العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

تبرير الاحتلال ليس وجهة نظر...

زهير فياض
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

في عدد 22 أيار2007 وفي اطار "الملف العراقي"، نشرت "تحولات" مقالاً للكاتب والصحافي من "شمال العراق" صلاح برواري تحت عنوان" تحرير وليس احتلال". تضمن المقال جملة من الأفكار والآراء التي تدخل في سياق تبرير "الاحتلال الأجنبي" للعراق وتضعه في خانة "التحرير"، فقد اشتمل المقال على جملة من المغالطات "التاريخية" حول "ماهية المشروع القومي" وآفاق تطور هذا المشروع في المدى المنظور، كما اشتمل على قراءات خاطئة و"منحرفة" لما يجري الآن في العراق بشكل خاص. أيضاً، تحدث برواري عن ولادة التجربة "الليبرالية الديمقراطية" -كما سماها- وعن "المشروع السياسي الحضاري" الذي يتجسد -حسب رأيه- في "عراق ديمقراطي فدرالي تعددي موحد"، وأدهى ما تضمنه المقال نظرة برواري للمقاومة وخلطه "المتعمد" و"غير البريء" بين "المقاومة" و"الارهاب".

هذه بعض "الملاحظات" التي آثرت تسجيلها في الأساس، كي أساهم ودائماً -حسب رأيي المتواضع وغير الشمولي والديمقراطي الى أبعد الحدود- لتصحيح بعض الخلل في "المفاهيم القيمية" التي وان نجح أصحابها في تعميمها، لأدى ذلك الى ما هو أدهى وأخطر من "الاحتلال" و"الظلم" و"العدوان" نفسه الذي يقاسيه شعبنا في هذا الزمن الصعب.

يبدأ برواري مقاله بالاشارة "النجيبة" الى غياب "المشروع القومي" في العراق أيام صدام حسين الذي أوافقه بالكامل، فالمشروع القومي لا يمكن أن يترعرع في كنف نظام قام على القهر والظلم والقسوة والعبودية والاستبداد في حكم الشعب و"تأليه الفرد"، وزج العراق في حروب وصراعات مدمرة أنهكت قواه الشعبية، وأضعفت بنيانه الاجتماعي، وأفرغت العراق من الطاقات الحضارية الهائلة التي اكتنزها عبر التاريخ بدءاً من حرب الاستنزاف الطويلة مع ايران، وصولاً الى غزو الكويت وتداعيات هذا "الغزو المشؤوم" على الأمة بأسرها. كان المشروع القومي -ويبقى على الدوام- مشروعاً نهضوياً حضارياً تحررياً يقوم على "الوعي القومي" أولاً وعلى "الارادة القومية" ثانياً، لأن تزاوج "الوعي القومي" مع "الارادة الشعبية" يطلق قوة الأمة باتجاه الحرية والبناء والتقدم...

يعرض برواري في مقدمة مقاله رأيه في النظام السابق وممارساته وسلوكياته التي تتعارض في كل الأحوال مع مقتضيات بناء "المشروع القومي" وخاصةً عندما يشير، وبشيئ من "المرارة الظاهرة"، الى "ميثاق الوحدة بين العراق وسورية" الذي "وأده صدام حسين في مهده غداة استلامه السلطة في العراق"...

خلت وأنا أقرأ هذه "المقدمة القومية" أنني في حضرة "مفكر ومناضل قومي نهضوي من الطراز الرفيع" هاله ما أصاب شعبه من نظام ظالم أساء لكل قيم "الانتماء القومي" و"التضامن القومي" و"الوحدة القومية"، وهذه مسائل لا خلاف عليها، ولا بد أن يصدر في تقييمها حكم التاريخ في يوم من الأيام، غير أن المفاجأة كانت عندما أتحفنا الكاتب بعصارة ما توصل اليه في قراءته للواقع العراقي الراهن اذ أكد بما لا يقبل الشك "أن العراق يشهد الآن ولادة تجربة ليبرالية ديمقراطية ستخرجه من ظلامية الأصولية القومية" وهذا -لعمري- فتحٌ مبين في "الكشف" عن حقائق الصراع ولكن بالمقلوب.

عن أي تجربة ليبرالية ديمقراطية يتحدث الكاتب "الشمالي"؟ لعل الحصار، الذي تسبب بوفاة المئات من أطفال العراق على مدى عشرة أعوام، كان بمثابة المخاض العسير لولادة "هذه التجربة الليبرالية الديمقراطية" الفريدة من نوعها في عالم "الليبراليات الديمقراطية"، والذي سرَّع في ولادتها غزو "القابلة الأميركية" العسكري البربري لبلاد ما بين النهرين...

هل "الدم العراقي" الذي يسال يومياً في مدن وقرى ودساكر العراق هو أحد تعبيرات هذه "التجربة الليبرالية الديمقراطية" الفذة التي يتحدث عنها الكاتب؟

وفي مكان أخر من المقال، يعترف برواري بأنه -مع صحبه الديمقراطيين الجدد- لا يحمل مشروعاً قومياً، وهو لا يدعي ذلك في حال من الأحوال، ولكنه يزعم أنه يحمل "مشروعاً سياسياً حضارياً واضح المعالم" يتجسد في "بناء عراقي فدرالي تعددي موحد". هنا، لا بد من سؤال برواري: هل قرأت شيئاً عن الأهداف المعلنة للادارة الأميركية قبل وأثناء وبعد اجتياح العراق؟ هل قرأت شيئاً عما تسميه مراكز الأبحاث الأميركية نفسها "الفوضى الخلاقة" أو "الفوضى البناءة"؟ هل سمعت ما قاله المسؤولون الأميركيون أنفسهم أثناء غزوهم للعراق بأن الهدف هو"اعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأميركية"؟ هل قرأت عن النفط وأهميته الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية؟ وهل تعرف مدى تطابق سياسة الادارة الأميركية مع الكيان الصهيوني ومستوى الترابط القائم بينهما؟

ثم، ما هي ملامح هذا "العراق الفدرالي التعددي الموحد"؟ هل تقسيم العراق عبر توسل الفتنة الطائفية والمذهبية الشنيعة تارةً بين سنة وشيعة، وطوراً بين عرب وأكراد وأشوريين وغيرهم هي "صورة حضارية" للفدرالية والتعددية؟ ثم بعد قيام هكذا "عراق فدرالي تعددي" على قاعدة "الانقسام الطائفي والمذهبي المدمر"، أيصح أن نصفه بـ "العراق الموحد"؟ هل يدرك السيد برواري ما يقول؟

يضيف الكاتب أن "أميركا حررت العراق وأسقطت أعتى دكتاتورية شهدتها المنطقة بل وربما العالم في عصرنا الحديث"، ولكن مهلاً. هل يدرك برواري أن صديقته "أميركا" كانت من أكثر الدول التي دعمت -اذا لم يكن قيام فعلى الاقل استمرارية- تلك "الدكتاتورية المشؤومة" خاصةً أبان الحرب العراقية-الايرانية وعلى مدى ثمانية أعوام؟ أيعلم السيد برواري أن "الولايات المتحدة الأميركية" كانت على مدى عقود -أبان الحرب الباردة وبعدها- تدعم "نماذج دكتاتورية" كثيرة في هذا العالم المترامي الأطراف؟ ألا يكفي أن "أم الديمقراطيات" تدعم الدولة الثيوقراطية العنصرية (إسرائيل) التي قامت في قلب أمتنا أو كما يحب أصدقاء أميركا أن نسميها "منطقة الشرق الأوسط" تيمناً بـ "الشرق الأوسط الكبير" أو "الشرق الأوسط الجديد" الذي أعلنت كونداليزا رايس أن مخاض ولادته "العسيرة" بدأ مع انطلاقة حرب تموز 2006 على لبنان؟

اما فيما يتعلق بالمقاومة، لا يرى برواري مقاومة جدية وحقيقية في العراق لأنه لا يرى -في الأساس- أن هناك احتلال، فهذا منطقي جداً. كيف يمكن أن ترى مقاومة اذا كنت لا ترى احتلالاً؟ أما خلطه "المقاومة" ضد القوات العسكرية للاحتلال بالارهاب، فليعذرنا هنا الكاتب الفذ. هذا الخلط ليس بريئاً أو ساذجاً، فكل أطروحة "السياسة الأميركية" تقوم على المزج بين المقاومة الشريفة ضد الاحتلال وبين الارهاب، وهذا يهدف الى تشويه المقاومة وتبخيسها وتلويث صورتها... فالارهاب شيء -يا عزيزي- والمقاومة شيئ أخر...

ان قتل المدنيين الأبرياء يدخل في خانة الجريمة "ضد الانسانية" التي لا يقر بها دين أو شرع، ولا يحميها القانون المحلي او الدولي، أما المقاومة ضد المحتل فحقٌ تكفله كل المواثيق الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة، فكفى خلطاً ومزجاً وتعمية للحقائق.  

وفي مكان أخر، يقول الكاتب -في معرض تبريره لاجتياح العراق- أن "أميركا دخلت العراق بناءً على التزامات وقوانين ومواثيق دولية" وهذه المقولة تدحضها الوقائع المعروفة بأن "اجتياح العراق" لم يتم بناء على قرار من "مجلس الأمن الدولي" او بناءً على توصية من "المنظمة الدولية"، بل قامت على "فبركات" و"ادعاءات"حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل تم دحضها بالكامل أو كما يقال جملةً وتفصيلاً. من الواضح ان الكاتب لم يتابع وسائل الاعلام العربية والدولية بالرغم من أنه "صحافي مرموق"، أو لعله من مثقفي "الحرة" أو غيرها من الفضائيات المدافعة عن "الحقيقة" ضمن منطقة يلفها "الباطل" في غيِّه...

يخلص الكاتب الى القول أن "الحل الوحيد العقلاني والمنطقي لمشاكل العراق يكمن في مناقشة وحل الملف الوطني العراقي من خلال المصلحة الوطنية العامة، والوحدة الوطنية العراقية الحقيقية"، وهذه الخلاصة تفترض في برواري نفسه أن يعيد النظر بالكثير من بنات "افكاره"، ويعلم "أن تبرير الاحتلال لا يمكن في حال من الأحوال أن يساوي وجهة نظر".

زهير فياض