العدد الثالث والعشرون - حزيران 2007

ذاكرة اليوم السابع

لين هاشم
الثلاثاء 26 حزيران (يونيو) 2007.
 

لطالما أتعبتني ذاكرتي، لكنها أحياناً تبدو مفيدة.

قد يبدو هذا سخيفاً، ويصعب تصديقه، لكني أذكر اليوم الذي رضعت فيه للمرة الأولى. لم اكن قادرة على رؤية يدي رغم أني كنت أشعر بحركتهما، ورقبتي كذلك، كنت بالكاد احركها يميناً ويساراً. لا سيء كان حياً فيَّ سوى عيني. كنت أنظر الى أعلى وكان كل شيء يبدو كبيراً جداً. ربما شعرت بخوف فجائي، وبملل من وضعية العجز هذه، فانطلق في الصراخ، صوت مزعج، قدرة مثالية على لفت الانتباه.

لعل بضع ثوان مرت قبل أن ترتمي ظلال طيف على وجهي الصغير. عينان بنيتان دافئتان، انها أمي بلا شك. رفعتني بين ذراعيها قبل أن يحد لون بشرتها الحنطية نظراتي. اختفى الخوف والملل، شعور رائع بالدفء والأمان غمرني. شعور جيد، اختبار اول. منذ تلك اللحظة، باتت أمي تكتسي هالة من القدسية بالنسبة الي، هي الأمان وكل المعاني الجميلة التي لم أفهمها في تلك اللحظة.

قدمت لي ثديها وبتلقائية، مددت عنقي الصغير وشرعت أسحب الحليب الدافئ الذي سرى في جسدي بنشوة. وفي نفس الوقت، كان احساس جميل يذهب ويجيء بين خصلات شعري الطري، لعلها كانت يدها تمسح على رأسي ببطئها المعهود.

 

*****

 

كان لي من العمر ثلاث سنوات. ذكرى أخرى أذكرها جيداً. كانت السماء تمطر بجنون خلف نافذتي، وأنا أرقد تحت غطاء سريري منهكة القوى، متعبة، يحتلني المرض بقسوة. الحرارة تصدع رأسي وتعبث بقدرتي على التفكير. عاجزة عن فتح عيني وعاجزة عن النوم. كم كنت أصلي ليأتي احد ما في تلك اللحظة، ويمسك يدي ويخبرني ان كل شيء سيكون بخير، وأن الصباح سيمحي آلام الليل. لكن مشكلتي منذ الطفولة هي اني لم أستطع يوماً على التعبير عما أشعر به، أو على طلب ما أحتاج اليه. أبي لم ينتظر الاذن، دخل غرفتي بقامته المرتفعة، جلس على طرف سريري وقرب وجهه تاركاً قبلةً رقيقة على خدي المحموم، ناولني الدواء، أمسك بيدي الصغيرة وشرع يدندن لي أغنية ما زلت حتى اليوم أرجوه أن يغنيها لي: "يلا تنام، يلا تنام، لنجبلا طير الحمام...".

كانت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ممزوجة بالقلق والطمأنينة. غفوت في تلك الليلة، وفي أذني بقايا صوت والدي تدندن بصوته الهادئ أغنية الليل.

 

*****

 

حادثة أخرى. اليوم الاول لي في المدرسة. أوصلتني أمي ممسكة بيدي الى باحة المدرسة. نظرت حولي، كانت المرة الأولى التي أرى فيها هذا الكم من الأولاد يتراكضون وعلى ظهورهم حقائب كبيرة. شددت على يدها وتسارعت نبضات قلبي. شعرت كمن يسلب من أحضان امه الى الأبد. كم رغبت بأن أستدير وأهرع الى غرفتي، الى سريري ودميتي. شعور بالضياع اعتراني. أمي علمت ما بي، فانحنت ومسحت بكفها رأسي وقالت بهدوئها المعتاد وبنغمة مطمئنة: "لن أذهب، سأنتظرك هنا، أعدك سأبقى".

لم أشكك بكلامها لحظةً. كان صفي يطل مباشرة على الملعب. كم شعرت بأني محظوظة! جلست الى جانب الشباك وقضيت اليوم بطوله أراقب أمي تذرع أرض الملعب ثم تجلس على المقعد وترسل لي إبساماتها البعيدة من وقت لآخر. تلاشت الغربة في داخلي، مجرد رؤية أمي كان يمنحني الشعور بأني في بيتي.

رن الجرس، خرجت مسرعةً اليها وغمرتني بقوة بضحكتها الواسعة وهي تقول: أرأيت؟ وعدتك أني سأبقى ووفيت.

نعم، لم تخذلني أمي يوماً. منذ ذلك اليوم، ولم تترك وعداً الا ووفت به.

 

*****

 

كان لي ضفيرة طويلة نجدلها أنامل أمي بمهارة. وكان في صفي صبي شقي يهوى شد هذه الضفيرة. مر نصف العام الدراسي وهو يقوم بذلك. لم أخبر والدي خوفاً من ان أبدو ضعيفةً. لكن صبري نفذ بعد ذلك وأخبرت أبي.

في اليوم التالي، رافقني الى المدرسة ونادى الصبي وقال له بضع كلمات ما زالت عالقةً في ذهني: "اذا أعدت الكرة مع ابنتي سأقص لك شعرك!". كان في عيني الصبي نظرة رعب، شعرت بنصر مجيد!

انه نصري الأول، على يد والدي.

 

*****

 

تتالت الأيام معها الأفراح والأحزان. نجاح وشهادات وفخر في عيني أبي وأمي، كان أكثر ما يفرحني. احتفلنا معاً بنجاحي، وأطفآ شموع سنواتي الى جانبي. ملآ غرفتي بالهدايا في كل مناسبة. قضينا الأعياد والمناسبات والعطل معاً، لا نفترق.

وحين زرنا الطبيب كانا معي، يمسكان بيدي، وحين خفت ليلاً ركضت الى سريرهما واندسست بينهما طوال الليل.

كان أبي ظلي الذي يحميني ويقف الى جانبي ويساعدني وينجز أوراقي ويوصلني الى حيث أريد ويصالحني مع امي كلما تشاجرنا، ويصحح أخطائي ويعدُّ مفاجآت أعيادي ويأتيني بكل ما أحتاج.

وكانت أمي الحضن الذي ينقذني، الحضن الذي أعود اليه كلما ارتكبت حماقةً ما، فأشعر ببراءتي تعود الي وبطفولتي تكتسيني مجدداً. وكلما فقدت الأمان ردته الي ذراعاها. حتى عندما كانت "تحرحرني" وتعاقبني في طفولتي، كنت أعرف أني أستحق العقاب، فلا أغضب منها. كانت موجودة دائماً لتؤنبني حين أخطئ، ولتعيدني الى رشدي كلما فقدته.

كانت هناك، معي، تستمع الي أخبرها عن تفاصيل اللقاء الاول والحب الأول، ولتحتضنني حين كسر قلبي للمرة الأولى.

أبي وأمي، حاضران معي في كل تفاصيل حياتي، والآن حين أفتح عيني وأستفيق، سأركض الى غرفتهما وأضمهما بقوة....

 

*****

 

أفتح عيني. جسدي يتشح بالعرق الساخن، وفوق صدري يجثم ثقل كبير يقطع انفاسي منذ سنين. أول ما تراه عيناي، ذات المشهد الذي ترياه منذ فتحتهما لأول مرة. الحائط الأبيض المقابل لسريري، وعليه صورة السيدة العذراء وقد كتب تحتها باللون الأحمر: "ميتم سيدة الآلام". ما زلت هنا، في مكاني الذي كنت فيه منذ يومي السابع، حين أتى بي رجل وجدني ملقاة أمام باب داره. أنا، لم أعرف أبي وأمي.

طفولتي كذب وهم، حلم ضياع.

لم أعرف ثدي أمي يوماً، ولا مسحت رأسي بحنان، ولا احتضنتني يوماً، ولا انتظرتني في باحة مدرستي، بل أنا التي كنت طفلة، أنتظرها كل يوم أن تطل علي لتمسك بيدي وتعيدني الى بيتي، لكنها يوماً لم تفعل.

وحين مرضت وزرت الطبيب، كنت وحدي، أحتمل الألم. وحين اعتدي علي، لم أجد من يدافع عني. وكلما استحممت، حاولت جاهدةً أن أجدل ضفائري الطويلة لكنني لم أنجح مطلقاً، فاضطررت الى ترك شعري كما هو، مسدلاً.

عيد ميلادي، لم يذكره أحد، قضيته مع أوراقي وقلمي، بلا أب ولا أم ولا شموع ولا هدايا. العُطل والمناسبات، لم أعرفها يوماً، فكل يوم هنا يشبه الذي قبله والذي بعده، لا تنتظر أن يسأل عنك أحد، أنت لست سوى جسد في مأوى.

وحين خفت ليلاً، لم اجد أحداً ينام الى جانبي أو يغني لي، سهرت الليل مع الأشباح والساحرات، تحملت الخوف بمفردي. عندما نجحت، نجحت وحدي، وعندما فشلت، فشلت وحدي. وحين أخطأت ام اجد من يعاقبني ويصحح أخطائي، فكان علي ان أتحمل تأنيب الضمير واحتقاري لذاتي، انا وليس غيري.

وعندما وقعت في الحب، لا من يستمع لي، ولم أخبر احداً عن اللقاء الأول والقبلة الأولى. وعندما جرحت وبكيت، بكيت وحدي بلا كتف، وبقي الجرح نازفاً في داخلي.

هكذا كنت دائماً، وحدي، بلا طفولة.

وعندما سأفتح عيني الآن، لن أركض الى أبي وأمي لأنهما أبداً لن يكونا بانتظاري. عندما سأفتح عيني، سأرى على الحائط الأبيض "سيدة الآلام". سأبقى هنا، في هذا المكان، تتعبني ذاكرتي، فأنا لم أعرف يوماً أمي وأبي.

لين هاشم