السيرة الإسلامية من الوحي إلى الإنسانية

العدد 4 - تشرين أول 2005
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
يحاول يحيى جابر في كتابه (السيرة الإسلامية من الوحي إلى الإنسانية) أن يعيد الحوار من هجرته في الفضاء المجهول، إلى كونه أشد ارتباطاً بالحيوية العقلية التي تلامس مختلف جوانب حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية. بعدما كثرت الاجتهادات والتأويلات والاختلافات حول صغائر الأمور، ومورست على العقل والحقائق المنطقية مختلف أساليب الترهيب والاضطهاد بدعوى القداسة والحصانة التي برّرت عرقلة التفكير العلمي والتأويل الذي يخدم وحدة المجتمع الروحية والثقافية، فبعد أن ضاقت الساحة الثقافية حتى الاختناق، بكلام يسقط عليه الإلهي ويجري تكراره حتى الملل، وغالباً ما يكون المضمون والغلاف هو إياه منذ قرون، لا سيما على المستوى الدينو ـ سياسي، وكأن التاريخ قد تسمّر عند نقطة معينة، أو كأن حركة التطوّر البشري في كل مستوياتها غير موجودة وإن وجدت فإلى الوراء.

يجهد جابر للخروج من أسر المسلمات التي قدمها السلف الصالح وكأنها القضاء والقدر، مقدماً شيئاً جديداً ومختلفاً عما هو متعارف عليه ومعروف، ولأن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ينطلق جابر من العقل وقراءة النصوص في إطارها التاريخي إلى سلسلة مقاربات لا يدّعي أنها نهائية، بل يطمح لأن تصبح مادة حوار جدّي بين مختلف الأطياف والآراء. يقسم الكتاب إلى قسمين، الأول يتألف من ستة فصول، والثاني من ثلاثة، يتناول في القسم الأول التعريف بالإسلام وفق النص القرآني، وهو تعريف مغاير للشائع الموروث عن السلف الصالح الذي جعل الإسلام محصوراً في الرسالة المحمدية رغم أن القرآن في نصوصه أطلق لفظة الإسلام على كل الرسالات السماوية المعروف منها وغير المعروف من دون استثناء باعتبار أنّ الدين عند الله الإسلام فصحح بذلك خطأً علمياً متداولاً ومتوارثاً، وأزال التباساً واقعاً من شأنه أن يفتح الطريق واسعاً أمام تصحيح مفهوم الدين وأغراضه.

ويحمل المؤلف على معظم المشتغلين في النصوص الدينية لأنهم ساعدوا في ترسيخ هذا التضليل على مدى قرون طويلة، رغم أننا لا نقع في القرآن على نص واحد يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء من حصر الإسلام في الرسالة المحمدية!!. فالمشروع على الأرض، هو هذا المشروع الموحى به من قبل الله إلى كل الأنبياء والرسل على ألا يتفرقوا فيه وأن لا يفرقوا بين أحد منهم فهو إذن مشروع توحيديّ بامتياز مناطه عقلي بامتياز.

وينتقل الكاتب إلى الحديث عن أهل الكتاب والتسمية التي أطلقها القرآن الكريم على أتباع الرسالتين الموسوية والنصرانية، دون أن يدمج بينهما، بل إنه فرّق بين أهل الكتاب النصارى وعدّهم الأقرب مودةً, وأهل الكتاب اليهود وعدّهم الأشد عداوةً. وإن الاختلاف بين الرسالتين المحمدية والمسيحية أمر طبيعي ويأتي في إطار التنوع في الوحدة، تبعاً لظروف نشأة كل من الرسالتين، ومن غير المنطقي أن يقود ذلك إلى أي نوع من التصادم والمعاداة بل إلى الحوار والتكامل، فالقرآن لم يقدم الرسالة المحمدية على أنها بديل عن سائر الرسالات السماوية، ولم يتوجه إلى أهل الكتاب من أجل ترك معتقداتهم والالتحاق بالدين الإسلامي المحمدي. وهنا يحمّل الكاتب مسؤولية عدم البحث عن القواسم المشتركة وتدعيمها لكل المتحاورين أو المهتمين الذين حصروا عملهم في تكريس الثغرات وتهميش الآخر على عكس ما تدعو إليه النصوص.

وبالانتقال إلى باب علاقة الدين بالسياسة ومفهوم الدولة الدينية، يرى جابر أن اليهودية هي أول من ربط الدين بالدولة وحاول إقامة الدولة على أسس دينية، وظهر هذا النزوع واضحاً في مسيحية القرون الوسطى، وفي معتقدات ودعوات المحمديين بأن الإسلام دين ودولة، وأن الدولة في الإسلام ملازمة للعقيدة. وبين الواقع والمثال تعثرت الدولة الدينية على تنوعها، في وضع الحلول للمشكلات الإنسانية والأمثلة كثيرة على امتداد عصر الدولة الدينية مسيحية كانت أم محمدية.

في القسم الثاني من الكتاب، يعرض جابر للظروف الاجتماعية والثقافية والفكرية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وزوال الخلافة كنظام ديني للحكم امتد بأشكال مختلفة حتى أوائل القرن العشرين، ويورد الكاتب الاتجاهات الفكرية في سوريا الطبيعية ومصر ابتداءً من التيار السلفي أو الأصولي الذي عبر عنه أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في القارة الهندية، وسيد قطب أحد منظري الإخوان المسلمين في مصر بعد المرشد حسن البنا، وفي الاتجاه المقابل تناول الكاتب مدرسة الشيخ علي عبد الرزاق الذي يعتبر رائد حركة الإصلاح الديني في مصر. وفي استعراضه للتيار القومي الملتزم، يدرس الكاتب مبادئ وآراء أنطون سعاده رائد هذا التيار الذي ركز على معرفة الذات الاجتماعية، وتظهير مفهوم الأمة والوطن والقومية بعيداً عن الاختلاطات السياسية والدينية والعرقية والسلالية فالأمة عنده واقع اجتماعي بحت ولذلك لم يأخذ بما وصلت إليه المدارس الأوروبية أو الدينية، وانطلاقاً من فهمه للأمة شدّد على الالتزام بين الأمة والقومية التي هي ثقة القوم بأنفسهم.

يحاول الكاتب أن يعيد للروح العلمية مكانتها بغية الانتقال بالمجتمعات العربية التي يراها مشغولة بصناعة الكلمات، إلى صناعة الأشياء، وهذا أمر لا يراه جابر متناقضاً مع طبيعة الرسالات السماوية، إنما مع أسلوب فهمنا وتعاملنا مع النصوص، فالجمود نقيض الحياة والحياة نقيض الجمود.

اعتمد الكاتب على أسلوب مميز من الأدلة والمقارنات، وقائمة غنية من المراجع والشواهد والإحالات.

الكتاب: السيرة الإسلامية من الوحي إلى الإنسانية. ـ دار الفكر للأبحاث والنشر. بيروت 2004