العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

مسيرتي

منصور عازار
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 
New Page 1

 

في 2 حزيران 1922 ولد منصور عازار .فكانت مسيرته صراع على العمل ومع الزمن وفي المجتمع وحياته حافلة بالعطاء والايجابيات والامل . ومن اخر انجازاته تفعيل مكتب الدراسات العلمية والمشاركة في اصدار مجلة تحولات

وفي حزيران 2007 دخلت تحولات عامها الثالث ونحن نحتفل بمولده الخامس والثمانون وفي هذه المناسبة ندعو له بطول العمر ونقلب في هذه الصفحة اوراق من مسيرته .

 

بطاقة هويتي تشير الى مسقط رأسي، بيت الشعار. الى زمن جاء بعد الحرب العالمية الأولى. بيت الشعار، تستقبل البحر عن قرب. تتلمس المغيب الرائع قبل ليال كثيفة النجوم. بطاقة هويتي تؤرخ لميلادي ولكنها لا تتحدث عن اجداد، قدموا الى هنا من اعالي الجبال، من عينطورة المتن، الناسكة في حضن الجبال التي حمتها من غدر الطبيعة. من تلك الجبال العالية، انحدرت جباه اجدادي لتستقر في الدفء الساحلي سعياً وراء لقمة الحياة، فالساحل ارحم من الجبال القاسية المعرضة لرحمة الثلوج وفضائل المطر.

في بيت الشعار استقر اجدادي من دون ان يقطعوا علاقاتهم بأهلهم في الجبل، فظلت حلاتهم مشتبكة كأنهم رفضوا ان يقطعوا حبل الصرة بالرحم الجيلي: واظبوا على حضور الأفراح والأتراح والمشاركة فيها.

فرجائي يا احفادي ... سجلوا ذلك في ذاكرتكم. مهما شرّقتم وغرّبتم، لا تنسوا هذه الجبال التي علمتنا الشموخ، والسهول التي درستنا التواضع وهذه الأمواج التي دعتنا الى المغامرة. هذه بلادكم. احملوها معكم حيثما كنتم ... وعودوا اليها، لتطمئنوا اليها واليكم فيها، فأنتم من سلالة "الاثم الكنعاني".

هل تودون، انتم اليوم ابناء عصر المواصلات والاتصالات، التعرف على مهنة الأجداد والآباء؟ اي مهنتنا قبل مائة عام؟ جميل ان تعرفوا غداً، وانتم تطيرون بسرعة، وتتحدون الأمكنة، وتوظفون الأزمنة بسرعة الضوء. ان اجدادكم كانوا يمتهنون وسائط النقل التي تعتمد على الدواب، لنقل المؤن من مكان الى آخر.

كان موقع عائلتي في "عينطورة" يحمل مهمة طبيعية دائمة، تناقلتها الأجيال. كان اهلنا صلة الوصل بين سهل البقاع مجبل لبنان. المسافة بين عينطورة والسهل كانت التحدي التاريخي لمقاومة العوز والحاجة، فأصبحت مهمة الأهل الأشداء منهم والفتيان، الانتقال ليلاً الى زحلة وجوارها ونقل الانتاج الزراعي والعودة في اليوم التالي الى البلدة ومنها الى القرى الجبلية والساحلية. فتكونت لديهم خبرة واسعة في التعاطي التجاري والمبادلات في السلع والحاجيات، ينقلون الى السهل البضائع والأغراض المنزلية ويحملون الى الجبل انتاج هذا السهل الكريم الذي هو صلة الوصل بين الجبل والداخل السوري العميق.

هذه منطقتنا تبدأ من شواطىء البحر وترتفع رويداً رويداً، نحو الجبال العالية، يتوجها صنين الأقرع صيفاً والأبيض شتاءً، وتنتشر القرى كأخوات رائعات الجمال والتواضع في هذه السفوح الوعرة التي حولها اجدادنا الى أمكنة صالحة للسكن، فبنوا فيها المنازل الجميلة، واهمها تلك التي بنوها من العقد وانتشرت حول هذه المنازل الجنائن المثمرة من كل الأنواع، فكانت الزراعة على انواعها مورد رزق ومسرح جمال لأهلنا في اوائل القرن الماضي. فكم حملت معها هذه السنين من متغيرات نقلت الانسان من حالة البساطة في العيش والاكتفاء بما تيسر من موارد الى حياة مركبة ومعقدة، فقصرت المسافات وسرّعت بالمشكلات، فانقلب الوضع رأساً على عقب. فلا عادت القرى قرى، ولا باتت مدناً. انها شكل هجين، ولا شك ان القرية الوادعة ستموت قريباً، وسينشأ مكانها، أماكن اقامة بلا روح، تماما كالمدن الخرساء، والتي لا ينطق فيها الا الاسمنت.

وككل اللبنانيين في الجبال، طردتنا القلة. غامرنا بالسفر. نادانا البحر، فاستجبنا. نحن ضحايا الجغرافيا المقسمة. وهبنا الله بلاداً فسيحة، ولكنهم عزلونا عن بعضنا البعض. لبنان يجوع اذا لم ينفتح على محيطه. محيطه يختنق اذا لم ينفتح على لبنان. اقيمت دويلات متنابذة، فدفعنا ثمنها حقداً وحروباً. استثمرت الطائفية. وجدونها ثمرة سامة مربحة، فروجوا لها لذا بات لبنان ارضاً راغبة في احتضان ابنائها، ولكنها عاجزة عن الاهتمام بهم زراعة وعلماً وثقافة واختصاصاً. فصدرتنا الى الخارج. ولو كانت هذه البلاد موحدة، بطريقة ما، لغزنا في في الاستقلال المتين والسيادة الحرة والاقتصاد النامي والشعب الذي يستقر في بلاده، معطاءً، كما كان خلال عصور ازدهاره.

اننا اليوم، صادر بلا وارد ... والسبب يا احفادي، نظام التجزءة، وبنية التخلف، واقتصاد الكرتون نحن نشبه الأرصفة التي تكدس فوقها العناوين للتغير. التفاعل مع الداخل السوري كان محكوماً بالنزاعات السياسية والكيانية. لذلك صار الطلاق طريق عهد للبنانيين معانقة المجهول، في الفيافي البعيدة.

هل ما اكتبه لكم نابع من رفضي لهذا اللبنان بشكل كيدي واستبدادي؟ وهل انا الذي عشت وربيت وكبرت في ربوعه اتنكر له في ايامي الأخيرة وانقل لكم صورة مشوهة عن حقيقته وواقعه؟ كلا، فانا أحب لبنان حبي لكم، استخلص العبر والحقائق لكي انقلها لكم كما امتحنتها وخبرتها طيلة ايام حياتي. فمن اجل ان يستقيم الوضع ويصبح هذا الكيان حاضناً لأبنائه، عليه ان ينفتح نحو الداخل نحو السهول الواسعة والأراضي الشاسعة المحيطة به، وهذه الهجرة عليها ان تنتظم وتوجه ابناءنا، وانتم منهم، نحو الداخل فهناك تجدون المجالات الواسعة لطموحاتكم واحلامكم الكبيرة، فالأرض الصالحة والقوم المؤهلون هم وحدهم بناة الوطن الذي يتمكن ان يصمد في صراع الأمم و طموحات الشعوب للامتداد والتوسع. واعود هنا الى الحواجز الصعبة التي تمنع هذا الانفتاح وهذا التوسع لتجعل من لبنان سجناً كبيراً او جسر عبور لأجياله المتعاقبة نحو الأماكن البعيدة.

انها في الدرجة الأولى الطائفية، هذا الغول الجائع الذي يفترس بنيه! هذا المرض الذي يفتك بالناس، فيحول كيانهم الى غرائز لا تفكر ولا تعي الا من خلال التعصب والانعزال والخوف من الآخر! ومن هنا اتجهت أفكاري منذ عهد التلمذة الى التعمق في هذا الموضوع الذي يقسمنا ويزرع فينا البعض والجهل وعماوة القلب؛ فاذا بي التقي بالريحاني وجبران خصوصاً، متسائلاً عن المعنى الانساني لوجودي ووجود الآخرين الى ان التقيت بسعاده، بمبادئه وافكاره، عندئذ وفي عمر باكر جداً، تأثرت بتعاليمه، وانتميت في سن السادسة عشرة من عمري الى حركته واصبحت عضواً عاملاً في حزبه ... ولم أزل!

لست نادماً على انخراطي في حزب سعاده. ما زلت مؤمناً بمبادئه، لأنها العلاج الشافي لأمراضنا. لأنني منها استوحيت علمانيتي ضد الطائفية، ووحدويتي ضد التجزئة، وانسانيتي ضد العنصرية، وانفتاحي ضد الانعزال، وحريتي ضد الاستعباد، وتحرري ضد الاحتلال، وعقلانيتي ضد التقليد  والموروث، وايماني بالتقدم، شرطاً من شروط تحقق المتعة لأمتي، واقتناعي بالحداثة فكراً وسياسة وتنمية وايداعاً.

لقد اعطاني سعادة بطاقة عبور الى المستقبل ... واذا كنت اليوم بينكم واذا كنت سأترك لكم وصيتي، فلسعاده فيها اكثر من صفحات، وفي اسطرها اكثر من فكرة.

لست نادماً، حتى اذا قيل لي، وماذا فعلت هذه الأفكار والمبادىء في الأمة؟ ألم تتراجع وتفشل؟ لماذا تنقلها الينا طالما ان مجتمعنا رفضها واستعاض عنها بالفكر الطائفي، والعقائد القبلية، وعادات القرون الوسطى؟

جوابي بسيط: أمراضنا مزمنة، ويحتاج علاجها الى زمن. امراضنا موروثة من زمن الانحطاط، ولا خلاص لنا الا بالمستقبل وافكار المستقبل. سعادة شرع لنا آفات المستقبل لأنه كان مؤمناً بالعقل وابداعاته واقتراحاته.

ان عامل الوقت هو الدواء الوحيد لخلاصنا وخلاصكم من هذه الأمراض التي تتفاعل اما بصركم وتأنفون منها، معتقدين انها دائمة وأبدية، والحقيقة كما ترون من تخلف وتعصب عند شعبنا، بل انه من وراء هذه العلل ثمة نفسية شعب قادر على الإنتفاض والتغيير وقد انتفض مراراً، انما هذا يتطلب جهاداً واستمراراً في الجهاد دون يأس وملل، ذلك ان الشعوب لا تبني حقيقتها وتاريخها خلال اعوام قليلة، بل يلزمها الكثير من الوقت والانتظار. وانتم عشتم حياتكم في دنيا الاغتراب وتعرفون ما جاهدت من اجله فرنسا مثلاً، لكي تبني مجتمعاً فرنسياً متجانساً وموحداً وقوياً ومبدعاً ومصارعاً في سبيل الحفاظ على هويته ومصالحه في صراع بشري لا يرحم؟ وتعرفون ما عانته القارة الاوروبية من حروب وويلات طيلة عقود من السنين كي تصبح على ما هي عليه اليوم من علمانية وتحرر وتقدم في كل مجالات العلوم والمعارف والاختراعات.

نحن في الطريق الى عصر النهوض. ولا قيامة لنا الا اذا انتصرت القيم الانسانية والمبادىء التي كرست عند سعاده، اولوية العقل، لأنه الشرع الأعلى، والوحدة كاطار عمل قومي وانساني وعلى الحرية كاطار يحتضن الأنشطة الانسانية.

العقل، كان مع شرعة حمورابي، واساس الحضارات التي انتجها انسان هذه الأمة. آمل ان تتعرفوا الى حضارات الكون وتاريخ الأمم لتدركوا ماذا يجب ان تعملوا في سبيل نهضة شعبكم، هذا الشعب الأصيل الذي حمل الحضارة الى الكون منذ ان بدأ هذا الكون يعي ويبصر ويقدر قوى الطبيعة والانسان، فبلادكم ارست الأسس العميقة للتمدن الحديث، فمنها كان العلماء والفلاسفة والمخترعون، والىالعالم صدرت معارفها فاقتبس عنها بدايات تحرره من الخوف والجهل.

الأبجدية والأرقام الحسابية والتبادل التجاري للحاجات والسلع. من شواطىء فينيقيا وكنعان الى بقاع الأرض عبر البحار، نقلت منتجات الحضارات الى مدن البحر المتوسط ومنه الى بحار الدنيا؛ وليس ما اقوله لكم الا حقائق ثابتة يمكنكم التعرف اليها عندما تعودون الى كتب التاريخ والآثار القديمة المنتشرة في متاحف اوروبا.

 

ملاحضة :فصل من كتاب سيصدر قريبا