العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

وليد الزبيدي

وليد الزبيدي
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

ـ العملية السياسية التي تمخضت عن ما يسمى حكومة (وحدة وطنية) لم تخرج عن الثوابت التي وصفها المحتل

ـ الحكومة التي تقوم على إدارة الدولة (عرقية)

ـ المقاومة تعمل بطريقة مؤسساتية حديثة تمتلك جميع المرتكزات التي تؤهلها لتحقيق أهدافها.

ـ الهزائم الكبيرة التي لحقت بالأميركيين وصلت بالمشروع الأميركي الكوني إلى الفشل التام.

ـ تقسم المقاومة العراقية على أرض الواقع إلى ثلاث فئات (المقاومة العلمانية، الفصائل الإسلامية العراقية، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) يتفق هؤلاء على هدف واحد وهو طرد الاحتلال.

ـ عزت الدوري هو الذي يقود فصائل المقاومة البعثية والقومية

ـ الإعلام الأميركي روّج لمقولة المقاومة سنية

ـ الممارسات البشعة للقوات الأميركية ساهمت في تعجيل واتساع مساحة المقاومة ضدها.

ـ المآخذ على الساسة الأكراد الحاليين هو أنهم سارعوا بوضع أيديهم بيد المحتل

 

* تتجدد الدعوات عبر صيغ ومفاهيم متعددة لإنجاز العلمية السياسية في كل من العراق، فلسطين، لبنان، ضمن إطار ما يسمى حكومة وحدة وطنية، فهل لنا أن نقف على حقيقة هذا الطرح في العراق؟ وما مدى واقعيته وإمكانية إنجازه؟

** وفيما يتعلق بالتجربة العراقية، يمكن النظر إلى مفهوم حكومة الوحدة الوطنية من زاوية أخرى لكي ندقق بمرتكزات هذا المفهوم فلا يمكن الوصول إلى معنى الوطنية الحقيقي إذا تمت صياغات الهيكل الخارجي وفق رؤية أجنبية فكيف بنا إذا كان الحال في ظل الاحتلال؟

وهنا لابد أن نتوقف عند هذا الإصطلاح لنقرر صورة المشروع الذي ينبثق منه، فإذا أخذنا أهم مرتكز له سنجده يفتقر إلى جوهر المعنى المكنون فيه، بمعنى أن المشروع الوطني لا يمكن أن يلتقي مع مشروع الآخر الذي غزا البلد ويسعى إلى تطبيق أجندة لا يمكن وصفها خارج إطار مصلحة المحتل، وبهذا نجد أن مفردة الوحدة الوطنية تعني صياغة لفظية إيحائية ليس لها تطبيقات عملية على أرض الواقع السياسي.

فيما يطلق عليه حكومة وحدة وطنية في العراق، نجد بنيتها تنقسم إلى أجزاء طائفية وعرقية وهي أمراض سياسية خطيرة في المجتمع العراقي كما أن المشاركين في هذه الحكومة الذي شيد أسسها الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر بعد ثلاثة أشهر من احتلال العراق، وما حصل بعد ذلك من عملية سياسية لم يخرج إلا من معطف بريمر وهنا لابد أن نميز بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن السيادة والسلوك السياسي الذي يجري على أرض الواقع، ومن يعود إلى أواخر يونيو 2004 يجد هذا الخطاب زاخراً بمصطلحات السيادة والاستقلال وأقصد بذلك تاريخ مغادرة بول بريمر العراق وتسليم السلطة ظاهرياً للعراقيين، جرى بعد ذلك أن الجهد السياس الجمعي لم يخرج على الإطلاق من المسار الذي جاء بقانون إدارة الدولة الذي صاغه اليهودي من الأميركي من أصل عراقي البرفسور نوح فلدمان وهو ما حصل في الانتخابات الأولى 30/1/2005 والانتخابات الثانية 15/12/2005 وصيغة الدستور الذي تم إقراره وسط كثير من الشبهات في 15/10/2005.

فخلاصة العملية السياسية التي تمخضت عنها ما يطلقون عليه حكومة الوحدة الوطنية لا تخرج عن الثوابت التي وضعها المحتل ولذلك نجد أن الطائفية أهم مرتكزات الحكومة وهي في الواقع عبارة عن ألغام موقوتة في الجسد السياسي العراقي يضاف إليها مرض العرقية الذي يكمل شكل العملية السياسية الجارية في العراق والحكومة التي تقوم على إدارة الدولة العراقية، وإذا أردنا أن نتبين الدقة المتناهية إيجابيات الحكومة العراقية التي تسمى حكومة وحدة وطنية فلا نجد إيجابية واحدة تسجل لصالحها أما السلبيات فتبدأ من انعدام الخدمات إلى الفوضى الأمنية العارمة مروراً بمحاولات إثارة الفتنة الطائفية والإضراب الداخلي وصولاً إلى نقطة الثقة المعدومة تماماً بين المواطن وأجهزة الحكومة، خاصة الأمنية منها دون الدخول بتشريح البنية العامة لهذه الحكومة فإن الوصف الذي تستحقه لا يخرج عن إطار حكومة الفرقة والشقاق بين العراقيين.

* المقاومة العراقية رغم ما ألحقته من خسائر بالمحتل وإفشالها لمعظم أهدافه تبدو من الخارج عبارة عن مجموعات قتالية غير منظمة فهل لك أن تعرفنا على ماهية هذه المقاومة؟

** التصور العام لدى المتابعين للشأن العراقي أن المقاومة بالعراق عبارة عن مجاميع قتالية تضرب وتهرب ولكن ما يجري على أرض الواقع يقول عكس ذلك تماماً فالمقاومة تعمل بطريقة مؤسساتية حديثة تمتلك جميع المرتكزات التي تؤهلها لتحقيق أهدافها وفي مقدمتها طرد الاحتلال والتخلص من جميع درناته السيئة التي بذرها في العراق، ومن يقرأ العناوين الكبيرة التي أنجزتها هذه المقاومة يستطيع أن يتبين حقيقة قدراتها وإمكاناتها والآليات التي تعمل بها، فالهزائم الكبيرة التي لحقت بالأميركيين وصلت بالمشروع الأميركي الكوني إلى الفشل التام لا يمكن أن تكون مقاومة اعتباطية فهناك الجهد الاستخباري الواسع والدقيق الذي يهيئ المعلومات للفرق القتالية وهناك التصنيع الحربي الذي يطور الأسلحة ويقف إلى جانب ذلك التدريب وتهيئة المجاميع المتخصصة بالصولات القتالية كما أن المقاومة العراقية تمكنت من إيصال الخطاب إلى الرأي العام باعتمادها الوسائل الحديثة في إيصال الخطاب وما يصدر من بيانات، وأفلام مصورة لعملياتها القتالية وبث كل ذلك عبر شبكة الانترنت وظهور متحدثين باسم العديد من الفصائل في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة وهذا ما هو إلا الدليل القاطع على حيوية وفاعلية هذه المؤسسة التي تعمل ليل نهار لتحقيق هدفها بطرد الاحتلال والتخلص من أمراضه.

* ما هي أهم تيارات وفصائل المقاومة العراقية؟

** يمكن تقسيم المقاومة على أرض الواقع إلى ثلاث فئات والمقاومة العلمانية، الفصائل الإسلامية العراقية، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، يتفق هؤلاء جميعاً على هدف واحد وهو طرد الاحتلال وهناك اختلافات جزئية بين هذه الفئات الثلاث، ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن الفلسفة السياسية لكل فئة منهم لكن الفئة الأولى تشمل المقاومة البعثية والقومية وتصدر بيانات بأسماء فصائل أبرزها فصيل القيادة العامة للقوات المسلحة المجاهدة وتشير بياناتهم إلى أن عزت الدوري هو الذي يقود هذه الفصائل، وهناك عدد كبير من الفصائل الإسلامية العراقية التي تحتل مساحة واسعة من النشاطات العسكرية في الميدان العراقي استنادا إلى البيانات التي تصدرها ومن أبرزها جيش المجاهدين كتائب المنطقة الغربية، الجيش الإسلامي، جيش الفاتحين، كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين، إضافة إلى وجود أكثر من عشرين فصيلاً آخر، أما تنظيم القاعدة فقد أعلن مؤخراً أنه تحول إلى دولة العراق الإسلامية وأميرها أبو عمر البغدادي ويفترض أنه عراقي في حين يقود سرايا المقاومة فيها أبو حمزة المصري وهو خليفة أبو مصعب الزرقاوي الذي قتل بغارة أميركية مطلع حزيران 2006 وهذه الدولة تتبع تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن. هذا من ناحية التقسيمات أما السمة الأساسية للمقاومة في العراق فهي الغموض الذي يلف فصائلها ما يجعلها أكثر قوة وقدرة على التحرك الميداني.

* تبدو المقاومة العراقية من خلال أسماء الفصائل التي ذكرت فإن لم تكن محصورة في الطائفة السنية فهي شبه محصورة، فأين المقاومة الشيعية، وما هو موقعها في المقاومة في حال وجدت.

** أنا لم أقل المقاومة سنية والذي روج لذلك الإعلام الأميركي ووسائل الإعلام العراقية الأميركية لكن الحقائق التي يجب أن لا نغفلها أن المناطق ذات الغالبية السنية حصل فيها الوجود الأميركي بثقله الأكبر ابتداءً من جنوب بغداد وصولاً إلى الأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى وكركوك وفي هذه المناطق بدأ التصدي للقوات الأميركية باعتبارها قوة الاحتلال الأساسية كما أن الممارسات البشعة لهذه القوات ضد العراقيين قد ساهمت في تعجيل واتساع مساحة المقاومة ضدها، ولكن هذا لا يعني أن المقاومة مقتصرة على طائفة واحدة بل أن المقاومة وطنية عراقية شاملة يشترك فيها جميع القوميات والطوائف والأديان وعلى سبيل المثال فإن فصيل أنصار السنة هم من الأكراد وقاتل هؤلاء أثناء المواجهات ضد الأميركيين عام 2004 في مدينتي الثورة والنجف إلى جنب أتباع مقتدى الصدر وهناك تعتيم على العمليات التي تحصل ضد قوات الاحتلال في وسط وجنوب العراق لكي يقال إن المقاومة تعود إلى طائفة واحدة وهو جزء من مشروع تقسيم الوطنية العراقية وفي جميع الأحوال فإن الأمر يحتاج إلى بحث ميداني في ظرف آخر، وسيثبت ذلك أن العراقيين جميعاً يزخرون بالوطنية ويقفون صفاً واحداً ضد الاحتلال وأدواته.

* هل هناك تنسيق بين فصائل المقاومة التي ذكرت.

** من خلال المراقبة الميدانية بتأكيد أن الفصائل المسلحة تتوزع في جميع المناطق الساخنة، وهذا التوزع يشير إلى أن التداخل في تنفيذ الهجمات اليومية ضد قوات الاحتلال لا يمكن أن يحصل بهذا التنظيم الدقيق مع وجود عشرات الفصائل والكتائب والسرايا والألوية إلا من خلال تنسيق ميداني، ولأن المقاومين ينتشرون في رقع جغرافية محددة وضمن مناطق معروفة ولأن هدفهم واحد فلابد أن يكون هناك التعاون والتنسيق.

* هل لديك تصور عن آليات التحرير على الأقل في ظل عدم تبلور البرنامج السياسي للمقاومة العراقية؟

** هناك وجهان للبرنامج السياسي للمقاومة يكمل أحدها الآخر ما يهم الذي يحمل السلاح ضد المحتل هو إخراجه وإلحاق الهزيمة وغسل عار الاحتلال الذي لحق بالعراق والعرب والمسلمين، عندما تمكنت القوات الأميركية والبريطانية من احتلال بغداد ربيع عام 2003، خلال ثلاثة أسابيع فقط حينها لم يتصور الكثيرون أن هذا الاحتلال بكل سطوته وجبروته سيخرج من العراق لكن الجهد المقاوم تمكن من تحقيق الإنجازات الكبرى خلال فترة قصيرة قياساً إلى قوة المحتل وهذا هو الكونغرس ومجلس الشيوخ يجبران على اتخاذ قرار سحب قواتهم من العراق وبذلك يتحقق الهدف الأول للمقاومة أما الوجه الثاني فيتعلق بالكيفية التي تراها المقاومة مناسبة للمرحلة المقبلة أي بعد التحرير ومن خلال أدبيات المقاومة العراقية يمكن القول:

إنها تحرص على بناء دولة حديثة بعيداً عن الولاءات الطائفية والعرقية، وتعتمد الكفاءات الوطنية لبناء العراق بعيداً عن التهميش والإقصاء.

* بعد تجربة الاحتلال وظهور المقاومة الوطنية والانتقال إلى مرحلة ما بعد الاحتلال ما هو السبيل الأنجح لبناء التجربة السياسية في العراق.

** بالتأكيد المرحلة اللاحقة لخروج الاحتلال ستكون مرحلة انتقالية ويقدر المختصون هذه المدة بـ سنتين إلى أربع سنوات، وفي الواقع سيتحكم المزاج العراقي خلال هذه المدة بنوع وطبيعة اختياره للشكل السياسي الذي يجده أكثر ملائمة لبناء الدولة لكن يبقى الانتقال السلمي للسلطة من خلال الانتخابات هو الطريق الأسلم للنهوض بالمجتمع وبناء دولة حديثة.

* المسألة الكردية بتعقيداتها من أهم المعضلات التي تواجه العملية السياسية في العراق سواء المتعلق منها بمحافظة كركوك أو شكل علاقة إقليم كردستان العراق المستقبلية مع الدولة المركزية فما رأيك بموقف القادة الأكراد من جملة هذه القضايا؟

** القضية الكردية لا يمكن فصلها عن الواقع العراقي لكن المأخذ على الساسة الأكراد الحاليين أنهم سارعوا بوضع أيديهم بيد المحتل الأميركي ويسارعون لجني الكثير من المكاسب في ظل الفوضى وعدم الاستقرار ما يجعل مثل هذه المكاسب قشة في مهب الريح لأن الوصول إلى ثوابت سياسية إدارية يجب أن يحصل في جو سليم وبقناعة جميع العراقيين وما يحصل خلاف ذلك سيكون عرضة للإلغاء في أي ظرف جديد من هنا يأتي الحديث عن شكل ومنهج الإدارة في العراق سواء كانت فيدرالية أم غير فدرالية شريطة أن يكون الترويج لذلك والتثقيف في جو يزخر بالاستقرار والأمن والرخاء الاقتصادي.

* وأخيراً ألا ترى معي أن الاحتلال الأميركي إلى العراق كان يجسد ذروة فشل أو تراجع المشروع القومي العربي؟.

** المشروع القومي لم يفشل، ولكن الذي حصل أن دعاة المشروع جاؤوا بحقبة زمنية تحمل عدة تحديات من أهمها وجود المشروع الآخر، وأقصد به مشروع الدولة اليهودية والتحدي الآخر يتمثل بعدم وجود خبرة كبيرة في إدارة الدولة الحديثة عند العرب، يضاف إلى ذلك عدم وجود معرفة دقيقة بمرتكزات المشروع اليهودي ويمكن تسمية ذلك بالقراءة السياسية الساذجة لما يحصل في المحيط الإقليمي والدولي، وهنا أذكر مقولة للفيلسوف الصيني الشهير صن تزو الذي قال قبل 2500في كتابه فن الحرب، إذا أردت أن تكسب نصف الحرب عليك أن تعرف عدوك وإذا أردت أن تكسب النصف الآخر فيجب أن تعرف نفسك والواقع يثبت أن الذين ساروا في المشروع القومي، لم يتبينوا إمكاناتهم الذاتية واستهانوا بقدرات وإمكانات عدوهم لذلك فإن المشروع بدأ ضعيفاً واهناً.

كما أن المشكلة الأساسية التي نجمت عن هذه الرؤية تتمثل بقناعة القائمين على المشروع بإمكانية تحقيقه خلال فترات قصيرة واستهوت نزعة الزعامة هذه الرموز فأرادوا مشاهدة الثمرة لجهدهم قبل فترة طويلة من نضوجها الطبيعي وهذه سمة سلبية تحكم فكر الزعامة العربية، أي التخطيط لإنجاز المشروع الطويل الأمد خلال مدة قصيرة ودون التخلص من تقديم الزعامة على نتائج المشروع القومي الإيجابية لن نتمكن من تحقيق أي من مشاريعنا الوطنية والقومية، وبالمقارنة نجد أن تيودور هرتزل قد عمل لإنضاج مشروع الدولة اليهودية بعد نصف قرن من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 ودراسة هذا الأمر برؤية تكفي لإعطاء أكثر من درس.