المارونية الحضارية والبحث عن "الهوية"

العدد 4 - تشرين أول 2005 : سركيس أبو زيد
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 

ما الذي جلب على الموارنة كل هذا الويل من إحباط وتردد وحيرة وانحراف وفوضى وتحجر ؟

سؤال نطرحه على "المجمع الماروني" والجواب عليه هو وليد ظروف متراكمة وأسباب سياسية وإقتصادية وثقافية واجتماعية متعددة ، يمكن اختصارها بعامل أساسي وحاسم ، ألا وهو خروج بعض الموارنة عن محورهم الطبيعي الحضاري المتمثل بالخط الإنطاكي الروحاني والانحراف عنه .

ما هي قواعد المدرسة الإنطاكية ؟

إنطاكيا هي عاصمة المشرق في الزمن الروماني ، عرفت بـ "مدينة الله" وفيها اتخذ تلامذة يسوع اسم مسيحيين . وقد أصبحت عاصمة فكرية أدبية لاهوتية ، وإليها تنتسب معظم الكنائس الشرقية ، منها انطلق التبشير بالمسيحية في المشرق والعربة ، وغدت متقدمة على كل الكنائس ، واكتسبت بعداً "مسكونياً" . فيها اتخذ قرار بمنع الختان ، وفصل المسيحية عن اليهودية ، والتحرر من حرفية الناموس . وفي إنطاكيا لم تعد المسيحية منحصرة بالمتحدرين من اصل يهودي ، وهكذا أخذت المسيحية بعدها الإنساني الرسولي المسكوني .

ومن القوانين التي اعتمدتها :

-تجنب حب المال .

-تفسير النصوص الدينية بإيجابية وعقلانية .

وتميزت المدرسة الإنطاكية بالاتجاه العلمي العملي الواقعي التاريخي بعيداً عـن الرمزية ، ونظريات ما وراء الطبيعة ، وهي اقرب إلى فلسفة أرسطو ، وقد شهدت إنطاكيا صراعاً دامياً مع اليهود وسلوكها الانعزالي الاحتكاري ، وقد اغتال اليهود البطريرك الإنطاكي انسطاسيوس في العام 609 م .

وطبعت الإنطاكية بروحانية أصيلة ، فازدهر التنسك في ربوعها ، وهو حالة رفض واعتراض على الفساد والبذخ والترف المستشري في المجتمع يومذاك ، وتعبير عن حركة إصلاح داخل الكنيسة عن طريق العودة إلى الجذور والعمق الروحاني .

تميزت المدرسة الإنطاكية بتجذرها الثقافي واللغوي ، والعربية هي عنصر جامع بين كافة الكنائس الإنطاكية ، وهكـذا تجمع المدرسة الإنطاكية بين الأصالة والوطنية والبعد الإنساني .

انطلاقاً من المدرسة الإنطاكية ، ما هي معالم الهوية المارونية ؟

المارونية في نشأتها هي تعبير عن حركة تحرر وطني ، ولدت في شمالي سوريا ضد الاستعمار الغربي ، المتمثل يومها بالإمبراطورية البيزنطية ، وهي استجابة حضارية للتراث الإنطاكي الأصيل ، وتتميز الهوية المارونية الحضارية بالملامح التالية : 1:الأصالة الإنطاكية : أهـم معالم المدرسة الإنطاكية الالتزام برسالة الإنجيل كشهادة تعلم وإبداع ومحبة وتسامح ، بعيداً عن العنصرية والعدوانية وإلغاء الآخر . وكم نحن اليوم بحاجة إلى عودة الروح إلى ممارسة القيم والمناقب والأخلاق والروحانية لمواجهة البربرية المعاصرة ، وتشييء الإنسان في زمن الرأسمالية الاستهلاكية المتوحشة . وسنستذكر في هذا المجال مواقف قداسة البابا ضد الحرب ، حيث نزع فيها القناع الديني عن الرؤية التوراتية للعالم ، حيث تتوارى شركات النفط ومصانع الأسلحة الأميركية ، ومشاريع التيار المتهود في المسيحية ، خلف خيار الحرب ، تنفيذاً لإرادة إلهية مزعومة . يقول البابا : "لن يكون سلام في ظل استمرار القمع والظلم والخلل الاقتصادي" .

وفي هذا المجال فان المارونية الحضارية مدعوة إلى نقد مقولة صراع الحضارات ، التي تخفي محاولات التحريض والإيقاع بين الأديان ، مما يتطلب الفصل بين المسيحية الحضارية والاستراتيجية الأميركية في الهيمنة والتسلط والإمبريالية .

المارونية الحضارية ملتزمة بلاهوت الحرية والتحرر بسبب وجود تعارض بين الإيمان المسيحي الحقيقي والأصيل ومظاهر اضطهاد الإنسان وتفشي الفقر والجهل والظلم والحرمان . 2 العروبة الحضارية : المارونية الحضارية تتجذر في بيئتها الحضارية ، وفي محيطها الجغرافي التاريخي والاجتماعي الذي تعيش فيه وتناضل من أجل الوطن والمواطن . هذا التجذر في أرض الشرق يولد الشعور بالانتماء والأمان ، وهو الرابط الأولي الضروري للخروج من حالة العزلة والاغتراب والإحباط والتردد ، والانخراط في مسيرة بناء عروبة حضارية يعي الماروني دوره فيها ، فهو شريك فاعل في تجديدها ، ومبدع خلاق في ثقافتها ، ومناضل في سياستها ونظمها .

المارونية الحضارية تميز بين الانتماء الحضاري التراثي إلى الكنيسة والانتماء المصلحي النفعي إلى طائفة . وكلما كانت الكنيسة تغرق في مشروع بناء دولة مسيحية مزعومة كان ينحسر حضورها الثقافي الحضاري ، وتتراجع حركيتها وفعلها الروحاني الإنساني . وعندما تكون مسخرة لخدمة مشاريع سياسية طائفية ، تغرق في الأصولية الظلامية المغلقة ، أما عندما تعمل الكنيسة لحرية الإنسان وحضوره الثقافي ، تتجلى أصالتها في القيامة والتحرر من التبعية والتخلف والخوف .

المارونية الحضارية لا تواجه الأصولية بأصولية أشد ، بل تتجاوز التحرر والفوضى بثقافة راقية وقيم أصيلة تحاكي المستقبل .

المارونية الحضارية تميز بين أفعال الكنيسة الطائفية وبين التوجه الحضاري الروحاني الإنساني للكنيسة ، وتبني لاهوت الحرية والإنسان من جهة ، ومن جهة أخرى حرية الالتزام من دون خلط بين حقه كمواطن حر وبين توجه الكنيسة الحضاري ، ومن دون تسخير الكنيسة لأغراض سياسية ، أو منافع خاصة ، أو مشاريع فئوية . لكل ذلك انحزنا إلى استعمال تعبير المارونية الحضارية تمييزاً عن الصفات التي ألصقت بها إبان الحرب الأهلية ، ومنها المارونية السياسية ، المارونية العسكرية ، المارونية الانعزالية ، المارونية الصهيونية ...

انطلاقاً من هذه القواعد تواجه المارونية الحضارية التحديات التالية :

1.المؤالفة مع الإسلام الحضاري ، والمشاركة في بناء عالم عربي جديد .

2.بناء عروبة مشرقية جديدة سيما أن الموارنة هم من رواد النهضة العربية ، وهم تاريخياً كما يقول الأب يواكيم مبارك "من السريان المستعربة غير المتفرنجة" ، وكتاب "الهدى" وهو دستور الكنيسة المارونية ، ترجم إلى العربية عام 1054 م. والعربية هي لغة الموارنة منذ ذلك التاريخ .

3.إغناء اللاهوت المسيحي العربي لجهة بلورة الذات الوطنية العربية الواحدة ببعديها الإسلامي والمسيحي ، التي نشأت في المشرق العربي ، وانتشرت منه إلى مختلف أنحاء العالم .

4.الالتزام بحرية الإنسان والتضامن الاجتماعي من اجل التقدم العلمي والإنساني والاقتصادي وتحقيق السعادة للجميع .

5.المارونية الحضارية اكبر وأوسع مـن لبنان ، بينما الطائفة المارونية اصغر من لبنان ، لذلك يجب فك الارتباط السياسي بين لبنان والموارنة ، وهذا ما عبر عنه مؤخراً البطريرك صفير عندما قال بأن الموارنة وجدوا لخدمة لبنان وليس لبنان لخدمة الموارنة ، بينما قيل سابقاً : "كلما صغر لبنان صغرت مشاكله ، وكلما كبر لبنان كبرت مشاكله" ، وذلك تعبيراً عن رفض بعض الموارنة للبنان الكبير وترويجهم لمقولة لبنان حصن حماية وملاذ بينما هو رسالة حرية وعلم ، وهو بالتالي اعظم مـن "ملجأ" .

6.تعميق الحوار بين مختلف الكنائس الشرقية التي تتوحد حول الإنطاكية وتختلف بسبب إنشقاقات وصراعات تاريخية . واليوم تشكل اللغة العربية وتحديات المستقبل والتراث الإنطاكي القاسم المشترك من أجل استعادة وحدتها .

في الختام أضع هذه الأسئلة أمام "المجمع الماروني" الذي سوف يعمل طوال هذه السنة تمهيداً لعقد اجتماعات غير "رسمية" . وأن تكون اجتماعاته مناسبة للعودة إلى الذات والمصالحة مع التاريخ والمكان بما فيه من غنى وتنوع وصعوبات وتحديات كمدخل أساس من أجل بناء غد مشرق .