العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

الرسم بالدماء

محمد محسن
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

يحتاج الإنسان عندما يمارس فعل الكتابة لأن يكون رساماً لا بالريشة ولا بالألوان، وإنما بأدوات أخرى هي الحروف والكلمات. كثير من الناس لا يستهويهم نمط الوجبات السريعة لجهة ما يتغذون عليه فكرياً من كتابات وخواطر وأدب. هم بلا شك ضد العولمة السوداء وهم حتماً ضد من يروجها، غير أن الإستثناء يبقى موجوداً، فبعض المواضيع لا تحتاج لأن تكون فناناً عندما تكتب عنها، إضافة إلى كون من يلتقفها بسرعة يستطيع أن يرسم ويفهم تجليّات الصورة التي بالمناسبة لا ضرر من ترويجها إن لم يكن الواجب الإنساني والوطني يملي النشر، ليس لأن الإنسان إستثنائياً، لا بل لأن القضية هي من تستحق الإستثناء كحالةً إحتلالية تستدعي التكريس لا المقاومة.

 

الخامس والعشرون من أيار هو القضية، التحرير أطل عيداً "في مثل هذا اليوم". إكتمل الرسم.. الدعوة عامة.. والزمان من ظهور الخليقة إلى يوم القيامة.. حفلة خاصة في أيار وأخرى يشارك فيها رواد رسّامون مبدعون سوف تعرض في تموز وآب من كلّ عام، ومجال الأسئلة مفتوح لمن أراد. التحرير لا يعني فقط أن المحتل خرج من الأرض من دون أن يفرض شروطه، ولا أن الأرض عادت لتحتضن أبنائها بين جنابتها بحرية. التحرير هو الحبر الذي تكتب به الشعوب انتصاراتها على صفحات التاريخ، هو كحل يزيّن عيون الأمم، هو حنّة ترسم خطوط الحرية على يدي شجر الزيتون الذي احترف عناق المجاهدين وإخفائهم عن عيون العدو. الدم الذي يسفك من أجل القضية خرج من مجال فئات الدم التي نتبرع بها، وليته يخرج من التصاريح التي نتبرع بها أيضاً كرمى لعيون هذا وخدمة لذاك ممن سفكوها.

 

ما زلنا بلا كتاب تاريخ موحّد في مدارس لبنان. ربما لأن كلاًّ منّا يقرأ في كتاب واحد لا يرضى أن يغيره حتى وإن غطّت بصماته حبر الكلمات، وحتماً لأننا لم نخرج بعد من عوالمنا المنغلقة ذات الحواجز المتعددة.. هم خرجوا منها وآمنوا بمذهب المقاومة وأحسنوا الوصول إلى التحرير. كانت أناشيدهم آيات يعزفها رصاص صَنَعَ أقدس الأمنيات، لم ينتظروا الشهادة على كراسي المكاتب الفارهة وهم يترنحون تحت قصف المكيفات. كانوا يعتبرون أرضهم أمّا يسعى الكل لنيل رضاها ولو كانت الحياة هي الثمن. هم أحسنوا كتابة التاريخ وأبدعوا التأسيس للمستقبل وعلمونا كيف تكون الحياة.. لنحبها وإلا فلا ولم ولن.

 

في بلد لا يعرف كيف ينتصر لنفسه، تحذف أعياد التحرير من أجندة ألأعياد الرسمية، دون سبب يذكر أو بالأحرى دونما سبب مقنع. الدول تخصص احتفالات ضخمة لأعياد استقلالها وتحريرها إلا نحن، نكتفي في مدارسنا بساعة أخشى أن تكون من باب رفع العتب تخصص للحديث عن التحرير. هذا النوع من الأحاديث إن لم يقترن بجولة يشم فيها الطلاب من رياض الأطفال إلى المراحل الثانوية عبق دماء الشهداء وتراب نعالهم تبقى هباءً منثوراً مع أحترامي للمتحدثين. معذورون هم، لم يقرأوا تواريخ الأمم و لم يدخلوا متاحف الإنتصارات وإن كانت على بعد كيلومترات هي حتماً أقرب بكثير من عواصم أخرى.

 

في عيد المقاومة والتحرير، تحية لكل شهيد خضّب كتب التاريخ بدمائه التي كسرّت عظام السياسات اللئيمة على أعتاب صخور الجنوب والبقاع وبيروت والجبل وكل بقعة رفضت أن تطأها أقدام محتل. وردة حمراء لكلّ أم شهيد مريمية الطهر وزينبية الهوى قالت لابنها إذهب أنت وربك، فقاتلا ونحن معكما مقاتلون، لكلّ طفل ينظر إلى المستقبل من نافذة التحرير القادم على أنغام الثورة الصاخبة على وقع عودة الأسرى. كل التحيات والقبل للأقصى والقيامة وللقدش الشريف... والنصر آت. 

 

 

  محمد محسن

  بيروت في 17/5/2007