العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

من العراق الى كراكاس

اميركا اللاتينية والعالم العربي في مواجهة الامبريالية
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

قد يتساءل البعض: كيف يكون للمقاومة العراقية تأثير على ما يجري في اميركا اللاتينية الواقعة في الجزء الآخر من كوكب الأرض؟ وما هي التأثيرات المتبادلة بين قضية أميركا اللاتينية وحركة التحرر العربي، وما هي أوجه التلاقي بين الساحتين المتباعدتين جغرافياً؟ وهل يدرك المقاومون العرب أهمية الاستفادة من التحولات في اميركا اللاتينية واقامة التحالفات مع قواها الثورية الواعدة؟ وهل يشهد العالم بداية انتفاضة عالمية تخوضها شعوب العالم الثالث ضد الهيمنة الامبريالية؟

تشافيز في قلوب المقاومين العرب :

في احتفال عيد انتصار المقاومة، في الضاحية الجنوبية لبيروت عقب عدوان تموز 2006، ارتفعت صورة الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز بارزة امام مئات الآلاف من المحتشدين، وفي كلمته، حيّا قائد المقاومة السيد حسن نصر الله تشافيز شاكراً موقفه الشجاع إبان العدوان الاسرائيلي واعلنه صديقا كريماً. ابان العدوان تردد في الصحافة وكلام الشارع ان تشافيز هو "أحسن رئيس عربي" كونه وقف ضد العدوان الاسرائيلي وهاجم الولايات المتحدة ناعتا الرئيس جورج بوش بـ "المجرم الاكبر الذي يجب محاكمته "، ووصل به الامر الى حد التهديد بطرد السفير الاسرائيلي. هذا في حين ان انظمة عربية عديدة وقفت متفرجة وبعضها حمَّلت المقاومة مسؤولية ما يحصل، ولم تتجرأ تلك التي تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل على القيام بأي عمل ولو تهديداً. هنا اكتسب تشافيز قيمته عبر موقف مشرف فتح بعداً عالمياً يساهم في مسيرة تضامن الشعوب التائقة للتحرر، وقد يكون -أيضاً- حرك شعوب ونخب عديدة في العالم لترفع صوتها.

اميركا اللاتينية والعدوان على العراق :

 

عند بداية العدوان الاميركي على العراق، حبست معظم دول العالم الثالث انفاسها، اذ شعرت ان كل دولة منها يمكن ان تكون عراقاً آخر في أي وقت تريد الولايات المتحدة اجتياحها، رغم كل التشريعات الدولية والمواثيق وتحت ذرائع مختلفة وحاضرة، ومسوقة، فأفغانستان تم اجتياحها تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، والعراق بحجة امتلاك اسلحة الدمار الشامل.

بالنسبة لاميركا اللاتينية، ان ذرائع الولايات المتحدة معروفة ومهيئة لاستعمالها في اية لحظة، منها مكافحة المخدرات، وحماية اسس الديموقراطية والحرية. من هنا، شعرت اميركا اللاتينية بأنها مهددة لان تكون في يوم من الأيام عراقا جديداً. وفي ظل الصمت الذي خيم على العالم الثالث في بداية الحرب على العراق، وقف هوغو تشافيز يندد بالعدوان ويهاجم جورج بوش لحد وصفه بمجرم حرب. هذا الموقف الشجاع، اعتبره بعض ادعياء الواقعية في اميركا اللاتينية متهورا، واستغل اعداء تشافيز هذا الامر لمهاجمته وهو الذي استطاع ان يهزم كل محاولات واشنطن لاسقاطه عبر انقلاب عسكري وتظاهرات، ولكنه خرج منتصراً عبر الاحتضان الشعبي في الداخل الفنزويلي.

 

لم تمض شهور على سقوط بغداد حتى بدأت بوادر المأزق الاميركي، اذ تصاعدت عمليات المقاومة فأغرقت الاندفاعة الاميركية في وحول الرافدين. ان المقاومة اخذت تحول الانتصار الاميركي الى هزائم متراكمة، بالاضافة الى انكشاف الكذبة الاميركية وفضائحها في ابو غريب وجرائمها الوحشية. نتيجة ذلك، بدأ التحالف الذي اعدته الولايات المتحدة في الاجتياح يتصدع بانسحاب عدة دول منه. كلما تفاقمت الخسائر الاميركية وتعثرت سياساتها، ظهرت اصوات جديدة منددة في العالم، حتى وصل الامر الى ارتفاع هذه الاصوات في قلب الولايات المتحدة نفسها تندد بسياسات المحافظين الجدد وحرب العراق. كل هذا ترافق مع حجم الخسائر الاميركية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. وكلما تعمق المأزق الاميركي ارتاحت شعوب العالم الثالث واندفعت حركات التحرر فيها، واميركا اللاتينية هي المعْلم الأبرز لذلك.

 

ان التوق الاميركي اللاتيني للتحرر والوحدة والعدل اخذ طريقه بقوة واصبح تشافيز الشجاع رمزاً لهذه الاندفاعة ذات الجذور التاريخية، من بوليفر وميرندا وسان مارتين، الذين قادوا حركات الاستقلال في القرن التاسع عشر وحلموا بأميركا حرة وموحدة. هذه الحركة الجديدة، حملت الى جانب مهمة التحرر الوطني والوحدة، مضموناً اجتماعياً يعمل لتحقيق عدالة اجتماعية (اشتراكية القرن الواحد والعشرين حسب تشافيز)، فالحركة اليسارية في اميركا اللاتينية بدأت تحقق انتصارات باهرة، لتشمل اليوم ثلاثة ارباع القارة واعدة في المستقبل القريب بتحقيق انجازات تاريخية كبرى وذات تأثير عالمي كبير.

 

ان هذه الحركة تحدد الاهداف التالية :

1. توحيد اميركا اللاتينية واقامة جبهة سياسية اقتصادية شاملة؛

2. تحقيق العدالة الاجتماعية عبر تطبيق الاشتراكية؛

3. رفض النيوليبرالية المتوحشة واقامة الاقتصاد الاجتماعي؛

4. التعاون مع مختلف المحاور الاقتصادية العالمية على اساس المصالح الوطنية والخروج من احتكار الولايات المتحدة وهيمنتها الاحادية في شؤون القارة.

 

دأبت الولايات المتحدة في الماضي، وعلى مدى قرن ونصف، على الوقوف بالمرصاد حيال محاولات تحقيق هذه المبادئ. تارة تستعمل الانقلابات العسكرية وتمول ثورات، وأحيانا كثيرة تلجأ الى التدخل العسكري المباشر، والامثلة على ذلك كثيرة من غواتيمالا، والدومينيك، والمكسيك، وبانما، وكوبا، وغرنادا، الى تمويل وتدريب الكونترا في نيكاراغوا، والسلفادور، ومساندتها لبريطانيا ضد الارجنتين في حرب جزر المالوين.

 

اما اليوم، وبسبب مأزقها في العراق، إن الولايات المتحدة تجد نفسها عاجزة عن استعمال ذراعها العسكري والقيام بمغامرات جديدة. محنة العراق اخذت تعصف في الداخل الاميركي مما ساهم في تعطيل ولجم المحاولات العسكرية الجديدة. وهذا الامر ساعد في فتح الباب واسعا امام سرعة التحولات الكبرى في اميركا اللاتينية. والمراقب يرى ان -في هذه السنوات الثلاث الأخيرة- قوى التغيير تمكنت من تحقيق الكثير من الانتصارات:

1. في فنزويلا ترسخت قيادة هوغو تشافيز الذي تمكن من احباط محاولات الادارة الاميركية للاطاحة به، واندفع باتجاه تحول اشتراكي ينسف ما تبقى من آثار السياسات النيوليبرالية. وقد اسفرت الانتخابات التي جرت في اواخر العام الماضي عن فوزه الساحق بنسبة تتعدى 62%؛

2. في البرازيل اعيد انتخاب اليساري لولا دا سيلفا بنسبة عالية؛

3. في الارجنتين وتشيلي انتصر اليسار المعارض للنيوليبرالية؛

4. كان لانتصار الرئيس الجديد في بوليفيا، ايفو موراليس، وقع الصاعقة على واشنطن، كونه حليف تشافيز وكاسترو، ومناضل يساري متطرف بنظرها. قام موراليس مباشرة بتأميم الصناعات النفطية والغاز، التي كانت في قبضة الاحتكارات الاميركية الظالمة، فبوليفيا لم تنل سوى النذر اليسير في ابشع عملية استغلال لهذا البلد الفقير.

5. في الاكوادور فاز المرشح ذو التوجهات الاشتراكية كوريَّا، وفي نيكاراغوا عاد القائد الثوري السانديني مانويل اورتيغا رئيساً في انتخابات الصيف الماضي.

6. انطلق مشروع التعاون الاميركي اللاتيني عبر اقامة اتفاقات محاور اقتصادية وتعاون على مدى القارة الجنوبية (ميكروسور)، مقابل فشل معاهدة التعاون للاميركيتين، التي تهيمن عليها السياسات الاميركية النيوليبرالية. وفي مؤتمر مار دي لابلاتا الذي عقد اواخر 2005، اعلن تشافيز موت المعاهدة ووجوب القيام بدفنها.

7. تقدمت مسيرة التحرر من احتكار الولايات المتحدة، عبر اقامة علاقات تجارية واقتصادية واسعة مع اوروبا، والصين، واليابان، كما ان بعض الدول كسرت الاحتكار الاميركي لسوق السلاح حيث قام تشافيز بعقد صفقات شراء لأسلحة روسية وصينية، بالاضافة الى اقامة تعاون مع ايران في المجالات النفطية وغيرها.

8. عادت كوبا الى حضن العائلة اللاتينية بعدما تم عزلها بواسطة ضغوط واشنطن لمدة اربعة عقود.

 

سياسات واشنطن ومأزقها بين العالم العربي واميركا اللاتينية :

 

ان مأزق الولايات المتحدة في العراق وسائر منطقة الشرق الاوسط، وصولا الى أفغانستان، يتقاطع مع المأزق في اميركا اللاتينية. كلتا المنطقتين يراد لهما ان يكونا تحت النفوذ الاميركي ومجالا لاحتكاراتهم. تعتبر واشنطن أميركا اللاتينية حديقتها الخلفية. اما منطقتنا العربية فهي بنظرهم حيوية لجهة الاستثمارات النفطية والاهمية الاستراتيجية والاقتصادية، والتي تبغي من خلالها التحكم باقتصاد العالم. وفي كلتا المنطقتين تسعى واشنطن للسيطرة التامة، فلا تتورع عن استخدام القوة العسكرية من اجل تحقيق أهدافها، وما اندفاعاتها العسكرية في الماضي والحاضر سوى اكبر دليل على ذلك.

 

ان الهجمة العسكرية واحتلال العراق بذرائع كاذبة كان يراد منها السيطرة ورسم خريطة شرق اوسط جديد، يؤسس للهيمنة المطلقة للولايات المتحدة على موارد العالم الحيوية، ويرهِّب الشعوب المظلومة ويحبط احلامها في الافلات من قبضة الامبريالية. لكن حساب الحقل لم يأت متساوياً مع حساب البيدر، فالانتصار الذي ارادته اميركا منطلقا للسيطرة عبر العراق، تحول الى هزيمة، باعتراف معظم المحللين والمفكرين والساسة الاميركيين، واصبح العراق كابوس الادارة الاميركية.

 

بداية الغزو، كانت دوائر واشنطن تتحدث عن عملية عسكرية ترسم معالم شرق اوسط جديد، ديموقراطي، نيوليبرالي، تتغير فيه دول وانظمة وثقافات، ليدور الحديث -اليوم وبعد ثلاث سنوات- حول اسباب الفشل وكيفية الخروج من المستنقع العراقي. هذا التغيير حصل نتيجة الخسائر الاقتصادية والسياسية والعسكرية، والسقوط الاخلاقي بإنكشاف الادارة الاميركية امام شعوب العالم، كاذبة، بربرية، معتدية. من هنا تحول المأزق العراقي الى اولوية داخلية في المجتمع الاميركي تحكمت بنتائج انتخابات الكونجرس عام 2006 وسببت خسارة الجمهوريين، فادارة بوش خسرت التأييد الشعبي لها وانحدرت الى اقل من 30%.

 

من الواضح ان محنة الولايات المتحدة في العراق جلبت نعمة على شعوب اميركا اللاتينية، فعجز واشنطن عن القيام بأية مغامرة عسكرية جديدة بسبب مأزقها العراقي والداخلي، اتاح الفرصة لتعميق التحولات الأساسية في مسيرة اميركا اللاتينية واندفاعاتها نحو التحرر.

 

ان محاولات واشنطن الاطاحة بالانظمة المعاندة بالوسائل السياسية والاقتصادية والاعلامية قد باءت بالفشل، وآخرها كان محاولة اسقاط تشافيز عبر انقلاب عسكري وتظاهرات خرج منها الرئيس الفنزويلي اكثر قوة بالتأييد الشعبي الواسع لنهجه، كما ان انصار واشنطن يتراجعون باستمرار امام كل استحقاق انتخابي في البلدان اللاتينية، فالضغوط السياسية والاقتصادية لم تعد ذات جدوى في مواجهة المجموعة اليسارية التي سارت تشكل ثلاث ارباع القارة الجنوبية. لم يعد ممكناً لواشنطن استفراد اية دولة او عزلها. كما ان الحملات الاعلامية فشلت في اعادة تلميع صورة الولايات المتحدة وتسويق سياساتها. ان معظم شعوب القارة، تدرك ان سياسات واشنطن وحلفائها قد جلبت الويل لهم بما يعانونه من فقر وظلم اجتماعي، الى جانب المديونية الهائلة التي يرزحون تحت اعبائها.

 

ان عملية التحرر في اميركا اللاتينية قد تعمقت لتصبح ثقافة في مختلف جوانبها الفنية، والفكرية، والدينية، فهي تنشد العدالة الاجتماعية ورفع الظلم والهيمنة والقهر. وتقوم الكنيسة الشعبية بدور بارز في الاطار الاجتماعي والديني، وتساهم في بعث فهم جديد للمسيح على اساس انه ليس مجرد ملك مقدس يتعاطف مع الفقراء، بل هو فقير يناضل الى جانب اخوته المظلومين. المتجول في احياء مدن اميركا اللاتينية الفقيرة، يلاحظ أهمية الكنائس الشعبية البسيطة، كظاهرة تبشر بتحولات كبرى تطال جوهر النظرة الدينية ودورها الملتزم في الكفاح ضد الظلم. لا عجب ان يعلن تشافيز انه بصدد العمل لقيام اشتراكية ماركسية- لينينية.

 

نحن واميركا اللاتينية :

 

ان شعوبنا وشعوب اميركا اللاتينية تواجه عدواً واحداً هو الامبريالية المتوحشة، التي تقودها الادارة الاميركية عبر سياساتها النيوليبرالية، وجموحها للسيطرة على الموارد ونهب الخيرات، ومنع الامم العربية واللاتينية من النهوض والتوحد. ولكي تواجه شعوبنا واممنا هذه الامبريالية العالمية القوية، فان عليها ان تتوحد لتشكل جبهة واسعة تضم كل الشعوب التائقة لكسر نير العبودية، وسلوك طريق النهضة والتقدم والعدالة. العالم صار اليوم ساحة صراع متفاعلة، وكل جزء منه يؤثر ويتأثر ببقية الاجزاء. لقد ادركت بعض قيادات اميركا اللاتينية هذا الامر ونهجت باتجاه الانفتاح على عالمنا العربي ودعم نضالات شعوبه، وتشافيز كان اكبر تعبير عن ذلك. كما مدت البرازيل يدها باتجاه العالم العربي عبر مؤتمر التعاون العربي-البرازيلي الذي اقيم في عاصمة البرازيل عام 2005.

 

ان آفاق التعاون العربي-اللاتيني واسعة جداً وتطال مختلف المجالات العلمية والصناعية والزراعية والنفطية، الى جانب آفاق استثمارات واسعة في مجالات التنمية والتجارة لمصلحة الطرفين يفتح اسواقاً واسعة لا تخضع لإملآت الامبريالية، بل تساعد في كسر قيود التبعية للمراكز الاستعمارية.

من المهم جداً ادراك اهمية الجاليات العربية في مختلف بلدان اميركا اللاتينية، والتي تقدر بـ 15 مليون من أصول لبنانية وسورية وفلسطينية. هذه الجاليات متجذرة في نسيج المجتمعات، وقلما توجد منطقة او مدينة لاتينية ليس فيها جالية عربية فاعلة. هذه الجاليات يمكن ان تلعب دوراً بارزاً كجسر تعاون وتواصل بين شعوب وامم المنطقتين.

هل تدرك شعوبنا وقياداتنا ان معارك التحرر من الظلم الامبريالي تتطلب جبهة عالمية واسعة لكل الشعوب المظلومة والتائقة للتحرر والعدل؟

قد يكون المطلوب في هذه المرحلة نداء يقول: ايها المظلومون في العالم اتحدوا...

 

د. غالب نور الدين