العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

الدين والإيديولوجيا جدلية الإتصال والإنفصال

محمود حيدر
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

لا نقصد الكلام على صلة بين شيئين حين يجري الكلام على الإيديولوجيا والدين. إذ غالباً ما يتناهى إلى الفهم، وكأن التقابل بينهما يدل على ضربٍ من الاستقلال. فالحقيقة هي أن تقابل الإيديولوجيا والدين يفترض الجمع والوحدة، ولا يقوم على الإثنينية والفرقة. حتى ليغدو، ما يُظن أنه ثنائية، أمراً واحداً في الواقع. هذا لا يعني أن الدين في ذاته يعادل الإيديولوجيا، أو أنه هو نفسه إيديولوجيا. ولجلاء اللَّبس، سوف نسعى لنعثر على ما نسميه بـ "جغرافية تفكير" نتبيَّن منها، وفي ضوئها، مدارج المعنى، قبل، وبعد، وعند الالتقاء، بين الإيديولوجيا والدين.

تُظهر المعاينة أنه منذ اللحظة الأولى التي يلتقي فيها الدين بالأيديولوجيا، تُمحَى الثنائية. فلا الدين يبقى مجَّرد نصٍ متعالٍ على الزمن، ولا الإيديولوجيا تظل محض تصورات في الذهن. إزاء لحظة الإلتقاء تلك، نجدنا أمام مشهد يظهر الدين فيه على صورة حادث تاريخي، اتخذ لنفسه لوناً ولغة وثقافة بعدما تحيَّز في جغرافيته الحضارية. وفي هذه الحال، سوف يستوي الكلام على الدين والإيديولوجيا تحت عناوين إدماجية من قبيل: "إيديولوجيا دينية" حيناً، أو "تديُّن إيديولوجي" حيناً آخر، أو غالباً ما يظهر عن طريق السؤال الشائع: لماذا وكيف وضمن أي شروط يتحول الدين إلى إيديولوجيا؟

لنقل إننا الآن في لحظة الالتقاء الفعلي بين الدين بوصفه نظام اتصال الإنسان بالإنسان، والإنسان بالله، وبين الإيديولوجيا بوصفها فَهْماً، وإعادة فَهْمٍ وتفسير لذلك النظام. حالئذٍ، لن تنفصل الإيديولوجيا عن الدين وهي تقيم معه في مسكن واحد. ذلك أنها ستأخذ منه، ويأخذ منها، وكلٌ بمقدار، ضمن حقل فسيح من التفاعل، والاختبار، والمعاينة. ذاك أمرٌ كثيراً ما ينجلي بوضوح، من خلال الممارسة التي يخوضها الفاعل الإيديولوجي. عنينا به: المتدّين الذي مضى آمناً الى ممارسة زمنه الديني، فظهرت لنا أحواله إثر إذٍ على ثلاثة :

- حالُ من يبتغي لدينه حقَّانية الحضور والقيومية بوصفه الصراط المستقيم.

- وحال من يرى إلى ما يعتقد به ويؤمن، على نصاب الاعتدال والوسطية، فلا يقيم الحد على من هو من غير أهله.

- وحال من يمضي إلى فَهْمِ دينه على مبدأ تعدّدية السبل الى الله. كأنْ يرى أن الخلاص أو النجاة متاحٌ لكل انسان أياً كانت الشريعة التي يلتزمها في فضاء التوحيد. في يقينه انّ الدين واحدٌ والشرائع كثيرة، فينظر صاحب هذا الفهم إلى الأديان كظهورات تاريخية للتجلي الإلهي، وينشئ لغته الدينية على الاجتماع الرحماني بين الناس، مهما اختلفت مذاهبهم، وأعراقهم، وطرق إيمانهم.

وأياً يكن السبيل الذي يتخذه المتديِّن، سواء كان فرداً أم جماعة، فما يفعله هو أنه في تَدَيُّنهِ إنما يختبر فَهْمَهُ وطريقَته وتالياً، منظومَته الإيديولوجية. 

ما سر هذه الإيديولوجيا التي أطلقت فاعِلَها، فراح يمارس ببراعة تجربته الملحمية بالوتيرة نفسها حيال المقدس كما في الزمان البشري؟

لن نمضي بعيداً في التعريف. لكن الاقتراب من الإيديولوجيا عن طريق التوصيف، يبدو ذا جدوى. لاسيما ونحن هنا في مجال معاينة الإيديولوجيا ضمن صلتها بالدين، أو مع حلولها في التجربة الدينية.

لو قُيِّض لنا أن نرى إلى الإيديولوجيا "كشجرة فلسفية"، لوجدنا أنها طريقة تنشغل عادة بممارسة الأفكار. أو أنها، كما يقال، طريقة شغلٍ فكري في هندسة ربط الأفكار المُحدِثة للأشياء، بالأشياء المُحدِثة للأفكار. أما مجال عملها، فيمكث على خط العلاقة الذي يصل الفكر بالحادث؛ والحادث بالأفكار التي يُعادُ صنعها، ثمّ تظهيرها على نشأة واحدة ومتناسبة. أما خط العلاقة البَيْنيِةَّ، فقد يشتدُّ ويرتخي، وينقبض وينبسط، داخل حركة تتفاعل فيها الإرادة المنتِجة للفكر، بإرادة الموضوع الذي تقصده الفكرة لتحدث فيه تغييراً ما. يتحصَّل من ذلك التفاعل، خروج الظاهرة الإيديولوجية إلى ميدان الحركة والانسياب.

مع ذلك، يصعب فهم معنى الإيديولوجيا بمنأى عن مجالات الاستعمال السارية في أحياز التداول والتبادل والإختبار.

كان فيلسوف التأويل الألماني فيتغنشتين يردد هذه الكلمات: "لا تسأل عن المعنى، اسأل عن الاستعمال". هو في ذلك يسعى إلى انتزاع المعنى عن طريق التجربة. فلا معنى يقوم في ذاته، فلا بد إذاً من مرجَّح يعطي لماهية الشيء صورته وهويته ومعناه. وبالتالي فلا قيمة لأي معنى ما لم يتعيّن بجسد، وصورة، وما لم يرتدِ لبوسه، ويأخذ لونه في عالم الإمكان. إن معنى الإيديولوجيا بهذه الدّالة يمكث في حدوثها، وفي إجراءاتها داخل حقول الاختبار. عبر التجربة تستظهر الكلمات معناها، حيث تغدو تلك الكلمات في مجال التحقّق كينونة ضاجّة بالحركة. في اللحظة التي تستحيل فيها مقاصد الكلمات بادية للعيان ومتحركة في الواقع، فإنها تروح تخلع رداءَها القديم وحروفَها المنصرمة. ثم ليقوم بعدئذٍ أولئك الذين تلقوها سمعاً وطاعة، بإلباسها حروفاً جديدة، وألواناً أخرى. فالفكرة ما إن "تتمأسس" حتى تفقد الحيوية اللاّزمة للطور الجديد الذي حلّت فيه. وعندئذٍ لا يملك أصحابها إلا أن يعيدوا تشكيلها وفق هندسة مختلفة من الحروف، والكلمات، والنَبَرات، تناسب أحوالها، وظروفها التالية.

الدين ثابت .. الإيديولوجيا متحوِّلة

لا تهتم الإيديولوجيا بالتوصيف. هي ان فعلت ووصّفت المشهد، فسترى نفسها وضدها في آن. وذلك محال ولا يتفق وطبعها. لذا، فهي تؤثر اجتناب الرؤية الدائرية للزمان والمكان الذي تعمل فيه، لئلا يلتبس عليها الأمر وتقع في الاضطراب. ولو حصل ووقعت في مثل هذا المحظور، فقد تستغرق في سوء الرؤية، فيلتبس الخطاب، ولا تعود العمارة الإيديولوجية تملك ضبط توترها الداخلي، أو صون حياضها المقدس من استباحة الخارج.

إذاً، تأخذ الإيديولوجيا معناها من نسبتها إلى قضاياها وحقول عملها. وهي الحقول والقضايا التي تتعدد بتعدد حراك الناس في أمكنتهم، وفي تقلبات الزمن. ربما على هذا التأسيس يمكن فتح الباب على إشكال معرفي هو في غاية المشقة والراهنية. عنينا به إدراك حدود الوصل والفصل ضمن عمليات التحويل، والتوظيف بين الدين والإيديولوجيا. ولو عرضنا القضية على معيارية الثبات والتحول فسنرى كيف يستوي الدين على أرض الثابت، والإيديولوجيا على أرض المتحوِّل. الدين آمنٌ في عليائه المقدسة، يتقدم نحو الناس بواسطة الكلمات. يفيض عليهم بصمت. فلا يكلمهم الا اذا كلّموه. وإذا كلّموه أجاب بقدر سعة فهمهم له. وكذلك بمقدار ما يتوقعونه منه من التسديد والتأييد والمؤازرة. الفاعل الإيديولوجي، هو الذي يخلع على الدين بعده التوظيفي فيما هو يمارس تديّنه الاجتماعي والسياسي والثقافي والحضاري. إنّ مهمة الفاعل الإيديولوجي، سواء أكان فرداً أم جماعة، تتحدد من خلال إكساب ما يعتقد به أنه حق، شرعية تاريخية، تؤكد له هويته من جهة، وتمنحه الأدوات المادية، أو اللاّمادية، للدفاع عن تلك الهوية من جهة اخرى. سيبدو لنا حالئذٍ وكأن لكل متديِِّن "دينُهُ الخاص" يعرب عنه بخطاب معين. دينٌ ثقافي يتشكَّل وفقاً لشرائط الجغرافيا الدينية وأزمنتها، وكذلك تبعاً لتطورات الصدام، أو الحوار، مع الغير والمختلف. يجري ذلك سواء في الحقل الداخل الديني، أو في ما يتعداه إلى ما يتحرك خارج الدين.

على هذه السَّيْريَّة يتَّحِدُ الدين بالإيديولوجيا عبر مقاصد الناس أفراداً أو مجموعات. وبعد هذا، سوف نتحول الى طور آخر شديد الالتباس والغموض، لكنه طورٌ لا يعود فيه الدين مجرد إيمان متسامٍ بعدما حلّ في أزمنة الناس ومطارحهم. بالمقابل، لا تعود الإيديولوجيا في هذا الطور مجرد ماهية من دون جسد ينمو، ويضج، ويفعل، وينفعل.

في هذا الطور أيضاً لا يعود الدين، بما هو دين، حاضراً إلاّ في النص. أي في المقدس الذي يعلن عن نفسه بكلمات الوحي، وكذلك عبر المنقول على أَلْسِنة الرسل والأنبياء من حَمَلة الوحي. غير أن النص الذي تصوّره البعض صامتاً، لا يفتأ حتى يغادر صَمْتَه في اللحظة التي يحلّ فيها على الزمن البشري، حيث يروح الناس يُسائلونه، ويبحثون فيه عما يتوقعونه منه. إنه (أي النص)، يتكلم بالواسطة، على ما يقول هؤلاء، بحيث يبقى المقدس واحداً في ذاته، لكنه يتكثّر، ويتعَّدد، ويتنوَّع، بحسب كل تفسير يُقبل عليه؛ إمّا ليتخذه سبيلاً إلى النجاة، أو ليسائله على سبيل التعرُّف والاستقراء.

 

التفسير كمعادل للإيديولوجيا

مع التفسير الذي هو عملية استنطاق بشري للنص الإلهي يُستهل السَفَرُ الإيديولوجي. وعند هذا المنعطف يروح المفسِّرُ يلقي أظلَّته القدسية على كلامه الخاص. إنه يواصل مهمته من دون رقيب. بل هو في الغالب من يتولى مراقبة نفسه. ولأنه يتعامل مع مقدس بقصد إنتاج معارف تسدّد أفهام الناس، فهو على يقين من أن ما ينتجه، هو سليل المقدس إيّاه. بهذا يغدو التفسير مولوداً شرعياً للمقدس. فهو إذاً، كوالدِهِ يحمل سَمْتَهُ، وصِفَتَهُ، وسلطته المعنوية. ها هنا ينتقل الدين من طور كونه نصَّاً ساكناً، صامتاً، ليتحوّل إلى ظهور متحرك وحاكٍ، وسيّال في الزمن البشري. أي أنه أصبح بالتفسير وطرائق الفَهْمِ المتعدد، معرفة دينية. هذه المعرفة هي حصيلة تفاعل بين المتكلم الديني، والنصوص الدينية. ولما كانت الشريعة صامتة، ولا تتكلم إلا إذا كلّّمها الناس منتظرين أجوبتها -كما يبين بعض العلماء- فإنها لا تُفهم إلا إذا أدخلوها في حنايا عقولهم، وأسكنوها مطارح تفكيرهم. لكن الأسئلة التي تطرح على الشريعة ليست واحدة. فهي متعددة بتعدد مستويات السائلين، المعرفية والعلمية والاجتماعية، ولذلك فإنهم يفهمون إجابات الشريعة تبعاً لتلك المستويات. فالشريعة، كما أشرنا، لا تخاطب الجميع بالطريقة نفسها، ولا تجيب عن أسئلتهم إلاّ بقدر ما تتسع أفهامهم لأجوبتها.

وخلافاً للدين بما هو وحي الهي، فإن المعرفة الدينية مستنتجٌ بشري لديها جميع العلاقات والصفات البشرية. أي أن منشأ وحراك تلك المعرفة، بشريٌ وليس وحياً. وأن تطورها تدريجي، وهي تثير الخصومات، وتحتمل الظن واليقين، كما تحتاج باستمرار إلى التنسيق والتنظيم والنقد. وهي أيضاً في وئام وخصام مع فنون المعرفة الأخرى. وهي كذلك على تقدم وتراجع مستمرين تاريخياً، كما تتضمن القوة والضعف، والاضطراب والصفاء، والصواب والخطأ.

جرّاء هذه السيْريَّة، يبرز في ساحة المعرفة الدينية كثير من المفكرين والمجدّدين والإحيائيين والمصلحين، وكل منهم ينشئ معرفته بحسب نصيبه من علوم العصر ومعارفه، وايضاً من مدى اهتمامه بالمشكلات الخارجية، والقيمة التي يوليها لأركان الشريعة وأصولها المتنوعة، ثم يمضي ليقرأها على نحوه الخاص، ثم ليكسو جسدها بثوب آخر، ومادتها بصورة جديدة.

ربّما لهذا ميّز العلماء بين الدين والمعرفة الدينية. وقد جرى ذلك في الغالب، على قاعدة علمية معاصرة قوامها: "أن كل نظرية إبستمولوجية واقعية تقرر التمييز بين الشيء وبين العلم بالشيء".

أما عن حدود هذا التمييز، وكيف عرَّف هؤلاء نقاط الاتصال والانفصال بين الدين والمعرفة الدينية، فثمة قول إضافي:

بحسب طائفة من التحديدات الإبستمولوجية، يصبح الدين عبارة عن مجموعة من الأركان والأصول والفروع المنزّلة على النبي، إضافة إلى سِيَرِ الأولياء وسُنَنهِم. أما المعرفة الدينية، فهي فَهْمُ الناس المنهجي والمحدود للشريعة. ولهذه المعرفة كما لغيرها من المعارف في مقام التحقق، هوية اجتماعية جارية في التاريخ. ذلك أنها داخلة في الزمان والمكان من خلال نشاط الأتباع والأنصار الذين اتَّخذوها كطريقة لفهم الشريعة، حيث يدافعون بقوة عن حياض هذا الفهم، كما لو كانوا يدافعون عن الشريعة نفسها.

وعلى النحو إيَّاه فإن المعرفة الدينية
-  بحسب عدد من المفكرين المسلمين المعاصرين- هي جهد إنساني لفهم الشريعة، وأما الشريعة الخالصة -بالنسبة إلى أصحاب هذه الرؤية- فلا وجود لها إلا لدى المشرِّع الواحد الأحد.

إنّ هذا التمييز بين الدين وفهم الدين سوف يفضي الى إقامة المعرفة الدينية التي ينتجها الفقهاء والدعاة، في الغالب، على صفة كونها المعادل المنطقي للإيديولوجي. فإنها تستوي إلى جانب الإيديولوجيا على المدّعى نفسه، أي على آليات الاشتغال نفسها. وبهذا تكون الإيديولوجيا بالنسبة إلى النص الديني التأسيسي معرفة دينية من الدرجة الأولى. ذلك لكون مهمتها تفسير، وتأويل، وإعادة إنتاج الأفهام المطلوبة للنص المؤسِّس. ولأنها بهذه الصفة، فقد تصل في بعض الأحيان إلى اعتبار نفسها حارسة القول الإلهي. إنّه القول المقدس والمتعالي نفسه الذي سيصبح مع الزمن قولَها هي بالذات، بعدما ادَّعت الإحاطة به عبر تفسيرها له تفسيراً قطعياً لا شائبة فيه.

في النتيجة، تصبح الإيديولوجيا الدينية اقرب الى اعتبارها "ديناً" من الدرجة الثانية؛ بل أحياناً يجري التعامل معها كشريعة كاملة، وإن لم تظهر إلى العلن بخطاب صريح. ذلك ما أسَّس له مفكرون، وفقهاء، ومتكلمون معاصرون وغير معاصرين، عندما حجبوا العلامات الفارقة بين الدين والفكر الديني. ولقد افلحوا في هذا بقطع النظر عن حسن النية أو سوئها. إذ مثلما للدين رؤية كونية، كذلك تنطوي الإيديولوجيا الدينية على الرؤية نفسها. وهو ما لاحظه عالم الأنثربولوجيا المعروف "كلايفور جيرتس" عندما وصف الإيديولوجيا بأنها "الخارطة الفكرية للكون"...

هكذا تكتسب الإيديولوجيا الدينية، أو التديُّن الإيديولوجي، الصفات إيَّاها لا سيما منها ما يظهر كصفات مشتركة تتفاعل بقوة على أرض التجربة التاريخية. تسري هذه الصفات على إيديولوجيات الأديان الوحيانية وغير الوحيانية على السواء، مثلما تسري على منظومات فكرية وفلسفية وجدت سبيلها إلى التحقُّق السياسي التاريخي كالماركسية، والليبرالية والقومية وسواها. لذلك، سنرى أن الإيديولوجيا تقابل جملة مفاتيح معرفية يتداولها الفكر الإسلامي كمفهوم الدعوة، وعلم الكلام، وفي الفكر الديني المسيحي، كالتبشير وعلم اللاهوت، وفي الحقل الإبستمولوجي كالمعرفة الدينية والفلسفة والدين.

لقد أدى غياب الحدود الفاصلة بين الدين والفكر الديني، وبالتالي بين المقدس وإيديولوجية المقدس، إلى جعل الثانية، أي إيديولوجية المقدس، الوعاء الذي يحتوي الأول ويؤوِّلُهُ وفقاً لشروطه المعرفية، وكذلك بحسب درجة فهم منتجيه وظروف حياتهم. إن هذين (الاحتواء والتأويل)، أدّيا ضمن سَيْريَّة التوظيف إلى جعل الدين في مساره التاريخي، أو الدين في ظهوراته الدنيوية واقعة إيديولوجية بامتياز. لقد ذهب مفكرون مسلمون معاصرون الى "أن أفضل تعريف للدين هو أنه إيديولوجيا، وأن أفضل تعريف للإيديولوجيا هي أنها استمرار للغريزة...". ونضيف: إن الإيديولوجيا بهذا التعريف هي استمرار حيٌ للأهواء والمصالح والهويّات...

الازمنة السياسية الحضارية هي التي ستحدو بهؤلاء إلى إجراء هذه المطابقة بين الدين والإيديولوجيا. لقد كانوا في ذلك كمن يؤدون مهمة كلامية إيديولوجية بلغت أقصاها من أجل أن ينتقل الدين الى فاعل في التحولات التاريخية. كانت الإيديولوجيا بالنسبة إلى كثرة لا حصر لها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بمثابة مسعى لتغيير العالم، لا لتفسيره فحسب. والقاسم المشترك بين كل أنصار"أدلجة الدين"، هو اعتقادهم أن الإيديولوجيا تعزز المبادئ، وتسدِّد الإيمان، وتمنح المنتمي إلى حياضها الجغرافي الإرادة والاقتدار والتضحية.

لنا هنا على الإشكال، مثلٌ بيِّنٌ في ملحمة الحداثة:

لقد كان في مسيرة إيديولوجيي القرن التاسع عشر في أوروبا ما يرفع هذا الرهان على الكاريزما الإيديولوجية (حزباً كانت أم زعيماً) إلى مصاف الألوهة. وسنرى حينئذٍ كما لو أن إيديولوجيا الحراك العام قد حلَّت محل الدين. بدت الصورة في أحد وجوهها على النحو التالي: الفيلسوف والناس، وحتى الربّانيون المتفردون متفرجون، ولكن الإيديولوجي هو وحده اللاعب الذي يتولى أمر الله، بل ويقف مكانه، يأمر وينهى، ويهدم ما يعتبره فساداً، ويبتني ما يظنه مدينة فاضلة. إنه -على ما جاءت به الحداثة- ينتقد ويصحح، ويرسم الخطوط والمسارات ويحدد التوجهات والشعارات.

يظهر الخطاب الديني في مساره التوظيفي في أكثر المناطق المعرفية عرضة للاشتباه. فحين يتقدم هذا الخطاب ليتولى شأن الناس، يتحول إلى ما يشبه المرآة. حيث يرى الناس إلى صفحتها الملساء، المصقولة بعناية، ليكونوا على يقين من أنهم يرون إلى ذاتهم وهويتهم. بها تطمئن نفوسهم فتنبؤهم بأنهم لا ينفكّون يسمعون ويرون، وبأنهم قادرون، على مواجهة الأعداء المنظورين وغير المنظورين. أما الفاعل الإيديولوجي، فإنه لا يخطب النص الدّيني إلاّ لإمداد سيادته الأرضية في السياسة، والاجتماع، بعوامل القوة والتفعيل والتسديد. ليس بالضرورة أن يكون هذا الفاعل متديِّناً في قرارة نفسه، المهم أن يبلِّغ المرسَل إليه ما ينبغي فعله. لقد تأسس الفكر الفلسفي الغربي على هذا النحو من النظر إلى الدين في حراكه الإجمالي واجتماعه التاريخي. وسنجد الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في كتابه "الكينونة والزمن يقرر بأن" فهمنا للأشياء والأشخاص ولأنفسنا، هو فهم هرمنيوطيقي (تأويلي) دائماً. وإنّه ذاك الفهم المسبوق برؤية خاصة، وبـ"بنيّةٍ مسبقة".

إن تحويل الدين إلى إيديولوجيا، هو اليوم حقيقة راهنة، مثلما كان حقيقة تاريخية بيّنة في الثقافة العربية الإسلامية. لم يعد التحويل مجرد قابلية فحسب، لقد أصبح مجالاً خصيباً للتوظيف في حروب المذاهب والطوائف والحضارات، كأنما يجري هذا في زمن تكثّفت فيه حضورات المعنى والهوية، وفي لحظة بدا وكأنّه لا مناص للعالم فيها من إيديولوجية تحمي أهله، أكانت هذه الإيديولوجية محمودة أو مذمومة.

 

 محمود حيدر