العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

عبيدو باشا: راوي السهرات الشعبية هو الحكواتي النموذج

ركزت فرقة الحكواتي على الجمهور ليقول ما يريده
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

أسماء وهبة

 

عبيدو باشا، مسرحي وكاتب وصحافي ومؤلف أغاني. اختبر كافة المجالات الفنية من أجل التعبير عما يدور في نفسه. تصدى لحقبات مشتعلة في التاريخ اللبناني الحديث، لذلك هو كاتب سيرته أو كاتب سيرة جزء من جيله بامتياز، راصداً كان أو مؤرخاً. وبما أنه كان عضوا مؤسسا في فرقة الحكواتي، كان من الطبيعي أن يتناولها في كتاب خاص هو :"أقول يا سادة: تجربة الحكواتي من التقليد إلى الحداثة". التقته "تحولات" وسألته عن الكتاب وتلك التجربة:

 

* على مدى سنوات طويلة كنت عضواً مؤثراً في فرقة الحكواتي، ما الذي دفعك لإصدار كتاب "أقول يا سادة" الآن بعد انتهاء فعاليات الفرقة؟

أتى إصدار الكتاب في هذا التوقيت لاعتبارين: الأول هو اختمار مادة الكتاب بعد وصول تجربة الحكواتي إلى نهايتها، واستمرار روجيه عساف وحيداً دون باقي أعضاء فرقة الحكواتي. الإعتبار الثاني تصحيح الإلتباس النظري الكبير الذي ما يزال قائماً في العالم العربي حتى هذه اللحظة حول تجربة الحكواتي، والذي كان واضحاً أثناء رحلتي الأخيرة إلى مصر للمشاركة في مهرجان المسرح التجريبي، حيث طرحت أسئلة حول تجربة مسرح الحكواتي، وأجاب عنها العرب بطريقة لا تمت إلى الواقع بصلة أو تفتقر إلى الموضوعية، لأن ليس لديهم اتصال مباشر بهذه التجربة التي بدأت في لبنان عام 1976 في مساحة معهد الفنون الجميلة- الفرع الأول (الروشة) في الجامعة اللبنانية، وانتهت مع الإجتياح الإسرائيلي عام 1982.

 

* من هو الحكواتي الذي أسست عليه كتابك؟

بداية، لم ينطلق عملي من الحكواتي الذي يجلس في مقهى ليروي للناس الحكايات، بل الحكواتي الذي يمزج بين الشكل التقليدي والآخر في التجربة الغربية عند بريشت، فأوجدت له دوراً في المسرحية . لم يكن وارداً بالنسبة لي استنساخ أي نموذج آخر. نتيجة لذلك، توصلت إلى شكل مختلف للحكواتي الذي تجسد في راوي السهرات الشعبية الذي يتحدث دون أن يكلفه أحد، فيقبض على زمام السهرة مرة بالضحك وأخرى بالتقليد أو الغناء أوالعزف أو رواية السير والأحاديث. ويلاحظ هنا تماهي هذا النموذج من الحكواتي مع تقنية مسرحية متطورة.

 

* يحمل الكتاب عنوان "تجربة الحكواتي من التقليد إلى الحداثة". هل كان الهدف تأريخ هذه التجربة؟

صحيح أن الكتاب يشكل نوعاً من التأريخ مع أنني لست مؤرخاً، ولكن أتيح لنا اليوم كتابة سيرتنا بعد أن كانت كتابة التاريخ حكراً على مثقفي السلطة. من المهم أن نواصل عملية تدوين التاريخ أُسوة بالغرب حتى تعرف الأجيال القادمة ما حدث في الأيام السالفة، دون الإعتماد على الصورة المسطحة وتفشل في الغوص إلى عمق التجربة.

 

* كثيراً ما تردد أنك من المهتمين بالسوسيولوجيا السياسية في الثقافة. كيف يمكن الربط بينهما الآن؟

لا يمكن فصل علم الإجتماع السياسي عن الفن والسياسة وإلا فصلنا عن الحياة، فانعكاسات السياسة تنتج أشكالا تعبيرية وقضايا مختلفة.

 

* كيف تقرأ كتابك اليوم؟

هو مزيج من الموضوعات والقضايا والأساليب المختلفة التي قدمت تجربة الحكواتي في إطارها السياسي والإجتماعي. بالإضافة إلى احتواء الكتاب على نكات وروايات وشخصيات متنوعة من سياسيين وأبطال و"شطار".

 

* ما الفرق بين تجربة مسرح الحكواتي في لبنان ومثيلاتها في العالم العربي؟

 لا أذكر أن هناك تجربة عربية تتناول مسرح الحكواتي باستثناء لبنان (والتي انطلقت مع انطوان ملتقى). لم يعمل أحد من العرب على موضوع الحكواتي من خلال منهج أو مشروع، مع العلم أن الحكواتي بحد ذاته لم يكن أساسياً في التجربة، ولكن كان حضوره جوهرياً، حيث ركز على تحويل الصالة إلى مكان اللعب الرئيسي.

* بالرغم من إعلانك انتهاء تجربة الحكواتي، هل هناك من رابط يجمع الحكواتي التقليدي بالطروحات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية من ناحية والجمهور من ناحية أخرى؟

لقد انتهت التجربة على الصعيد المادي وليس الروحي، ولكنها ما تزال موجودة عند بعض المسرحيين والطلاب الجامعيين. ولا نعرف إن كانت ستجد طريقاً لإحياء نفسها من جديد أم لا! هناك جملة من القضايا التي يمكن اختبارها في أي وقت طالما أن المنهج مازال قائماً. في لبنان، يعتبر الحكواتي التقليدي أحد الأشكال التي يمكن استعمالها بالرغم من بروز حكواتي الميلودراما. إلا أن السؤال الكبير هو: كيف يمكن استخدام هذه الأدوات أو إعادة اكتشافها؟!

 

* هل انتهاء تجربة الحكواتي ترجع في شق منها إلى عدم وجود التمويل؟

الكلام عن الماديات وضرورة حضورها هو مخيلة ليس له علاقة بانتهاء التجربة، كنا نعمل دون أن يكون الموضوع المادي مطروحاً.

 

* هل من الممكن الكلام عن المسرح من دون الإشارة إلى السينما في الفترة التي يرصدها الكتاب؟

لقد استطاعت تجربة الحكواتي أن تداخل بين الكثير من التجارب، لأننا في الفرقة كنا مجموعة من الباحثين عن التعبير، وحينما توصلنا إلى ما نريد قوله، بدأنا نبحث عن أشكال التعبير. لذلك، شاركنا في التجربة سينمائيين وفنانيين تشكيليين ومواطنيين عاديين ومدراء عاميين في الدولة قبل انهيارها عام 1982، واستعملنا السينما والتقطيع السينمائي لتحقيق هدف أساسي هو أن يكون الجمهور جزءاً من العملية المسرحية حتى يقول ما يريد قوله بطريقة معقولة!