العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

فيلم 300 حملة هوليوودية للطعن بالثقافة و التاريخ الايرانيين

احمد جابر
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

شهدت صالات العرض السينمائي في كثير من دول العالم، الأميركية والأوربية بالاخص، عرضاً لفيلم (الثلاثمئة) وهو من انتاج شركة الأخوان وارنز. يستند السيناريو والحوار على ما جاء في كتاب الروائي المشهور فرانك ميلر، ويرّكز على مقاومة مجموعة من اليونانيين في منطقة مضيق ترموبيل. يتناول الفيلم قصة هجوم ثلاثمئة من المقاتلين الايرانيين في عهد الملك خشايار على بلاد اليونان واحراق مدينة اثينا. ولقد أقدم الملك على هذا الهجوم انتقاماً لما فعله اليونانيون في عهد أبيه داريوش الهخامنشي، حيث هاجم اليونانيون ولاية ليديه من بلدان آسيا الصغرى التي سيطرت عليها ايران في عهد الدولة الهخامنشية، واحراقوا مدينة سارد.

يروي الفيلم قصة انهزام قسم من الجيش الايراني خلال هذه الحرب التي عُرفت بحرب (سالامين)، وذلك بسبب بعض الظروف الجغرافية التي واجهت الجيش، والامر الذي اعتبره اليونانيون حدثاً عظيماً.

 أهداف انتاج هذا الفيلم لم تكن برئية ولم تخلو من التوظيف السياسي، فهي تسعى الى الطعن بتاريخ ايران والنيل من حضارتها في العصر الهخامنشي الذي كان الايرانيون خلاله حاملي لواء الحضارة والثقافة العالمية.

 هذا الفيلم الذي انتجه المخرج السينمائي المعروف جاك اشنايدر، وصرف عليه مبالغ طائلة، وصف الايرانيين بأنهم موجودات وحشية بشعة وغير مرغوب بها وتتميز بالجهل، وعدم المعرفة، وغير قادرة على‌ اتخاذ القرار.

 اظهر الفيلم ايضاً قائد الجيش الايراني على صورة رجل كريه، صاحب شخصية ذليلة وشاذة متشبهة بالنساء. وفي المقابل، يصف الفيلم اليونانيين بالشجاعة واصحاب القرار وحسن المنظر، إذ استطاعوا بحكمة قائدهم الفذ والشجاع (ليؤيندلس)
ان ينتصروا على الملايين من الجنود الايرانيين في ملحمة قتالية عظيمة. وبعد نزال طويل قتل فيه الآلاف من الجنود الايرانيين، يستشهد قائد الجيش اليوناني مقدماً روحه فداءً لقضية بلاده!

 يندرج انتاج هذا الفيلم في هذه اللحظة ضمن سلسلة الإستهدافات الثقافية الجديدة التي يتبعها الغرب ضد شعب ايران العظيم، وذلك بعد انتاج فيلم الإسكندر حيث اعتبر هذا الفيلم تحريفاً وتزويراً جديداً بظاهر جذّاب من اجل النيل من تاريخ وحضارة ايران المشرقة في العهد القديم وبالأخص العهد الهخامنشي،‌ حيث كان الشعب الايراني اول شعب استطاع ان يعقد حلقة وصل بين الشرق والغرب، وان يوجد روابط وعلاقات قوية بين الطرفين من الناحية الثقافية والفنية.

 من المعلوم أن كوروش هو مؤسس السلالة الهخامنشية، ومن المحتمل أن يكون (ذو القرنين) الذي أشار اليه القرآن الكريم من العرق الفارسي او البارسي. وكان كوروش من ذرية (بارس) اي البارسيين والبارسيون سلالة ايرانية - لم يحدد التاريخ زمن مجيئهم الى ايران ولكن بعض الألواح الأثرية الأشوريه التي ترجع الى القرن التاسع قبل الميلاد ذكرتهم تحت عنوان (بارسواش).

 يظهر الفيلم ان هؤلاء كانوا يقطنون حول بحيرة الروميه او كرمانشاه، وفي القرن السابع قبل الميلاد توجهوا نحو الجنوب واستقرّوا في بلدة كانت تمسى (بارس) وأسسوا حكومتهم في ظل القيادة الهخامنشية. في البداية، كان نفوذ هذه المملكة يصل الى محافظة فارس وخوزستان الحالية وسُمّى البارسيون بالهخامنشية نسبة الى مؤسس دولتهم.

 وبعد سقوط حكومة(عبلام)، اصبح جزء من هذه المقاطعة او المملكة تحت نفوذ البارسيين. اخيراً، اصبحت بارس دولة كبيرة بين الدول التي كانت قائمة آنذاك،‌ مثل دولة عيلام، وآسور وماد ثم انقسمت هذه الى قسمين.

 لم يحدث خلال حكومة كوروش اي تصادم بين الايرانيين واليونانيين، حيث كان اليونانيون على حذر من الحكومة الهخامنشية الجديدة العهد، وابتعدوا عن أي عمل يثير غضب كوروش.

 كما يظهر الفيلم أيضاً أن كوروش كان بصدد توسيع فتوحاته لتشمل قلب اليونان والسيطرة على جميع جزرها المعروفه بجزر اليونان حالياً. وذكر ان لدى كوروش، عند استقباله الوفد الآتي من (اسبارت)، ما يدلّ على عزمه ونيّته توسيع رقعة نفوذه.

 لو كانت الفرصة سانحة لكوروش لاستمر في توسيع رقعة نفوذه حتى تشمل اليونان، لكن الحروب التي خاضها في شرق ايران حالت دون تحقيق هدفه هذا، حيث وصلت حروبه
في الشرق الى مقاطعة خراسان وسيستان واطراف باكستان والهند في حين سيطر على بابل التي كانت تعتبر من الممالك العظمى آنذاك.

 بعد قتل كوروش على يد الماساجت المتوحشين خلال الحرب التي خاضها معهم، خلفه ولي العهد إبنه كمبوجيه الذي فتوحات أبيه. وبعد تهدئة الاضطرابات الداخلية، فتح هذا الملك مصر عام 524 ق.م واكمل مسيرته حتى وصل ليبيا وقسم من شمال السودان، واستمرت هذه الفتوحات ثلاثة اعوام تقريباً. وفي عام 522 ق. م، قُتل كمبوجية بشكل غامض في منطقة الشام (سوريا الحالية) وذلك لدى عودته الى ايران واصبح داريوش الأول الهخامنشي ملكاً للحكومة الهخامنشية الجديدة وذلك بعد سيطرته على الاضطرابات الداخلية التي كانت تعم المملكة.

بالإضافة الى المستعمرات اليونانية وآسيا الصغرى وتركيا ومقدونيا، كان ما يقارب ثلث مساحة الجزر اليونانية ضمن النفوذ الايراني آنذاك، أما الثلثان الأخران فكانا يخضعان لامرة حكومات مختلفة، اذ كان البعض منها عبارة عن مدن واخرى عن مقاطاعات تفوق مساحتها المدن. من أهم المدن، التي استقرت فيها حكومات بارزة هي، مدينتا اثينا واسبارطة، فالحكومة التي حكمت اثينا كانت حكومة وطنية اما تلك في اسبارطة فكانت الحكومة البكارش (حكومة الاقلية على الأكثرية). وحكومة المدن هذه، وأن كانت دائماً على حذر من قدرة ايران وقوتها، كانت تطلب المساعدة من ايران في الظروف الحرجة، كما ان تعاملها كان تعاملاً يتصف بالغدر ونقض العهد تسعى من خلاله الى إضعاف موقف ايران في منطقة آسيا الصغرى والمناطق اليونانية الأخرى التي كانت تحت نفوذها.

 وإن كان هذا الهجوم قد انتهى بالفشل، نتيجة للرد القاطع لايران على مهاجمي منطقة آسيا الصغرى، لكنه آثار حفيظة وغضب الملك داريوش، حيث اعتبره تدخلاً لأهالي اثينا بالشؤون الداخلية لآسيا الصغرى. هذا الأمر أدّى الى توجّه الجيش الايراني نحو اليونان وخوضة حرباً عُرفت بحرب الماراتون حيث وقعت هذه الحرب عام 390 ق. م، بعدما أبت حكومتي اثينا واسبارطة التسليم للملك داريوش.

 على الرغم من سقوط بعض المدن اليونانية بيد الجيش الايراني، كانت ظروف المحاربين الايرانيين الصعبة في خليج آتيك، واستخدام الجيش اليوناني الاسلحة الثقيلة مقابل الاسلحة الخفيفة التي كانت بحوزة الايرانيين أدّى الى تراجعهم هذه الحرب.

 يقول المؤرخ هيرودوت في هذا الشأن "إن فكرة الحرب جاءت بتحريك من دمارت الملك السابق لاسبارطة الذي لجأ بدوره الى ايران في عهد الملك داريوش. حيث كان يعتبر من أقارب الملك خشايار وكان بصدد فتح جزيرة اليونان."

 اعتبر الايرانيون ان هزيمتهم حرب ماراتوان اهانة كبرى، وما كان منهم الا ان طلبوا الى الملك دمارد اخذ القرار بمهاجمة اليونان، وخلال تلك الآونه التجأ جماعة من كبار اليونايين الى بلاط الحكومة الايرانية مما ادى الى اشتغال نار الحرب.

 ويذكر هيرودت ان هذا الجيش كان متشكلاً من 24 عرقاً من تلك التي كانت تقطن ايران، وكان عدد المحاربين من المشأة والبحرية والعسكريين يقارب الملونين وثلاثمائة الف مقاتل، بالاضافة الى خمسة ملايين من قوى الاحتياط اللوجستية.

 اما بقية عدد افراد الجيش اليوناني كان يتراوح بين الملونين والأربع ملايين جنوبي. ويمكن نقض هذا الأمر من خلال الاطلاع على نتائج ما بعد الحرب. ذلك ان عدد الجنود الايرانيين في حرب سالامين كان يتراوح ما بين 250 و300 الف جندي.

 أن فيلم 300 بالاضافة الى سخريته من عظمة الجيش الايراني، قد شوّه الثقافة والحضارة الايرانية ونقل صورة سيئة عن الايرانيين في تلك الفترة.

هنا نشير الى جملة من الملاحظات:

 1- أريد للفيلم أن يعكس الهزيمة الكاملة للايرانيين في حرب سالامين، لكن الواقع كان خلاف ذلك، لأن النصر كان حليف الجيش الايراني في معركته البريّة. امّا القوى البحرية للجيش الايراني فقد تحطمت بسبب الاوضاع والظروف السيئة التي كانت في الخليج آنذاك. ان ضيق المكان منع البواخر الايرانية من مواجهة السفن اليونانية، حيث ان قسماً كبيراً من السفن الايرانية تحطمت وغرفت بسبب الاصطدام الذي حصل بينها. بالاضافة الى ذلك، لم يكن الايرانيون مطلعين على فن الملاحة وكانت اساطيلهم متكونة من بواخر تخص ممالك ودول مختلفة (بواخر فينيقية ومصرية ويونانية تابعة لآسيا الصغرى) الامر الذي شكل مانعاً للتنسيق بينها.

 والمشهد كان معاكساً في المقلب الآخر، حيث كان اليونانيون بارعين في الملاحة ومطلعين على جميع نواحي الطرق البحرية في المنطقة، بالاضافة الى ذلك كان الجيش الايراني فقيراً بالاسلحة الثقيلة مقابل الجيش اليوناني المهجز بجميع انواع الاسلحة الثقيلة. لهذا، لم يستطيع الجيش الايراني من ابداء مهارته في هذه الحرب.

 الجيش الايراني خاص حروباً عديدة في آسيا وسهولها الفسيحة، اما الحرب في المناطق الجبلية وطرقها الضيقة فلم يكن الجنود الايرانيون قد تمرّ سوا عليها سابقاً. لذلك، تكبد الجيش الايراني خسائر فادحة خلال الايام الاولى من حربه مع اليونانيين في منطقة مضيق ترموبيل.

2- حاول الفيلم تضخيم عدد الجنود الايرانيين في حرب ترموبيل. في الحقيقة، لم يقتل خلال هذه الحرب سوى بضع مئات من الأفراد الذين لا يتجاوز عددهم الألف، وهذا بسبب ضيق المضيق وصغر حجمه. لكن بعد عبور الجيش الايراني هذا المضيق انقلبت الادوار. كما تم تضخيم العدد أيضاً في معركة سالامين.

3- اظهر الفيلم شجاعة القائد اليوناني لئويندلس واعوانه وذلك من خلال ملحمة قتالية ابدية يصعب وصفها. في المقابل، نجد ان قانون الحرب الذي كان حاكماً في مدينة اسبارطة، كان قانوناً صارماً يمنع ترك ساحات القتال مهما كانت الظروف. لذلك لا نستطيع ان نقول بأن اليونانيين لم يسبق لهم وان صمدوا كما صمدوا في هذه الحروب، ولا نستطيع ان نقول ايضاً ان واقعة حرب ترموبيل كانت امراً استثنائياً لا مثيل له. في مقابل ذلك، كان الجنود الايرانيون يظهرون بسالة وشجاعة خلال حربهم مع اليونان في زمن الدولة او السلالة المادية والبارسية حتى اعتبر جنود هذه السلالتين من ابرز مقاتلي زمانهم. وتعتبر المعركة التي قادها آريو برزن واعوانه، والتي قطعوا فيها الطريق امام الاسكندر المقدوني في جبال كهكيلويه، ملحمة خالدة في تاريخ ايران الحافل.

4- اظهر فيلم 300 الايرانيين بأنهم (أفراد وقادة) فاقدي حرية التفكير، حيث لم يكن باستطاعتهم ابداء رأيهم امام الملك. وبيّين الفيلم ايران عبارة عن ارض لا تملك ثقافة وحضارة. افرادها يتصفون بالوحشية والبربرية، عكس اليونان حيث وصفها الفيلم بأنها ارض الديمقراطية واهلها ذوو اخلاق عالية وصفات انسانية رفيعة. لذلك نجد ضرورة لتبيان مختصر حول حضارة ايران وثقافتها في عهد الدولة الهخامنشية.

 لقد كان المجتمع الايراني في عهد الدولة الهخامنشية مجتمع يتميز بالاخلاق العالية، ويقوم على اساس الصدق والاستقامة والدليل على ذلك الألواح التي عُثر عليها في (بيستون).

لم يكن الملوك في عهد الدولة الهخامنشية متصفين بالظلم والاستبداد في الرأي، بل كانوا يعتمدون المشاورة مع اصحاب الرأي والحكمة في الأمور المهمة لاتخاذ القرار فيها.

 يعتبر فيلم 300 حلقة من سلسلة حلقات الهجوم الثقافي الغربي ضد تاريخ والحضارة الايرانية، حيث بدأت هذه المؤامرة منذ تكريم فيلم الاسكندر المقدوني وهي مستمرة لتشويه تاريخ ايران.

 

احمد جابر