العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

الموحدون (الدروز) نشأتهم وأماكن تواجدهم

رياض سيف الدين
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

من المعروف أن أغلبية الموحدون (الدروز) يعيشون في سورية ولبنان وفلسطين وتحديداً في الأماكن الجبلية كجبل العرب في سورية وجبل الشوف في لبنان وجبل الكرمل في فلسطين المحتلة.

والكثير لا يعرف أن عدداً لا بأس به يسكن جبل السماق (الأعلى) في شمال سورية الذي لا يبعد كثيراً عن أنطاكية حيث كانت مركزاً مهماً لهم في وقت من الأوقات، وفيما بعد ونتيجة لظروف معينة هجروا لا بل هُجّروا منها إلى لبنان وفلسطين وعلى عدة مراحل.

فكيف وصلوا إلى أنطاكية والمعرة وجبل السماق..؟

وفي أي زمن من الأزمان.. وما هي الأسباب التي جعلتهم يهجرون تلك المناطق وما يلفت الانتباه أنه من خلال تنقلاتهم من مكان لآخر كانوا يختارون الأماكن الجبلية العالية والوعرة.. بالتأكيد لتكون ملاذاً آمناً لهم ولصعوبة الوصول إليهم والنيل منهم؟

معظم المصادر والروايات وكبار المؤرخين العرب تؤكد على أن الموحدين الدروز هم في أصولهم قبائل عربية تنوخية جاءت من اليمن على أثر تصدع سد مأرب قبيل الإسلام وسكنت سهول الحجاز والإحساء (البحرين حالياً) ثم انتقلوا إلى الحيرة في العراق ومنهم ملوك المناذرة أصحاب الحيرة ثم إلى شمال العراق ومنها إلى حاضر حلب وقنسرين والمعرة وجبل السماق وصولاً إلى أنطاكية وقد أصبحت معقلاً هاماً لهم واستقاموا فيها لفترة من الوقت وفي ذات يوم من العام 205هـ تعرض لبعض حريمهم مندوب والي حلب المسمى بالمشد فتصدى له رجلاً منهم يدعى (نبا) وقتله على الفور ما أدى به أن يهرب بعياله إلى كسروان في جبل لبنان ومعهم عدد لا بأس به من زعماء القبائل الموجودة في المنطقة وبقيادة الأمير تنوخ الملقب بالمنذر.. وعرفت ما يسمى بالهجرة الأولى...

وفي العام 423 هـ تعرض الموحدون (الدروز) إلى اضطهاد فظيع بعد أن آفل نجم الدولة الفاطمية في مصر وبعد أن تحالف الظاهر لإعزاز دين الله مع البيزنطيين بقيادة - نيكيظا- فعملوا سوياً على التنكيل بهم وقتلوا منهم ما زاد على الألف شخص بطرق شنيعة وفظيعة - وهنا نورد مثالاً - كانوا يشعلون النار والدخان على أبواب المغاور والكهوف التي اختاروها ليختبؤوا فيها خوفاً وكان نصيبهم أن ماتوا بداخلها خنقاً..؟

وهذه الأعمال كانت بمثابة المحنة وبناء عليه أسموها بمحنة أنطاكية.

ونتيجة ذلك هاجر قسم كبير مما تبقى منهم إلى جبال لبنان هرباً... واختاروا تلك الجبال لاعتبارها أكثر بعداً وآمنا.

وهكذا توالت الهجرات أيام الأمير فخر الدين المعني الثاني وأيام الأمير بشير الشهابي وكلها عمليات تهجير جعلتهم هاربين مذعورين لما لاقوه من اضطهاد وظلم وقسوة.

بعض عقيدتهم:

إن أساس معتقدهم، وحدانية الخالق المطلقة، واعتراف المخلوق بالعجز عن إدراك الخالق والإحاطة به، ونظرتهم إلى المعرفة من أسمى المراتب لأن المعرفة هي الغاية والسعادة والكمال، وبواطن الأشياء عندهم أسمى من ظواهرها ومن سماتهم إخضاع النفس للمراقبة الشديدة، وبذلك تتكون المعاني الحقيقية للعبادة.

وهذه الاعتبارات جميعها تؤدي إلى كونه مذهب إسلامي يرتكز على القرآن الكريم ويقر بالكتب السماوية الأخرى.

أما تسميتهم بالدروز فهي خاطئة ومنكرة عندهم وتعود إلى الداعي الملحد والخارج عن دعوتهم وعقيدتهم (انوشتكين الدرزي) الذي عاث فساداً وكذباً في دعوتهم عندما خرج مارقاً إبان ظهور دعوتهم أيام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في مصر إضافة إلى ذلك فلم يرد ذكر كلمة (دروز) في أي من كتبهم المقدسة وللعلم فإن الداعي المذكور قتل على أيديهم في وادي التيم بين سورية ولبنان.

اندماجهم في المجتمعات والطوائف الأخرى:

لهم تراث وتاريخ عريق بانتمائهم العربي وافتخارهم بالقومية العربية محافظين على الأصالة والأخلاق الحميدة ومتمسكين بسلالاتهم وأنسابهم الأصلية، ومن يبحث عن علوم الأنساب والتاريخ يجد ذلك واضحاً، أضف إلى ذلك فهم يتمتعون بسلامة النطق ومخارج الحروف الصحيحة النابعة من القرآن الكريم.

انخرطوا في مجتمعهم العربي وحاربوا محاولات التفريق والفئوية. ووقفوا بكل ما يستطيعون إلى جانب القضايا العربية العادلة التي عصفت بهذه الأمة منذ بداية الإسلام وما زالوا، فشاركوا في فتح الشام عهد الفتوحات الإسلامية واشتركوا مع الأمويين في حروبهم ضد الروم، وعندما قدم الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور إلى دمشق استمالهم إلى جانبه وأرسلهم إلى لبنان لحماية السواحل وتأمين طرق المواصلات وحمايتها من النهب والإغارة على القوافل من قبل الروم، وطبعاً لمعرفته بهم (مقاتلين أشداء) لا يخافون المعارك ولا يخافون لومة لائم.

ثم حاربوا التتار في موقعة عين جالوت بقيادة الأمير زين الدين صالح الأرسلاني إلى جانب السلطان قطز.

وساعدوا المماليك ضد الصليبيين وضد التتار ووقفوا مع الظاهر برقوق في حربه ضد التركمان والإفرنج.

وحديثاً ناضلوا ضد الاستعمار العثماني والفرنسي وأبلوا بلاءً حسناً أيام الثورة السورية الكبرى واستطاعوا إلى جانب إخوانهم من الطوائف الأخرى في سورية انتزاع النصر والحصول على استقلال سورية الحديث.. أيضاً شاركوا في حروب 1967 - 1973 - 1982 ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين مدافعين بنبل عن أرضهم وشعبهم وقدموا دمائهم غزيرة وعدد شهداؤهم فاق كل التوقعات.

هكذا تراهم في كل عهد سلكوه يؤكدون على الهوية العربية الإسلامية وهذا يكمن في سر وجودهم وبقائهم من خلال احترام الآخرين ومطالبهم بالتعايش السلمي ونبذ التعصب والجهل.

من صفاتهم:

كرم الضيافة الكرم العربي الأصيل الذي حافظوا عليه سنين طويلة ويتجلى ذلك واضحاً في انتشار المضافات والمجالس الذي لا يخلوا بيت أو منزل ففيها يجتمع الأهل والأصدقاء والزوار
-  وتدور فيها الأحاديث وقصص البطولات والأشعار واستقراء التاريخ فهيا يتعلم الصغير الأدب والثقافة واحترام الكبير وترتسم لديهم فكرة أن الكرامة والشهامة هي عنوان الرجولة وعن كرمهم واحترامهم للضيف قال أحد الشعراء عنهم:

لا يرفع الضيف عيناً في منازلنا إلا على ضاحك منّا ومبتسم

ولا تخرج المرأة عندهم عن هذا الإطار فهي تشارك الرجل وتقف إلى جانبه في البيت والحقل وفي ساحات القتال والأمثلة واضحة عن مشاركتها أيام الثورة السورية الكبرى في المقاومة وتقديم المساعدة والعون إلى الثوار.

ونظرتهم إلى المرأة هي المساواة في الحقوق والواجبات ولها الحق في التعليم والمعرفة ولا يسمح للرجل بالاستئثار بالعصمة وإنما جعلوها بين الاثنين معاً.

وتعدد الزوجات عندهم غير مباح ولا يجوز للرجل الجمع بين امرأتين لاستحالة العدول بينهما عملاً بقول الآية الكريمة ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم صدق الله العظيم.

ونسبة الطلاق عندهم قليلة جداً، وقليلة الحظ من يطلقها زوجها لأنه لا يجوز إرجاعها إليه حتى لو تزوجت من غيره؟!

ولأجل ذلك حرم عليهم المشروبات الروحية والمسكرات بأنواعها حتى التدخين خوفاً من أن يقودهم ذلك إلى ارتكاب الأخطاء ولأن المرأة عنصر هام وقاسم مشترك مع الرجل في تكوين الأسرة السليمة المتعافية.

رياض سيف الدين