اشكاليات كتابتاريخ القرآن للمستشرق الألماني تيودور نولدكه

العدد 4 - تشرين أول 2005
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 

رغم مرور أكثر من نصف قرن على صدور تاريخ القرآن للمستشرق الألماني تيودور نولدكه 1836 ـ 1930، إلا أنه لم يترجم إلى العربية إلا مؤخراً على يد جورج تامر أستاذ الفلسفة في إحدى الجامعات الألمانية.

وقد أثار صدور هذا الكتاب الضخم المؤلف من 841 صفحة الكثير من التساؤلات والاحتجاجات المتناقضة، عندما طلبت إحدى المرجعيات الدينية في لبنان من الجهات المختصة منع تداول الكتاب وسحبه من المكتبات لأنه حسبما ذكرت يطعن بالقرآن الكريم وبالنبي (ص) وبأمهات المؤمنين، ويثير النعرات الطائفية ويمس مشاعر المسلمين.

هذا الأمر أدى إلى إثارة عدد من التساؤلات في أوساط الكتاب والمفكرين، الذين رؤوا أن الكتاب المذكور لا يحوي أي إساءة للتنزيل القرآني، وعندما يتحدث عن تاريخية النص فإن ذلك لا يعني إلغاء أزليته. إن الدراسات القرآنية في أوروبا واهتمام العلماء والمفكرين بالقرآن يعود إلى اوائل القرن الثاني عشر عندما قام الإنكليزي روبرت الكتوني سنة 1143 بأول ترجمة لاتينية كاملة للقرآن الكريم، وتوالت إثرها الترجمات والدراسات التي تراوحت بين مؤلفات ذات طابع هجومي وآخر اعتذاري، بدأها الراهب الدومينيكاني ريكولدو دا مونته كروشه الذي قضى جزءاً من حياته كمبشر في الشرق وحاور عدداً من العلماء المسلمين قبل أن يضع في نهاية المطاف مؤلفه الذي هاجم فيه الإسلام.

ويمكن القول إنه حتى أواخر القرن السادس عشر. حدث نوع من الاختلاط في الذهن الأوروبي من ناحية ربط القرآن الكريم والإسلام بالطابع التركي وبتطورات تلك المرحلة السياسية والعسكرية والدولية، فالجيوش العثمانية التي هددت وسط أوروبا ووصلت إلى مشارف فيينا ما زالت تؤثر في تشكيل صورة الإسلام في أوروبا حتى يومنا هذا.

لكن ومع نشوء المذهب الإنساني في أوروبا، تأسست نظرة أكثر إنصافاً للقرآن الكريم ساعدها تحرر دراسات علوم اللغة العربية من السيطرة الكنسية وحدث التحول الجذري على يد عشاق الشرق ولغاته وأهمهم جوزف فون همر الذي أصدر في فيينا مجلة كنوز الشرق وجعل شعارها إحدى آيات القرآن الكريم.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر ظهرت في أوروبا عدة دراسات قرآنية تأثرت بالمنهجية التاريخية النقدية التي شقت طريقها في ركاب عصر التنوير.

في كل الأحوال، يعتقد الكثيرون أننا بحاجة إلى اعتماد المنهج العقلي في صياغة مواقفنا النهائية إزاء مختلف الدراسات التي تتناول إرثنا الروحي والتعامل معها من باب البحث والنقد والتمحيص، خيراً من الحجب والمنع والتكفير، خصوصاً أننا نتعامل مع مادة فكرية بحتة يمكن محاورتها ومحاججتها والرد عليها، وإلا نكون مارسنا من حيث لا ندري نفس الأسلوب الذي تتبعه تلك الجماعات التي اشتهرت بأنها متطرفة أو سلفية.