العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

أزمة على البارد

سالم موسى
الاثنين 25 حزيران (يونيو) 2007.
 

 

 منذ إنشائه عام 1920، شهد لبنان محاولات حثيثة لبناء دولة كانت تصطدم دائماً بدعاوى الإمتيازات الطائفية المستندة إلى الإستقواء بالخارج والتي تنفذ في الغالب رغباته ومصالحه. كل طائفة كانت تنظر إلى الدولة ومؤسساتها نظرة مصالح فئوية وقليلاً ما كانت تراعي المصالح الوطنية الكبرى. تجلى ذلك بشكل واضح في الشؤؤون الداخلية وتحديداً شؤون التنمية، فالإنعكاسات الخارجية على الداخل كانت أقوى من قدرة تحمل هذا البلد مما أدى إلى تعرض الكيان لهزات كبيرة منذ نشأته.

كانت فترة الإنتداب الفرنسي مستقرة، أرسى الفرنسيون خلالها بعض قواعد الدولة وأنشأوا بعض المؤسسات، لكن التماسك الداخلي تعرض لقوننة قاسية في الأعراف التي حكمت البلاد إلى جانب الدستور المكتوب.

كان العرف والميثاق غير المكتوبين أقوى من الدستور المكتوب. العرف كرّس الطائفية والتوازنات وبذر الشقاق في الدولة والمجتمع فيما حاول الدستور المكتوب تكريس كيان الدولة، فظهرت مواليد هذا التزاوج في قوانين أحوال شخصية وقوانين إنتخابات طائفية وقوانين وضعية أخرى صالحة لا تصلح لبناء دولة عصرية. تنازعت القوانين مع الأعراف وتراجعت مرجعية الدستور وبات البلد في مهب الأزمات، يحتوي الصغير منها ويقف عاجزاً أمام كبيرها.

أول إمتحان للبنان كان الإستقلال، ذلك الحدث الوطني الجامع الذي نراه اليوم فيما لم يكن أثناء حدوثه جامعاً، إذ وقفت فئة كبيرة ضد الإستقلال وكانت تطالب بالبقاء تحت الإنتداب الفرنسي لولا أن هذا الإنتداب نفسه قرر إنتهاء خدمته. إجتاز لبنان مرحلة الإستقلال في خضم الحرب العالمية الثانية قبل إتضاح مسارها ونهايتها خصوصاً بإلغاء فترة تقسيم مناطق النفوذ في العالم بين الجبابرة.

لم تسيطر الحكومة المستقلة على الجيش إلا بعد نحو سنتين على الإستقلال أي عام 1945، وتأمل الكثيرون في هذا البلد المستقل الذي يخضع جيشه لسلطة الأجنبي المباشرة.

بعد الجلاء، أصبح لبنان وحيداً في حكم نفسه وما هي إلا سنتان ونيف حتى انفجرت أزمة كبيرة في المنطقة وهي إعلان دولة إسرائيل التي سبقها حوادث وحرب إرهابية على الشعب الفلسطيني ظن الكثير من اللبنانيين، كما يظن البعض اليوم، أنها بعيدة عنهم فإذا بالأزمة تؤدي إلى نشوء كيان عدو على الحدود الجنوبية ونشوب أولى الحروب العربية-الإسرائيلية، ودخول هذا البلد الجديد في تلك الحرب، ثم تحمل أخطر وأكبر تبعات تلك الحرب وهي إستقبال اللاجئين الفلسطينيين.

كان إستقبال اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 جزءاً من الفولوكلور اللبناني لم يسمح لهم المبيت تحت سقف بانتظار العودة:

لم يستوعب الحكم اللبناني مسألة اللاجئين، ولم يكن هناك لا رجال دولة ولا مزاج شعبي قادر على التعامل الجاد معها. لقد حكمتها الطائفية والغرائز، فكانت تعالج بالإستعلاء والشماتة، وانتجت شعباً من اللاجئين يغلب عليه العناد والنكد. في المقابل، تعاملت الدول العربية التي استقبلت اللاجئين معهم بشكل أفضل على رغم اختلاف الظروف. ما يهمنا هو تغذية الكيان اللبناني المستمرة لهذه المشكلة التي سرعان ما نمت وكبرت وأضحت مشكلة يعجز الكيان على استيعابها وحلها.

إذا كانت حرب 1948 أول ازمة كبرى يتعامل معها الكيان اللبناني، ولكن سرعان ما نشبت ازمة اخرى بعد عشر سنوات أي عام 1958 حيث اهتز الكيان ونشبت حرب اهلية صغيرة إنتهت بمعادلة لبنانية سخيفة: "لا غالب ولا مغلوب" أو "الرابح هو لبنان".

بعد ان عجز لبنان عن فهم حرب 1967 أو التعامل معها بسبب بنيوي، إهتز هذا الكيان مجدداً عام 1969 وكانت حقنة إتفاق القاهرة أملاً بالحل الشافي فإذا بها حقنة ملوثة زادت من حجم المرض والمشكلة التي بدأت تتفاقم حتى تفجرت أزمة كيانية ضربت وحدة الشعب والمؤسسات، وأعادت البلاد إلى انقسامات القرن التاسع عشر.

نرى اليوم ان هذه المشكلة تنام وسرعان ما تستيقظ، ويفاجأ المتعامون ويتساءل المتجاهلون عن الحلول الممكنة. لقد جرت حروب مخيمات لبنانية-فلسطينية (الاعوام: 1975، 1976، 1985، 1986) ولم تؤد إلا لمزيد من تعميق جذور المشكلة، ويتعامى القيمون على السلطة عنها حتى إذا انفجرت إرتبكوا وأربكوا البلاد معهم.

كانت فترة الوجود السوري حاسمة في إخماد المشكلة، ولكن لم يستغل اللبنانيون هذه الفترة باجتراح الحلول (مثل تنظيم الأمن في المخيمات ...) بل كانوا يتّكلون على السوريين في لفلفة أي مشكلة داخل المخيمات.

عام 1973، وقفت طائفة من اللبنانيين ضد الجيش اللبناني وحاربته بسبب محاولة إخضاع المخيمات الفلسطينية. أما اليوم، نرى الطائفة نفسها ترفع لافتات التغني بالجيش. ليس لديها سوى التغني والتفاخر والعودة إلى الفولوكلور الذي مارسته طائفة أخرى لعقود ثم أثبت فشله، لكن الواقع القاسي والعجز الفاضح يظهر امام الغنائية السخيفة. نعم، المشكلة كبيرة وأكبر من التصاريح الرنانة. عام 1973، تعرض المتغنون بالجيش لصدمة فلجأوا إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، لكنه تحول لقتال الشريك اللبناني الآخر ودخلت البلاد دوّامة عنف لنحو عشرين عاماً.

واليوم نحن على مقربة من تعرض الفريق الجديد الذي يتغنى بالجيش لصدمة جديدة، فهل تفضي إلى تسلح للدفاع عن النفس وتالياً لقتال الشريك في الوطن؟

إن الطاقم السياسي اللبناني الحاكم وقسم كبير من الطاقم المعارض لا تتوفر لديهم رؤية جريئة وحاسمة لإيجاد حل دائم لمشكلة المخيمات الفلسطينية للاجئين الفلسطينيين. فمن الخوف "التوطين" الذي يسكن الكثيرين إلى الخوف من الخلل الديموغرافي الذي يسكن البعض وصولاً إلى الخوف على الكيان والإقتصاد والحضارة -ولا ننسى السيادة، كل ذلك يعتبر موانع أعاقت إنطلاقة التفكير نحو حل لهذه المسألة.

لا توجد في الدولة اللبنانية مؤسسة سياسية أو أمنية مختصة تماماً أو متفرغة للموضوع الفلسطيني بجميع جوانبه، ولدى حدوث أي مشكلة يقدم كل فريق على المعالجة من عندياته، وغالبها لا يؤدي إلى أية نتيجة.

جاءت أزمة نهر البارد لتزيل جبل الجليد الذي يغطي العيوب السياسية والأمنية والإجتماعية اللبنانية. هذا الجبل الذي ظن البعض أنه جميل ويجذب السائحين، إنهار وظهر الجبل الحقيقي الذي يستقطب الإرهاب والفوضى.

كثير من القيمين على السلطة لا يعرفون شيئاً عن نهر البارد وماذا يحتوي بداخله، واليوم يرددون مفردات وتعابير حول المخيم لم يسبق لهم أن قرأوها أو تداولوها أو تناولوها بالبحث. سلطة متعامية مكارة جاهلة في مواجهة مشكلة كبيرة ذات أبعاد إقليمية ودولية.

لا حل للبارد ولا لغيره في ظل سلطة متفرقة عاجزة. المهم والمهم جداً أنه في حال إجتمعت السلطة وتشكلت حكومة الوحدة الوطنية -التي تدعوا إليها بعض القوى السياسية- وضع إطار للتفكير بالحل وتكوين رؤية موحدة لكنها لن تتمكن من وضع حلول نهائية لهذه المشكلة بالمطلق.

نعم دخل لبنان مرحلة جديدة قد تمتد لسنوات ولا أفق للحل، فهل تسمع بعد فترة أصوات إستدعاء الشقيق أو الغريب لمساعدتنا؟

أخيراً لنتذكر قليلاً: بعد مغادرة السوريين لبنان أقام الحكم اللبناني الدنيا وأقعدها على مشكلة مركز الناعمة التابع لإحدى المنظمات الفلسطينية، وكلّف الجيش بتطويقها وإحكام الحصار عليها ثم ما لبث أن تراجع دون سبب، ولكنها عاد وظهرت في البقاع واستولدت التصاريح العنترية والمشاهد الحربية إذ ظن المواطن المسكين أنها بداية نهاية المشكلة. وبين هذه وتلك إجتماعات لبنانية-فلسطينية رسمية متكررة ولجان وقرارات نامت في الأدراج.

بغياب المرجعية السورية وعلى رغم كل الإنتقادات الموجهة لها، الا انها كانت توفر الحبوب المهدئة. ما نخشاه أن تصاب مشكلة المخيمات بالأرق ويصبح نومها خفيفاً، وتستيقظ عند كل صباح.

 

 

 سالم موسى