العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

رداً على مقال تحريراً وليس احتلالاً

محمد نصيف إعلامي وأديب عربي
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

ـ لعبة الحركات الكردية الداعية للانفصال دوراً خيانياً بالنسبة للعراق

 كل مشروع إنساني أو ثوري أو فكري صادق لا شك بأنه سيجابه بمشاريع تدميرية ذات مصالح تتعارض مع الخط البياني للمشروع الأول ولهذه المشاريع التدميرية مؤسسات كبيرة وأدوات داخلية وخارجية مسخرة لتحقي الأهداف المريضة والخبيثة فهي دون شك ستدعي بأن ذلك المشروع الفكري والإنساني هو مشروع غير سليم وأنه ينطوي على أهداف خطيرة لا تصب في مصلحة الإنسان والوطن وغالباً ما تُربط بسلوكيات أشخاص قد يكونون دخلاء على ذلك المشروع أو أنهم أصليون لكن نظرتهم للواقع التطبيقي تشوبها أخطاء وتعثرات يشغلها الاعداد بالتضخيم والتطبيل مستغلين سذاجة بعض المغرر بهم لإعطاء صورة مخيفة للمشروع الفكري.

لذلك كانت كل مشاريع الثورة النهضوية في العراق تواجه هجمات شرسة من الطابور الخامس الذي تسخره الدوائر المعادية لنهوض الأمة من امبرياليين وصهيونين وشعوبيين يعملون على تفتيت أي نواة يمكن أن تثمر عن مشروع وطني أو قومي كبير وحتماً تلجأ كل الدوائر إلى ضرب المشروع من الداخل ولكي أضع النقاط على الحروف يجب أن أسلط الضوء على الدور الخياني الذي لعبته وتلعبه الحركات الكردية الداعية للانفصال والتي ينتمي إليها كاتب المقال فلم يكن نشاط هذه الحركات مقتصراً على الفترة التي استلم فيها حزب البعث السلطة في العراق بل إنه يمتد إلى مراحل متقدمة منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة فشكلت جيباً حياتياً في شمال البلاد يعمل وفق أجندة صهيونية شعوبية لضرب المشروع الوحدوي العربي وكانت تتلقى الدعم من شاه إيران والكيان الصهيوني وهذا الأمر غير خاف على الناس فقد أشار الكاتب محمد الحوراني في كتابه الصادر عن مركز الراية للتنمية الفكرية والذي جاء تحت عنوان (التغلغل الإسرائيلي في العراق.. من الثورات الكردية إلى الحكومات الانتقالية) فقد أبحر الكاتب إلى البدايات الأولى للعلاقات الكردية الصهيونية قبل إنشاء ما يسمى إسرائيل حيث أرسلت الوكالة اليهودية مندوباً عنها في بغداد تحت غطاء العمل الصحفي واسمه روفين شيلوا أقام هذا المندوب علاقات مع الرموز الكردية عام 1931 لاسيما عائلة البرزاني ومنهم الملا مصطفى الذي يستعرض الكتاب دوره في التمرد منذ العام 1931 والدعم الصهيوني له كرد طبيعي على كون العراق لم يوقع على الهدنة مع الكيان الصهيوني عام 1948. يستشهد الكاتب بمقال طويل للصحفي الصهيوني اسحاق بن حورين نشر في 11/9/1987 في ملحق صحيفة معاريف تناول فيه العلاقة المتينة التي كانت تربط الملا مصطفى البرزاني بالصهاينة منذ وصوله إلى مطار اللد في فلسطين المحتلة عام 1968 وحتى وفاته بالسرطان عام 1979 وقد أعلن مناحيم بيغن صراحة عام 1980 أنه قدم الدعم للبرزاني طوال عشر سنوات أي منذ عام 1970 وللقارئ أن يتوقف عند هذا التاريخ ويسأل نفسه من كان يحكم العراق في هذه الفترة، وقد احتفل البرزاني بنكسة حزيران على طريقته الخاصة إذ أحضر كبشاً كبيراً وعلق على رقبته شريطاً أزرقاً وأبيضاً دلالة على العلم الصهيوني وكتب عليه هنئوا إسرائيل لاحتلالها جبل البيت ولم يُغفل الكتاب التعاون الثلاثي بين المخابرات الإيرانية في زمن الشاه والمخابرات الصهيونية والحركات الكردية والتي اكتسبت بعداً جديداً بعد المباحثات التي جرت في باريس 30 حزيران 1967 وتم الاتفاق بين السافاك والموساد عبر ما سمي حادثة اثينا على تأمين الدعم للأكراد - لقد أسهم الموساد في تأسيس جهاز المخابرات الكردية البارستن برئاسة مسعود البرزاني والذي ساعد الموساد في تأمين تهريب الطيار العراقي منير روفا إلى الكيان الصهيوني مستقلاً طائرته الميغ 21. إن رجال الموساد اشتركوا في التخطيط للمعارك وقيادة بعضها في شمال العراق ضد القوات العراقية وهم متنكرون بالملابس الكردية وقد استشهد المؤلف بعملية الكسندرا في آذار 1969 وعملية سد دوكان حين وضعت خطة بمساعدة الصهاينة لتدمير السد إلا أنها لم تنجح.

لقد لعب الصهاينة دور المحرض الأول للأمريكان لزعزعة الاستقرار في العراق واحتلاله وكانوا شركاء في التحضير للغزو لأسباب يقف في مقدمتها البعد التوراتي في الأيديولوجية الصهيونية لارتباطه بنص توراتي منسوب للرب يخاطب فيه إبراهيم الخليل عليه السلام يقول النص: لنسلِكَ أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات. وكان عدد من الحاخامات اليهود في الكيان الصهيوني قد نشروا مؤخراً فتوى دينية تنص على أن العراق جزء من أرض ما يسمى إسرائيل الكبرى. وطالب الجنود اليهود في القوات الأمريكية والبريطانية التي تقاتل في العراق أن يؤدوا الصلاة الخاصة في كل قطعة أرض غربي نهر الفرات وأفتى رجال دين يهود آخرون بأن على كل يهودي يشاهد بابل أن يتلو صلاة مبارك أنت ربنا ملك العالم لأنك دمرت بابل المجرمة وقد تحركت الاستخبارات الصهيونية بشكل مباشر في عملية اغتيال أصحاب العقول العراقية بعد أن فككت جميع الهياكل الصناعية وهذا الموضوع حذر منه جنرال فرنسي متقاعد في 8 نيسان 2003 حيث أكد أن عناصر من وحدات الكوماندوز الإسرائيلي دخلوا العراق بعد الاحتلال في مهمة تستهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا يعملون في برامج التسلح العراقية التي أرعبت الكيان الصهيوني لفترات طويلة وعددهم 3500 عالم بينهم 500 اشتغلوا في تطوير مختلف مختلف الأسلحة وقد نجح الموساد حتى 18/6/2005 بالاشتراك مع القوات الأميركية في قتل 350 عالماً وأكثر من 200 استاذ جامعي.

لقد أسست ما يسمى بالمعارضة العراقية في الخارج قبل الاحتلال علاقات مع الصهاينة ومن أبرز أقطابها أحمد الجلبي - انتفاض قنير - كنعان مكية وكانت رابطة الدفاع اليهودية وهي أقدم المنظمات الإرهابية الصهيونية - قد وجهت رسالة شكر إلى هؤلاء الأشخاص لما قدموه من خدمات جليلة للصهيونية واستمر هذا التعاون والتنسيق بعد الاحتلال وكانت هناك زيارات سرية إلى الكيان الصهيوني لعدد من الشخصيات السياسية منها جلال الطالباني ووفيق السامرائي ومثال الالوسي فضلاً عن المصافحة العلنية بين رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك إياد علاوي وبين وزير خارجية الكيان الصهيوني سلفان شالوم في إيطاليا.

ولابد من الإشارة إلى واضع دستور العراق البروفسور اليهودي نوح فيلدمان حيث مكث في العراق 4 أشهر والأدهى من ذلك فإن البرامج التعليمية العراقية بيد يهودي أميركي يدعى جون عوردانو ويستعرض المؤلف قائمة بأسماء بعض الشركات الصهيونية الكبرى التي تعمل في العراق ثم يختم الكتاب بسؤال هل يمسك الصهاينة بنفط العراق؟

فلم يكن الأمريكان وحدهم أصحاب المصلحة في السيطرة على نفط العراق واحتلال منابعه إنما شاركهم القادة الصهاينة خاصة وأنهم من يحقق لهم رغبتهم فقد تعهد أحمد الجلبي لواشنطن في حال توليه السلطة في العراق أن يحقق لهم أمرين هما: الاعتراف بالكيان الصهيوني وعقد معاهدة سلام معه وإعادة ضخ النفط العراقي عبر خطوط أنابيب الموصل - حيفا التي أغلقت منذ العام 1948 إثر النكبة.

هل بقي لنا بعد هذا العرض أن نسمي ما جرى ويجري على أرض الرافدين تحريراً وللقارئ أن يقارن بين ما ورد من محاور في مقالة الكاتب صلاح برواري وبين ما ذكرت وعليه أن يستخلص الرؤى السليمة من ذلك مع أنني لا أنكر على كاتب المقال مصداقيته في اعتبار الغزو الأميركي تحريراً فهو فعلاً كان تحريراً لاتباع أميركا ومنفذي مشروعهما في المنقطة من عقد الخوف والمصير المعروف لكل من خان الوطن والأمة وارتضى أن يكون أداة بيد الأعداء.. أما المقاومة التي أنكر كاتب المقال الاعتراف بها فهو أمر طبيعي فهو لا يريد أن يقر بحتمية الهزيمة المؤكدة للمشاريع العدوانية التي تستهدف الأمة العربية فمن يحب المشروع العربي حتماً سيرى في القوى الشريفة التي تقاتل العنجهية الأمريكية في العراق مقاومة وسيسعى لدعمها أما من يكره العرب فإنه حتماً سيجد نفسه في الخندق المعادي لتلك القوى وسيمني نفسه بالنصر عليها وهيهات ففي التاريخ عبر لمن يعتبر.