العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

سعاده ونهج المستقبل

انطوان بطرس
الاثنين 25 حزيران (يونيو) 2007.
 

 في هذا العدد من تحولات، نستكمل نشر الجزء الثاني من مقالة الأستاذ أنطوان بطرس بعنوان "سعاده ونهج المستقبل"، حيث تم التطرق في الجزء الأول إلى رأي سعاده في مواضيع متعددة، أبرزها نظرته لملامح العصر الجديد، والانعكاسات القومية والعالمية، والتقليد السوري في حمل وقيد النهضة، والمذهب القومي الاجتماعي.

 في هذا القسم، يتطرق الكاتب إلى موقف سعاده من بعض الإشكاليات والحلول التي وضعها من أجل إنهائها. وأهم هذه النقاط: العلمانية، الفلسفة المدرحية، العلاقة بين الانسان والمجتمع، الحداثة، الديمقراطية، والمسألة الدينية. 

 

اولاً: العلمانية

النقطة الأولى التي تصدرت نقاط التخلف الحضاري والقومي السبع كانت عدم القبول بالآخر. هذا الإتجاه الآخذ بعداً عالمياً يفتك بالمجتمعات ويمزقها عانى منه الوطن السوري وكان ولا يزال من ابرز أسباب تخلفه ونكباته القومية. وهو بات ظاهرة عالمية متعددة الأسباب والمظاهر.

 

وينطوي المذهب القومي الاجتماعي على الحل الناجع لهذه المعضلة. فالظاهرة موغلة في المجتمع السوري، ورغم ذلك قدم الدليل تلو الآخر على انها ليست مشكلة مستعصية. ونجاح هذا الحل وصوابيته، ربما، كان السبب الرئيسي وراء محاربة العقيدة القومية الاجتماعية ومعتنقيها حرباً شعواء.

 

فما الذي يجمع ذوي الأصول السريانية والكردية والأشورية والفينيقية والداغستانية والكلدانية واليزيدية والتركمانية والعربية والكنعانية والشركسية المولودين في سورية ويمنحهم الشعور بالإنتماء إلى وحدة قومية سورية وان يستميتوا من اجلها؟ كلهم مرتبطون بنسيج سوري واحد.

وما الذي يجمع الماروني والسني والشيعي والرومي والدرزي والبروتستنطي والنصيري ولا تستطيع ان تميز، من دون أسمائهم، ديانة الواحد عن الآخر؟

ما الذي يجمع ابن رام الله وابن الحسكة وابن انطلياس وابن البصرة وابن أربد وابن دمشق وهم فلسطينيون وشاميون ولبنانيون وعراقيون وأردنيون؟

اي حزب في الوطن السوري او العالم العربي استطاع ان يحقق ذلك؟ اية دولة او مجتمع في العالم يستطيعان اليوم ان يدعيا مثل هذا الإنجاز بل الإعجاز الاجتماعي؟ الواقع ان سعاده يعيد بذلك القيمة إلى العلمانية بعد تراجعها حتى في الدول التي وضعتها كالولايات المتحدة وفرنسا، علماً بأن اول رئيس اميركي كاثوليكي كان جون كندي(الرئيس الخامس والثلاثون)، واول رئيس قادم من الجنوب كان ليندون جونسون(الرئيس السادس والثلاثون)، كلاهما في عقد الستينيات من القرن العشرين، أي بعد مئتي سنة على تأسيس اميركا على قاعدة حقوق الإنسان. كما وانتظر الهنود الحمر حتى العام 1976 كي يمارسوا ديانتهم بحرية. واما الملونين فأمرهم معروف.

 

اي دليل اعظم على هذا الانصهار القومي الإجتماعي وما سره؟

يفسر سعاده هذا الانصهار بالمبدأ الأساسي السادس القائل "أن الأمة السورية هيئة اجتماعية واحدة". ويقول "في الحزب السوري القومي الاجتماعي فقط يدخل اي مواطن من اية طائفة كانت إلى قومية جامعة فلا يبقى الماروني مارونياً ولا السني سنياً بل يهب كل نفسه للأمة." واضاف ان "المبدأ الذي أتمشى عليه هو مبدأ القومية، وهو المبدأ الذي يدعونا إلى محبة أبناء قومنا وجلب الإصلاح القومي لهم". فالتراحم الداخلي، كما يسميه، هو أساس كل مجتمع يريد ان لا يخرب. ان بقاء معتنقي المذهب القومي الاجتماعي على هذا الانسجام الداخلي لهو معجزة تتحدى الزمن الرديء. هيغل تحدث عن ثقافة العقل الإنساني العام، وقال كانط بضرورة تفكيك حقائق لإيمان، وفي خط مواز لكليهما عمل سعاده ذلك في كتاب "الإسلام في رسالتيه".

 

 ثانياً: الفلسفة المدرحية

 إذا أمعنا النظر في النقاط السبع  التي تجمل التحولات والصراعات وأوضاع القيم، لوجدنا ان الصراع التاريخي والتقليدي بين النقيضين، التفسيرين المادي والروحي للتاريخ، كان على رأس القضايا التي قوضت السلام العالمي وأربكت العالم في القرن العشرين ولا تزال تُمسك بالقرن الجديد. زوال الشيوعية لا يعني أفول التفسير المادي للتاريخ لأن الرأسمالية نفسها تتضمن قيماً مادياً لا تختلف عن قيم الشيوعية المادية ولو انها استبدلت طبقة بأخرى.

كان تفكير سعاده عالمي المستوى وكذلك تطلعاته وإسهاماته. فقبل ان تنتهي الحرب العظمى بدأت معالم النظام العالمي الجديد تظهر على السنة عدد من الساسة والمفكرين الأميركيين والبريطانيين كالرئيس الأميركي وسفير بريطانيا في الولايات المتحدة والمفكر الاشتراكي هارولد لاسكي. تحدث البعض عن ضرورة البحث عن عقيدة للديمقراطية، والبعض الآخر عن الأمن الجماعي. لكن سعاده رأى ان البحث يدور فعلاً حول محورين: الأول حل المشاكل الحاضرة التي تنشأ من تصادم مصالح العمال والرأسماليين، والثاني تكوين عقيدة للمستقبل يحارب الشعب من اجلها.

 

وجاء رد سعاده عبر مقال في "الزوبعة" بعنوان "العقيدة القومية الاجتماعية" عام 1942. لم ينكر فيه دور النظريات الاجتماعية في إلقاء الضوء على مشاكل المجتمع الإنساني الاقتصادية، ولكنه رأى ان العديد من هذه النظريات، كالاشتراكية على سبيل المثال، فشلت في حل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية. وكان الحل، كما رآه لتقتدي به الدول الخارجة من الحرب الراغبة في نظام عالمي عادل، باعتماد العقيدة القومية الاجتماعية كبديل باعتبارها "تقدم نظرات جديدة في الاجتماع بأشكاله النفسية والاقتصادية والسياسية جميعها". ان مبدأ سعاده، كما كتب، هو "نظرية فلسفية شاملة تتناول العالم وشؤونه الاجتماعية والاقتصادية... وتخرج من القاعدتين المتصادمتين بقاعدة واحدة عامة، بل بقانون جامع  يمكن ان تأخذ به الإنسانية، وهو بحث واسع بل فلسفة كاملة في الاجتماع والتاريخ."

 

نظر سعاده يمينا ويساراً، فماذا رأى؟

هناك إلى اليمين رأى الرأسمالية وقد استتبت كقوة مادية مقسمة المجتمع إلى نظام طبقي اقطاعي جديد يتميز بطبقتين واحدة رأسمالية مرهقة ساحقة واخرى عاملة تنقسم بدورها إلى طبقتين مضغوطتين مسحوقتين. طبقة مسحوقة نفسياً وهي الطبقة الوسطى، وطبقة مسحوقة مادياً هي الطبقة الدنيا. والحرب بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة ليست حلاً لمشكلة الاجتماع الإنساني الاقتصادية ولا تحقيقا لمصالحه. كما وتفرع عنها نظام طبقي انترنسيوني تتولد عنه طبقة من الأمم الإستعمارية ذات الإمبراطوريات ومناطق النفوذ الواسعة(وهو ما نسميه اليوم بالشركات المتعددة الجنسية التي تفوق ميزانية الواحدة منها عشرات الميزانيات القومية لدول صغرى بكاملها). اضافة إلى هذه الطبقة العالمية العليا، نشأت طبقة عالمية من الأمم المضغوطة والمحرومة (في ايامنا هذه نماذج عنها في مصانع هونغ كونغ واميركا اللاتينية حيث يمضي العامل نهاره بالكامل بأجر لا يزيد عن دولار واحد).

نظر يساراً، فرأى الشيوعية تقيم سلطة البروليتاريا تثبيتاً لنظام طبقات الأمم الاقتصادية بترتيب جديد. والى جانب الشيوعية ولو على مسافة نظرية لكن متقاربة عملياً وجد الاشتراكية القومية (اي النازية) تحاول ان تمد نظامها في العالم بعامل روحي ولكنها لم تتمكن من حل مشكلة الطبقات.

وجد ان العالم يحتاج الى فلسفة جديدة، فلسفة تفاعل موحد جامع للقوى الإنسانية. تلك هي الفلسفة التي تقدمها النهضة القومية الاجتماعية.

 

ثالثا: الإنسان والمجتمع والعلاقة بينهما

اعتبر سعاده الإنسان مقياساً القيم الإنسانية كلها مؤكداً محوريته، لكنه ميز بين الإنسان والفرد معتبرا ان الفرد هو " مجرد امكانية انسانية ". ثم تناول المجتمع، فاعتبره المرجع النهائي للقيم الإنسانية بقوله "ان كل القيم الإنسانية هي قيم اجتماعية"، وان "الإنسان الحقيقي هو المجتمع لا الفرد"، فالمجتمع "هو الوجود الإنساني الكامل والحقيقة الإنسانية الكلية، وقيم الحقيقة والخير والجمال [ هي] قيم انسانية نفسية-انها قيم مجتمعية."

وقد اوضح سعاده انه كان ينظر إلى الإنسان "من مستوى فكري جديد ويرفع بنظره الإنسان من حدود فرديته المنحصرة في امكانيتها إلى مطلق اجتماعيته المنفتحة على الكون"، وان هذه النظرة هي بمثابة "فهم جديد شامل لحقيقة الإنسان ومعرفة الإنسان والقيم الإنسانية." اما غاية عقيدته الاجتماعية فهي " الاجتماع الإنساني-المجتمع وحقيقته ونموه وحياته المثلى"، محدداً ان "المجتمع الأكبر والأمثل هو الأمة". وانطلاقاً من ذلك، رأى ان "الحقيقة الاجتماعية هي أساس كل عمل قومي."

تكمن هذه النظرة في أساس المبدأ الأساسي السادس القائل بأن "الأمة السورية مجتمع واحد" والذي اعتبره سعاده من أهم المبادئ لأنه "أساس الوحدة القومية الحقيقي ودليل الوجدان القومي." أوضح سعاده قائلا: "في الوحدة الاجتماعية تضمحل العصبيات المتنافرة والعلاقات السلبية وتنشأ العصبية القومية الصحيحة التي تتكفل بإنهاض الأمة."

لهذا فقد اعتبر عادل ضاهر، وهو كان ولم يزل من خيرة من درس مفهوم سعاده للإنسان والمجتمع، ان "سعاده صاحب نظرية شاملة في هذا المجال يمكن على أساسها إقامة نظام ثوري جديد في المجتمع السوري." والواقع ان سعاده نجح في إقامة هذا النظام الثوري في الحركة السورية القومية الاجتماعية والذي تجلى في ما أسلفت اليه من كون المجتمع القومي الاجتماعي المجتمع الوحيد ربما في العالم الذي يتماسك فيه الإنسان في مجتمعه على هذا النحو، والذي يمكن ان يكون مثالاً ساطعاً لعالم متمزق المجتمعات. 

 

رابعا: الحداثة

تناول سعاده موضوع الحداثة من عدة زوايا:

  الانفتاح على الأمم الأخرى اذ أكد على انه "واجب كل امة ان تسهل وسائل التفاهم بينها وبين الأمم الأخرى الغريبة عنها وبناء على هذه النظرة كان واجب الأمم الناطقة بالضاد ان لا تقصر في التفاهم مع الأمم الأخرى."

  الحداثة الفكرية بقوله ان "العقل في الإنسان هو نفسه الشرع الأعلى والشرع الأساسي، وان العقل لا يجوز ان تعطله شريعة أخرى. فاذا كان الله قد أعطى الإنسان العقل ليدرك به ويعرف، فهو لم يعط شيئاً ليعدمه ويعدم قيمة العطاء." أضف إلى ذلك تأكيده على أهمية توفر نظرة راقية للحياة والكون والفن ورقة المشاعر وحسن التعبير عنها. وعلى سبيل المثال، ربط سعاده بين التفكير والرقي. وفي محاضرة له أمام جمعية "الاجتهاد الروحي للشبيبة" عام 1933، قال ان "قيمة عقل الإنسان تظهر في تطور تفكيره وعقله"، وقد حفلت قصتي "عيد سيدة صيدنايا" و"فاجعة حب" بهذه المواقف.

  الحداثة الفردية، وقد تجلى تأكيده لأهمية دور الإنسان الفرد، ككيان، خلافاً لما اتهم به من إذابة الفرد في المجتمع، في رده على مقولات ادبية لـ حسين هيكل وخليل مطران بقوله: "ان الفنان المبدع والفيلسوف هما اللذان لهما القدرة على الانفلات من الزمن والمكان وتخطيط حياة جديدة ورسم مثل عليا بديعة لأمة بأسرها." وتعبيراً عن الأهمية التي يوليها للحداثة الأدبية، دعا في خطاب له بمناسبة افتتاح مؤتمر المدرسين في بيروت عام 1948، إلى دراسة الأدب المخصص للأحداث.

  الحداثة الاجتماعية، وجاء ذلك في انتقاده لتأثير التقاليد حيث قال: "ان تأثير التقاليد يترك في نفوسنا أثراً يشبه، من وجوه، الأثر الذي كانت تتركه القوالب الحديدية التي كان الصينيون يضعون أرجل بناتهم فيها، اذ كانت تمنعها من النمو وتشوه طبيعة الجسم من اجل أغراض فاسدة من الوجهتين الحياتية والحيوية مهما أيدها الذوق الصيني القديم." واضاف ان ما يسود النظام العائلي من مبادئ فاسدة يؤدي إلى قهر نفوس الأبناء ويجردهم من كل إرادة في الحياة. وقد جعل سعاده الحداثة الاجتماعية أول بند من بنود الإصلاح المنشود الذي ضمنه بيان الحزب ومنهاجه الانتخابي عام 1947.

  مفهوم سعاده للمرأة: في هذا العصر الذي يتصدر فيه موضوع المرأة مفهومين هما على طرفي نقيض موضوع المرأة، يترائى لنا موقف سعاده الرادم للهوة. المفهوم الأساسي حول المرأة عبر عنه سعاده في وقت مبكر في تعليقه على كتاب "المساواة" لمي زياده، قال: "ان الرجل والمرأة نفسان متحدان وملكان متساويان في الحقوق والواجبات يتولى احدهما الشؤون الخارجية ويدير الآخر الشؤون الداخلية. واذا اتفق ان استبد الرجل بالمرأة او المرأة بالرجل فما ذلك الا نتيجة انحطاط أخلاقي في المستبد". واضاف في مناسبة اخرى، وفي احتفال للمديرية السيدات، ان "ليس العمل القومي وقفاً على الرجال وهذا العمل القومي لن يكون قومياً حتى تشترك فيه المرأة  وتكون عنصراً فاعلا فيه."

 

كما عني سعاده عناية خاصة بإطلاق شخصية المرأة منذ نعومة اظفارها. ففي حين اكد حاجة العائلة لما "يوثق قدمها تجاه زعازع الثورات الجنونية التي يقوم بها الآن مدعو تحرير المرأة "، اوضح دون مواربة اهمية تحريرها من ضغط التقاليد التي تحرمها حقها في اختيار مستقبلها ومستقبل شريكها.

 

  الحداثة المعرفية: لنتأمل ملياً وباختصار ما الذي يعنيه هذا الأمر. في العقد الأخير للقرن الماضي، دخل العالم مرحلة ما بعد الصناعة وهي مرحلة تكنولوجيا المعلومات والمعرفة، والتي تميزت بالمتغيرات الهامة التالية:

 

أ‌-  تحول المجتمعات المرتكزة على الاقتصاد الصناعي الى اقتصاديات قائمة على انتاج المعلومات وتوزيعها، وبروز الدور المحوري الذي اخذت هذه الخدمات تمثله في مداخيل الدول، مما غير البنية التاريخية التقليدية للاقتصاد وأعطي القطاع الثالث دوراً مهيمناً على القطاعين الاول والثاني(ثلثا الدخل القومي للعالم الصناعي مصدره الخدمات).

ب- بروز المعلومات كمورد ورأسمال استراتيجي جديد في الحياة الاقتصادية مكمل للموارد البشرية. وقد باتت التكنولوجيا وليس رأس المال ولا الطاقة العاملة، العنصر الاساسي للنمو الاقتصادي.

جـ- بزوغ ثورة كبرى كتلك التي استبدلت طاقة الانسان والحيوان بالطاقة الميكانيكية. الجنس البشري يقف اليوم امام عصر حضاري جديد يصعب التنبؤ بابعاده، اهم ما فيه بروز الرأسمال العقلي.

د‌-  ان طروحات سعاده في هذا المجال، هي ربما الأهم والأفضل على صعيد مؤثرات ومضاعفات الثورة التكنولوجية، حيث برز مفهوم الرأسمال العقلي او المعرفي. اذا تأملنا هذا التحول وجدناه يختصر بعبارة "المعرفة قوة"  knowledge is power   السائدة في أدبيات خبراء الإقتصاد العالميين ومنظري حضارة تكنولوجيا المعلومات، ابتداء من الفن توفلر الى جون نيسبت، وبيتر دراكر، وهارلان كليفلاند، ونيكولاس نيغروبونتي، ويونيجي ماسودا، وهي تعيد إلى لأذهان عبارة: "المجتمع معرفة والمعرفة قوة" التي صاغها سعاده عام 1948 وتحديدا يوم 16 يونيو (حزيران) على سجل خاص لشاب يافع من بيروت، قبل اطلاقها في العالم الغربي كتعبير عن التحول التاريخي هذا، بما لا يقل عن خمسين عاماً. بل انه قبل ذلك بكثير، وفي العام 1933، وكان لا يزال في التاسعة والعشرين من عمره، استشرف ان الأمم الحية اصبحت اكثر اعتماداً على الفكر وان الفكر اعظم اهمية من المادة، وهي القاعدة المتبعة اليوم في تحليل ظاهرة اقتصاد الخدمات القائم على تحول المعلومات إلى رأس مال. لقد سبقهم في استشراف هذا التطور بنصف قرن.

  الحداثة العلمية : يوم كتب سعاده " نشوء الأمم"، جعل العلم منهجاً فكرياً في البناء النهضوي وأخرجه من نطاق بعض الدوائر الجامعية إلى المستوى الإجتماعي. فلقد وجه عقول السوريين نحو لغة جديدة وفكر جديد وأسلوب جديد نقيض للغيبيات السائدة والمتراكمة في المجتمع. فجأة وقف المثقفون امام عصر جديد كان قد تراءى لسعاده انه قيد التكوين وانه سمة المستقبل. نادراً ما وجد في الحركات السياسية مثل هذا التوجه العلمي والثقافي في العالم. ومن الواضح اننا نتكلم عن نهضة حقيقية لا عن حزب فقط.

  الحداثة السياسية  في دعوته إلى دولة علمانية ديمقراطية تحقق النمو والتطور وتؤكد على أهمية ان يكون النظام ملبياً لحاجة الحياة. وقد ضمن في برنامج الحزب ومنهاجه النيابي عام 1947 الدعوة إلى محاربة النفعية والرجعية، وإيجاد تمثيل مسؤول لمصالح الشعب بواسطة أحزاب ذات أهداف قومية وإلغاء التمثيل الطائفي وتجاوز تمثيل العائلات والمنافع بما فيها منافع القرى والتركيز على المنافع القومية. فالحزب السوري القومي الاجتماعي "حزب قضية لا حزب أشخاص".اعتبر ان جوهر النظام يجب ان يكون ملبيا لحاجة الحياة. واختتم بالقول ان "الغاية الأخيرة هي الحياة وجمالها وخيرها"، مضيفاً ان الامة لا تنهض "الا بقضية عظمى كاملة، ولا تنتقل من حياة إلى حياة الا بحركة خلق تأسيسية شاملة جميع نواحي الحياة..". الحداثة الأدبية (بما في ذلك الفنية والموسيقية) خصص لها سعاده العديد من المؤلفات من "فاجعة حب" إلى "جنون الخلود" إلى المحاضرات والرسائل.

  الحداثة الصناعية بتأكيده على أهمية ملاقاة العصر على هذا الصعيد. كتب قائلاً: "اننا نرى اليوم مع تقدم وسائل النقل واتقان الصناعات ان الحدود الطبيعية، اذا لم تؤيدها قوة فنية، لم تقدر على صد جماعات لها فاعلية وقدرة على تخطي الحدود". وبعد ان نبه إلى ان سورية لا تحيا اليوم في القرن العشرين، قال ان النظام القومي سيجعل الأمة تتقدم من الآلة لا ان تهرب منها.

 

خامسا: الديمقراطية

 

صورة سعاده الحقيقية هي صورة الديمقراطي الحقيقي. ينطلق مبدأ سعاده الديمقراطي من مقولته ان "القومية تقوم على مبدأ ان السيادة مستمدة من الشعب، وان الشعب لم يوجد للدولة بل الدولة للشعب". وقد منح هذا التوجه الدولة القومية إطاراً تاريخياً سورياً أصيلاً. في وصفه للملكية الفينيقية، قال انهم بجعلهم الملك منتخباً لمدى الحياة " سبقوا كل الشعوب والدول التاريخية الى تأسيس الدولة الديمقراطية"، ووصف هذه الدولة بأنها "دولة الشعب او دولة الأمة... المنبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه". 

 

وكتعبير عن مدى عمق هذا الالتزام بالديمقراطية أوضح ان "الدولة الديمقراطية هي دولة قومية حتماً، فهي لا تقوم على معتقدات خارجية او إرادة وهمية بل إرادة عامة ناتجة عن الشعور بالاشتراك في حياة اجتماعية اقتصادية واحدة... الدولة الديمقراطية لم تمثل التاريخ الماضي ولا التقاليد العتيقة ولا مشيئة الله ولا المجد الغابر، بل مصلحة الشعب ذي الحياة الواحدة الممثلة في الإرادة العامة، في الإجماع الفاعل، لا في الإجماع المطاوع". ولم يترك سعاده مجالا للشك بأنه يؤمن بالرأي العام وبدوره، فقال: "نشأ الاعتقاد الخاطئ بأنه ليس هناك شيء اسمه رأي عام. الحقيقة ان الرأي العام موجود دائما في كل مجتمع متمدن".

 

وقد اقترح سعاده تعميقا لمفهوم الديمقراطية واستخدام "تعبير عن الإرادة العامة" بدلاً من "تمثيل الإرادة العامة" كون الأخيرة "لم تعد تصلح للأعمال الأساسية لحياة جديدة". وأضاف موضحاً، ضمن خطاب عام 1940 تحدث فيه عن "مؤسسة الديمقراطية في العالم"، ان "الديمقراطية الحاضرة قد استغنت بالشكل عن الأساس فتحولت إلى نوع من الفوضى لدرجة ان الشعب ذاته أخذ يئن من شلل الأشكال التي أخذت على نفسها "تمثيل" الإرادة العامة، وصار ينتظر انقلاباً جديداً. وهذا الانقلاب الجديد هو ما تجيء به الفلسفة السورية القائلة بالعودة إلى الأساس والتعويل على "التعبير عن الإرادة العامة" بدلاً من "تمثيل الإرادة العامة" الذي هو شكل ظاهري جامد. هذه الفكرة الجديدة هي الاكتشاف السوري الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد. وهو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد دائما كما تريد الأمة". 

ويلاحظ المراقب لقضايا الفكر المعاصر ان مناقشات حادة تدور الآن حول هذا الموضوع بالذات في الدوائر الفكرية العالمية. فبنتيجة تطور الحياة الإجتماعية وازديادها تعقيداً يتركز الإهتمام على معرفة كيفية تأمين افضل تعبير عن مصالح المتحدات التي يتكون منها الإجتماع الإنساني. ويدور الجدال تحديدا حول مفهوم الجمهوريانية المدنية ( civic republicanism ) الواقع ضمن إطار الديمقراطية التعبيرية التي ترى ان المجتمع يتكون من مجموعة مصالح، وان التمثيل يجب ان يعكس هذه المصالح بالتحديد ويعبر عنها. هذا الإتجاه يتوافق مع التعددية الليبراليةliberal pluralism  التي تركز على القيم العامة للمجتمع وتصر على عدم سيطرة كتلة مجتمعية معينة على اخرى -كما يحصل عادة في الديمقراطية التمثيلية- وشرط عدم تضارب مصالح المتحدات مع الصالح العام. هذا المفهوم الذي اخذ به سعاده ينسجم ايضا مع التقليد الروسوي (نسبة إلى جان جاك روسو).

اضف إلى ذلك ان مفهوم المتحد الذي ركز عليه سعاده هو نفسه ايضا موضوع مداولات كثيرة اليوم وتحديداً بين دعاة ما يمكن تسميته بالمتحدية communitarianism، ودعاة الليبرالية الصرفة التي تركز على الحرية الفردية. وقد حسم سعاده هذا الجدال مسبقاً حينما سار مع التقليد الأرسطوطالي الذي يقول ان القيم مجتمعية وان الفرد هو "مجرد امكانية انسانية".

 

سادسا: حقوق الإنسان

 

في المقال الذي استهل به سعاده العدد الأول من "النظام الجديد" النشرة المركزية للحركة القومية الاجتماعية، آذار 1948، كتب يقول ان الهدف الذي يحفز العقول هو "ابتغاء نظام جديد للمجتمع الإنساني... ينمي الحياة ويجعلها صالحة للإنسان ومصالحه النفسية والمادية".

 

في مثل أجواء هذا المفهوم للديمقراطية تصبح مسألة حقوق الإنسان تلقائية. ومع ذلك فلنستمع إلى ما كتبه سعاده  كإطار عام لمفهوم حقوق الإنسان لندرك إلى اية مرتبة رفيعة أراد ان يسمو بهذه المسألة إذ قال: "أما الديمقراطية التي يفتخر بها العالم الآن ...[والتي] ظهرت في سورية، هي الغرسة الأولى... التي أعطت الثمر الكثير للعالم كله، ولا يزال البشر إلى الآن يجاهدون في إيصال هذه الفكرة" حقوق الإنسان" إلى حد الكمال... فالسوري يجب ان يهتم في إنقاذ الديمقراطية من الهلاك وذلك بأن يزيل ما دخل إليها من الفساد ويدخل إليها تفكيرا ينطبق على ما وصل اليه الناس من العلم والمعرفة فتصير صالحة لنفع  الإنسان وتكفل حقوق الإنسان من كل مهاجمة وتعد".

في الحقوق المدنية: يقول سعاده ان الحق والحرية هما قيمتان أساسيتان من قيم الإنسان-المجتمع، وكل مجتمع يفقد هاتين القيمتين يفقد معنى الحياة السامي. إنطلاقاً من ذلك فقد اعتبر سعاده ان الحقوق السياسية التي تحفظ النظام هي الحقوق المدنية، فهي التي يتمتع بها الفرد بصفة كونه عاملاً في النظام السياسي الاجتماعي الذي يعيش فيه. والحقوق المدنية مقدسة تكفل حق التفكير، وحق الاعتقاد، وحق نقل الاعتقاد، وحق التصريح بالاعتقاد، وحق الاجتماع، وحق تكوين رأي، وحق نقل هذا الرأي، فينفسح المجال امام الشعب حتى يتطور نحو أنظمة افضل وأقوى المبادئ واصلح الحالات. وقد اعلن سعاده منذ وقت مبكر، يوم وقف امام المحكمة المختلطة عام 1936، انه اسس الحزب السوري القومي "لتمكين ابناء امتي من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية المحرومين منها وليس لمنعهم من ممارسة هذه الحقوق". 

في الحقوق القومية والمساواة القومية: ربما كان ايمان سعاده بهذين المبدئين من اعظم انجازاته. لم يعتبرهما الأساس لكل سياسة وكل نظرة حقوقية او إدارية فحسب، بل هما سر الأعجوبة التي حققها دون سواه من قادة الفكر السياسي في العالم قاطبة، وانطلاقا من هذه النظرة، صاغ المبدأ الأساسي السادس القائل ان "الأمة السورية هيئة اجتماعية واحدة". فقد اعتبر سعاده ان هذا المبدأ "يؤلف جزءاً هاماً من الإيمان القومي" كما كشف بأنه، أي المبدأ، سبب نجاحه هو في اذابة الفوارق بين مختلف الطوائف والمذاهب.

في حرية الفكر: اعلن سعاده مراراً ان الحزب لم يمنع أحداً قط من إظهار معتقداته الفلسفية من أي نوع كانت في كتاباته. جاء هذا الكلام في جوابه على الكتاب الإستعفائي الإنسحابي لفخري المعلوف اذ قال: "يمكنكم ان تنشروا افكاركم واستنتاجاتكم في الخلق والنشر والحشر والحساب وليوافقكم في ذلك من شاء وليخالفكم من شاء". واضاف في رسالة لغسان التويني يشرح فيها موقفه من قضية فخري المعلوف، ان "في الحزب من الاحترام والضمان لحرية الاعتقاد والتساهل تجاه أي اعتقاد او مذهب فلسفي لا يرمي إلى بث روح الشقاق وإثارة النعرات والقضاء على معنى الأمة". وينطلق هذا القول من مفهوم سعاده القائل "أن لكل حكومة حدا تقف عنده فيما يخص أمر تقدير المصير العام الأخير الذي هو مصير الشعب لا مصير الحكومة، وكل حكومة تحاول ان تربط مصير الشعب بمصيرها تكون حكومة خائنة لمصلحة الدولة. الحكومة التي تمنع أعضاء الدولة من التفكير في مصير دولتهم ومن استعمال حقوقهم المدنية والسياسية في تقرير المصير، (هي) حكومة قد تجاوزت حدودها وخرقت حرمة المبادئ... وعصت إرادة الشعب الذي له وحده حق تقرير مصيرها ومصيره".

 

لقد جعل سعاده من مسألة حقوق الإنسان واحدة من اهم ركائز الدولة السورية القومية الاجتماعية، وعلى العالم الذي يتطلع بحذر إلى الديمقراطية على انها فكرة غربية مستوردة ان يعيد النظر بقناعاته، وان يقبل عليها بانفتاح ليوائمها مع ظروف معتقداته.

سابعا: المسألة الدينية

 

في واقع الأمر، أن هذه المسألة تكمن في باطن كل المواقف والنزعات التي تتحكم بالإنسان الفرد والمجتمع في آن. وما سأورده من أفكار لسعاده تردم الهوة بين الأضداد البشرية لو تم اعتمادها، ليست موجهة إلى المنادين بفصل الدين عن الدولة، بل إلى المؤمنين المتمسكين بالشريعة أساسا لنظام الدولة والمجتمع من جميع الأديان والمذاهب ولكل من يجد بصدق ان إيمانه بالشريعة هو الأساس الذي لا يريد ان يمسه. انها نظرة عقلانية ومواقف ودعوات ومقولات لسعاده تحدو إلى القبول بالآخر، ردما لصراع الحضارات والثقافات والديانات، مهماً كان دينه او مذهبه، و دون تنازل منه او اهمال لوجه من وجوه الشريعة كما يفهمها.

 

وقال: "اننا لا نتنازل عن حق حرية الفكر لكل مفكر... فليؤمن من شاء بما يشاء وليجهر كل ذي راي برأيه وليوافقه من شاء وليخالفه من شاء... ليس من فروض القومية تعيين وجود الله او عدم تعيينه ولا تقرير صفات الله"، و "لا تضارب بين القومية والدين الا حيث يمزج الواحد بالأخرى وقضاياها السياسية والاجتماعية او تمزج الواحدة بالآخر وقضاياه اللاهوتية والفلسفية"، و"لا يجوز الطعن في احد ابناء الأمة الواحدة بسبب اعتقاده الخاص"، فيمكن للمرء ان يكون مسلّماً بحقائق المدرسة العلمية وان يحتفظ لنفسه برأي خاص في تعليل الوجود ومصدره ومصيره". " يمكن [للمرء] ان يسمو بايمانه الديني بالله عن الإعتبارات والنزعات الحزبية لأحد المذاهب وعن خصوصيات ذاك المذهب التي ليست من اصول الدين والإيمان وعن المصاحبات السياسية والغايات الزمنية لذلك المذهب". أخيراً وليس آخراً، لا خلاف مطلقاً بين ان يكون المرء محمدياً او مسيحياً في الدين او غير صاحب رسول خاص او دعوة خاصة في الدين، وان يكون قومياً اجتماعياً في الدنيا.. [شرط الاّ] يخرق مبدأ المساواة في الحقوق وحرية إبداء الرأي".

 

في ما تقدم رسالة سعاده إلى العالم، وعلى من له فكر نيّر ان يهتدي.

 

 

انطوان بطرس

كادر:

- الصراع التاريخي والتقليدي كان على رأس القضايا التي قوضت السلام العالمي وأربكت العالم في القرن العشرين.

- تحدث البعض عن ضرورة البحث عن عقيدة للديمقراطية والبعض الآخر عن الأمن الجماعي.

- اعتبر سعاده الإنسان مقياساً القيم الإنسانية كلها مؤكداً محوريته.

- سعاده صاحب نظرية شاملة في هذا المجال يمكن على أساسها إقامة نظام ثوري جديد في المجتمع السوري.

- جعل سعاده الحداثة الاجتماعية أول بند من بنود الإصلاح المنشود.

- الجنس البشري يقف اليوم امام عصر حضاري جديد يصعب التنبؤ بابعاده.

- القومية تقوم على مبدأ ان السيادة مستمدة من الشعب، وان الشعب لم يوجد للدولة بل الدولة للشعب.

- ان أفكار سعاده تردم الهوة بين الأضداد البشرية لو تم اعتمادها.