فقهاء السلف الصالح بين الإجماع والاختلاف

العدد 4 - تشرين أول 2005
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
رغم ما يحاول بعض الدعاة والخطباء إشاعته حول أن خلافات فقهاء السلف الصالح لم تتجاوز المسائل الفرعية الخاصة بالعبادات والمعاملات التي لا تمس جوهر العقيدة الإسلامية ومبادئها الأساسية، فإن الدراسات تؤكد أن ذلك العصر شهد حواراً شمل أصول الدين الإسلامي ولم يكن الخلاف الظاهر حول الفروع إلاّ نتيجة الخلاف حول الأصول. وهنا تبدو مسألة قبول الرأي الآخر ومحاججته بالأدلة والبراهين واردةً في التاريخ الإسلامي بعكس ما نشهده اليوم من تفرّد وتخوين وتكفير.

فالخلاف في قراءة البسملة بين المذاهب الثلاثة يترك أكثر من انطباع ودليل على خلاف تناول الأصول، ففي حين يرى الإمام الشافعي أن قراءة البسملة في الصلاة فرض تصبح الصلاة بدونه باطلة، يذهب الإمام أبو حنيفة إلى اعتبار البسملة في الصلاة سنة، ويرى الإمام مالك أن البسملة لا تُقرأ في الصلاة. وهذا مرده إلى اختلاف الفقهاء حول مسألة أصولية وهي: هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من سورة الفاتحة ومن باقي القرآن الكريم أم لا؟!

وهنا أجمع الفقهاء على أمرين فقط وهما أن البسملة جزء من آية مذكورة في سورة النحل، لكنها ليست آية من سورة التوبة، لكنهم اختلفوا في كونها جزءاً من الفاتحة ومن سائر السور عدا سورة التوبة، فرأى الإمام الشافعي أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، في حين رأى أبو حنيفة أنها آية مستقلة ومنفصلة أنزلت للفصل بين السور. وذهب ابن مالك إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أي سورة وإنما ذكرت على سبيل التبرك باسم الله عزّ وجلّ, ولكل رأي من تلك الآراء حججه الطويلة ودعاته الكثر.

وبغض النظر عن مدى الخلافات والاتفاقات بين الفقهاء فإن ذلك يدلّ على حوار طويل وتمحيص عقلاني لم يأخذ شكل التكفير بين الآراء المختلفة، مثلما يحاول بعض الدعاة اليوم تصويره من أن الإجماع شمل أصول العقيدة الإسلامية، وأن الاختلاف انحصر في فروعها، محاولين الاعتماد على ذلك لمنع الاجتهادات والتفاسير المختلفة للعلماء والمفكرين الإسلاميين التي قد تخرج عما رسمه السلف الصالح من أسس ومبادئ يريدون تحويلها إلى أحكام نهائية غير قابلة للنقاش.

ويتساءل المفكرون الإسلاميون اليوم، عن مصلحة الدين إذا توقفت ملكة التفكير التي هي هبة من الله عز وجل، ومُنعت أساليب البحث العلمي بحجة الخروج والارتداد.. مؤكدين أن التاريخ الإسلامي حافل بالحوارات والاجتهادات المختلفة التي لم يصل تأويلها والتشكيك فيها حدّ ما وصلت إليه الأمور اليوم.