العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

ثقافة الانتماء

زهير فياض
الاثنين 25 حزيران (يونيو) 2007.
 

يبدو -على الأقل في المدى المنظور- أن مقاربة الحلول الجذرية لمشكلات الواقع الاجتماعي تفترض التحول الجذري في "ذهنية المقاربة" أي في "أصل النظرة" الى الأمور، والا سنبقى ندور في حلقة دائرية لا بداية لها ولا نهاية، مع ما تسببه حركة الدوران تلك من "هذيان" و "دوَار" أصاب العقول المتنورة في بلادنا بـ"صداع تاريخي" قد يسبب -وبرغم كل المسكنات- تعطيلاً كاملاً لوظائف العقل وربما الاحساس والشعور، وسيؤدي هذا "الدوران العبثي" الى بعثرة اضافية للجهد، واستنزاف هائل للطاقة التي هي في طور "النضوب" من جسم الأمة "المنهك" و"المتعب" على مرّ الأزمنة الصعبة التي عصفت وتعصف من كل حدب وصوب.

ان"نقص المناعة" المكتسبة -وهذا بالمناسبة داء يصيب المجتمع أيضاً- يفترض تقوية مستوى المناعة وزيادة قابلية الجسم لمكافحة الفيروس وتحفيزه على المقاومة، وخلق "شبكة أمان ذاتي" تحصن هذا الجسم وتنقله من وضعية "الانفعال" و "التأثر" المطلق الى دائرة الفعل ولو "النسبي" في مجرى الحياة الانسانية سواء في الداخل أو في الخارج...

لقد أدمنَّا "المسكنات" الى حد أننا أصبنا جزئياً بـ "العقوق" الذي شل القدرة على استيلاد الأفكار" الخلاقة" و "المبدعة" و "الشفّافة" و "المنطقية" و "الواقعية" التي تمكننا من وضع لبنة "حل" لأي مسألة تعرض في سياق "الحياة" التي ندعي جميعاً أننا نحمل بذور ثقافتها، دون أن يخطر على بال أحد أن البذور لكي "تنمو" لا بد لها أن تتجذّر في تربة تكون متصالحة مع كل شروط الحياة "المعقولة". 

 

خاصية "المشكلات" التي تعرقل سير وتقدم المجتمع الذي ننتمي اليه، هي من النوع المثقل بـ " أسئلة الهوية" و"هواجس الانتماء"... ولعل حالة "القلق" و"الفوضى" و "العبثية" و "القدرية" التي يعيشها انساننا، تعود الى غياب ملامح "الهوية" في مطامر "الأزمنة" الغابرة التي جزَّأت "المشهد" التاريخي أو-على الأقل- غيبت أصل "الصورة". لذا، بات لزاماً أن نعيد بناء المشهد، واستطراداً جمع أجزاء "الصورة" ...

لماذا هذه المعادلة؟ بكل بساطة، لأننا ما زلنا في رحلة البحث عن "الهوية"، والهوية هـي أساس "الانتماء"، والانتماء ركيزة الاستقرار الروحي والمادي، و"الاستقرار" شرط سابق للبناء "المتين"...

ماذا تعني هذه الاشكالية؟

تعني أن "سياسة النعامة" وطريقة "دفن الرأس في الرمل" لن تفيد في تجاهل المأزق الذي وصل اليه المجتمع.

وبالتالي، "الحلول الترقيعية" الآنية أضحت الى حد كبير "مبتذلة" و"سخيفة" و "غير ناجعة"، و"سطحية"...

 هذه الحلول لا تلامس -بطبيعة الحال- جوهر الأزمة "الحادة" و"المتشعبة" و"المعقدة" في آن، والتي تضغط بثقلها على حاضر الأمة ومستقبلها، وتطرح أسئلة جدية حول "الجدارة" و "الأحقية" و "القدرة" و "السوية" و"الأهلية" في تشخيص "الواقع المأزوم"، وفي محاولة التأسيس الفكري والنظري والعقلي والعلمي لمواجهة "التحديات"، و "الشروع العملي" في صياغة مشروع وطني أصيل "جذري"، "تغييري"، "نهضوي"، "طموح" يحقق" نقلة نوعية" في "العقل" أولاً، وفي "السلوك" تالياً باتجاه "تجويد" نوعية الحياة التي نحياها، وفي اتجاه "ترقية" مستوى العيش ليكون أكثر اختزاناً لعناصر ومكنونات "النفس الانسانية"، وأقوى تعبيراً عن ارادة الحياة بألوانها "المختلفة" و "المتنوعة" و "المتعددة" ...

ثمة حاجة حقيقية لاحداث "تغيير" عميق في منهج "التفكير"، فالطريقة التي نفكر بها على طول الخط الفاصل بين "الواقع" و "المأمول" طريقة كارثية، وهي تنقلنا من مأزق الى مأزق، ومن "مشكلة الى مشكلة"، ومن "أزمة الى أزمة"، ومع ذلك لا يرف لنا جفن، ونحن على "استعداد فطري" للاكمال بذات الطريقة الى ما لا نهاية...

هل هي "البلادة" التي ولدتها ظروف معينة؟ هل هي "ذهنية" الفاشل أو العاجز أو الخامل؟ أسئلة برسم الأجوبة التي قد تضع النقاط على الحروف.

هذه الأسئلة قيمتها في قدرتها على "التحفيز" و "استثارة العقل" ليفعل فعله، ويؤدي وظيفته في استكشاف آفاق الحل.

ثمة قناعة راسخة أننا قادرون على الحراك باتجاه المستقبل بارادة حرة، وبوعي متحرر، وأيضاً بعقل "متوقد" وفكر "نيَّر"، وأن نخوض "تجارب جديدة" ناجحة تؤسس لنموذج "مجتمع حي" ينعم بالحد "المعقول" و "المقبول" من حياة "كريمة" و "عزيزة"، ويكون له "حضور" فاعل وايجابي وبنَّاء في هذا العالم المترامي الأطراف...

لكن الشرط الأساسي يتجسد في وعي الذات، وتشكيل "الحيثية التاريخية" القادرة على مواجهة المستقبل، وهذا الوعي للذات لا يكون الا بتعميق مفهوم "الانتماء" ونشر "ثقافة الانتماء" الى الأمة أي "ثقافة الانتماء" الى "الكل" في وجه ثقافات الانتماء الى "الجزء"، فالجزء سواء تجسد بـ "طائفة" أو "مذهب" أو "عشيرة" أو "قبيلة" أو "عرق"، سيندرج حكماً في اطار "الحاضنة" الكبرى التي هي "الأمة" باعتبارها "الوجود الحي" الفاعل والنامي عبر التاريخ...

 

 

زهير فياض