي كخط أخير من خطوط الصدام والمواجهة.

لم يمضِ وقت قصير على انعقاد مؤتمر "السلام العربي-الإسرائيلي" في مدريد، حتى راجَ الكلام عن "التطبيع الثقافي" بقوة في أحياز مختلفة من الثقافة السياسية العربية، فبدا وكأن هذا المصطلح قد أُخذ أخْذَ المسلمات. فانبرت شرائح واسعة إلى حمله كأمر واقع، ولم يجرِ التمييز بين الوجوه الكثيرة والملتبسة التي يضمرها، سواء لجهة منشئة وقوى صاحبة المصلحة فيه، أو لجهة ما يُقصد بهذا المصطلح في سياق الغايات الواضحة المتعلقة بالتطبيع السياسي والاقتصادي والأمني ...

وأياً كان الأمر، فقد دوى الخطاب العربي على العموم تحت سلطة المصطلح، وتعلقت به أوهام من كل لون، وسيزداد الحال سوءاً كلما تقدمت وقائع "السلم السياسي" في المنطقة. لقد رأى هذا الخطاب المفاوضات على أنها الوعاء الأخير لسلام مقدّر بين العرب وإسرائيل. وترتّب على الرؤية يقينيات عمّت ثقافتنا السياسية وراحت تسلّم بأن ظاهرة التطبيع الثقافي حاصلة ولا جدال فيها. أما الداعي إلى هذا فناجم عن فكرة التسليم بأن نسبة القوى التي انتـزعت هذا النوع من مفاوضات السلام سوف تـنتـزع وقائع وحقائق توازيها وتشبهها. وبما أن السلام هو سلام أميركي-إسرائيلي، فهو حكماً سلام غير متوازن، وغير عادل، وإن ترتيباته، وآلياته، وغاياته القريبة والبعيدة، ستؤول إلى المصلحة الإسرائيلية الصافية. هكذا سيدخل التطبيع بأشكاله ومضامينه كافة، كترجمة لتلك الترتيبات والآليات والغايات، وكتعبير عن حضور نسبة القوى.

أصحاب هذا الخطاب لم يحمّلوا أنفسهم مشقة البحث عن مجال لتفكيك مصطلح التطبيع، ذلك أن بحثاً في عمق الظاهرة سيتيح للثقافة السياسية العربية هدنة ذاتية، قد تكون ضرورية لفتح باب الاحتمالات لمفارقة أوهام الهزيمة التي لا تزال تمكث في النفس السياسية العربية منذ حرب حزيران/يونيو 1967.

لعل استعادة النقاش في معنى الهزيمة ومستوياتها، هي من أبرز المسائل التي يثيرها الكلام على سيْريَّات قبول الأطروحة الإسرائيلية والتعايش معها كواقع وحقيقة. والواضح من العناصر التي يتشكل منها البيان الاجمالي الشائع في المجتمع الثقافي، أن القبول والتعايش يؤلفان معاً أحد مصادر لغة الهزيمة على اعتبار أن الانكسار السياسي العربي المزمن لا بد له من أن يستولد انكساراً ثقافياً يجد ترجماته في قبول فرضية التسليم بالغزو الثقافي لمجتمعاتنا. لقد كان واضحاً المدى الذي ذهبت إليه تلك الفرضية، وهي لم تدرك -ولو من باب حسن الظن- سيئاتها والأخطار التي تنطوي عليها. إن منطق فرضية كهذه سيؤدي عملياً إلى نتيجة درامية ومفارقة في آن: فالتسليم بإمكان الغزو الثقافي وقبول مجتمعاتنا للأطروحة الإسرائيلية، يكمّل الغايات العليا التي يسعى إليها سلام الإكراه، أي السعي لتعميم أيديولوجية الهزيمة، وجعلها مجالاً من مجالات التطبيع السيكولوجي، والثقافي، والأيديولوجي، والفكري. ولهذه الغاية، راحت "فعاليات سلام الإكراه" تستخدم تقنيات ثقافية ومعرفية وإعلامية لاحتواء البيئات المدنية والأهلية العربية، وإقناعها بضرورة التسليم بهزيمتها الكاملة، ودفعها من ثم إلى اليقين بأن عصر الثورات التي تبدّل من صورة الزمن أو تقلب موازين القوى قد ولىَّ إلى غير رجعة، وأن نهاية التاريخ قد حلّت على أيديولوجيات التحرير، والثورة، والاستقلال مثلما حلّت حلول غيمة خرافية على السياسة والأمن والاقتصاد. ولكن أخطر ما نجم عن مثل هذه "السيْريَّة الإقناعية" كان نشوء بيئات عربية على مستوى الحكومات وفي المجتمعين الثقافي والمدني التي راحت تقبل واقع الحال وتتماهى معه.

قامت الصورة السياسية العربية في زمن السلام على مفارقة لافتة مؤداها: إن العرب لا يستطيعون خوض الحرب من دون مصر والعراق، ولا هم قادرون على الذهاب بعيداً في سلام يُراد له أن يصب ثمراته بالجملة في الوعاء الإسرائيلي.

إنّ هذا الامتناع الموضوعي عن "لام الإكراه" مضافاً إليه استحالات التطور السلمي الإيجابي على الجبهتين السورية واللبنانية مع إسرائيل أدى من جملة ما أدى، إلى نشوء مناخ عارم من السلام السلبي امتنعت معه الإمكانيات العملية لإجراءات التطبيع بأحيازه المختلفة وعلى الخصوص الحيّز الثقافي منه. وما نجم عن مناخ السلام السلبي، أن الحقائق، التي حجبتها أجواء الهزيمة، برزت بقوة على صفحة النقاش بين النخب العربية. ومن هذه الحقائق إعادة الاعتبار لمسلّمات وبديهيات غالباً ما تعامل معها الحداثيون العرب المعاصرون على أنها مقولات فائتة أو تنتمي إلى الخطاب المهزوم للرومانسية العربية. مثل ذلك، أن الثقافة الإسرائيلية-الصهيونية تفتقر إلى علّتها التاريخية والواقعية، فما هي إلا ثقافة برّانية مكتظّة بعناصر الشك، والالتباس، والتلفيق، وبالشعور الدائم بالخطر المقبل من الآخر. وبسبب هذه الطبيعة التكوينية للثقافة الإسرائيلية، برز إلى العلن ما استتر منها طيلة أكثر من نصف قرن من انضوائها وانعزالها داخل أسوارها المغلقة. لقد ظهر ما يشبه "الهلع الوجودي" إزاء هلال قاريٍّ عربي وإسلامي يأخذ سبيله إلى التوسع والارتقاء، وهو في الواقع مجال جيو-استراتيجي لا تستطيع الثقافات البرّانية إزاءه سوى الانكفاء أو الذوبان ضمن محيط حضاري عميق الجذور.

عندما يزعم المفكر اليهودي إسحق بارموشيه أن التطبيع يبدأ من القلب وعلى مستوى المجتمع المدني وبين المثقفين، فإنه يميط اللثام عن حقيقة مخبأة في الوعي الاسرائيلي، وهي استحالة قيام "مثاقفة تاريخية" بين ثقافتين نهضتا أصلاً وجوهراً على النفي المتبادل. لقد أخذت الثقافة العربية-الإسلامية الحديثة من الإسلام الأول مفهوم التسامح مع أهل الكتاب، والتعامل مع اليهود كدين، ومع اليهودي كموحّد، إلا أن الثقافة الصهيونية لم ترَ العالم المحيط، ولا سيما العالم العربي-الإسلامي، إلا جداراً أسطورياً من العداوات ينبغي تهديمه ليتحقق الأمان لدولة إسرائيل. يضاف إلى ذلك أن نـزعة الاستعلاء التي بنيت الثقافة الصهيونية عليها ليست سوى الوجه الآخر للخوف من الغير. أن كل "غير" أو "آخر" في اللاهوت الإسرائيلي يعود إلى عالم "الأغيار"، أولئك الذين سخّرهم إله التلمود لخدمة "شعب الله المختار". وليس من قبيل المصادفة أن ينبري بنيامين نتنياهو ليختم كتابه المعروف "مكان تحت الشمس" بقصة ذات دلالة صارخة على "البارانويا اليهودية المعاصرة"، فعندما طلب فريدريك الأكبر من طبيبه أن يأتيه ببرهان على وجود الله ، اكتفى هذا بالقول: "إن وجود اليهود هو الدليل على وجود الله".( يتبع )