العدد الرابع والعشرون - تموز

الخطوة الأولى الى قوميتي

منصور عازار
السبت 14 تموز (يوليو) 2007.
 

في الثمانين تنظر الى ماضيك، فاذا تأكدت من نسيان امر ما، فهذا يعني انه سقط من الذاكرة، لأنه لم يكن جديراً بالحفظ. الذاكرة تخوننا في الأمور العادية. الذاكرة تتخلى عن التفاهات، تسقط من حمولتها ما غثّ من الأفكار والأحداث. تفرز بدقة، بين القشور والألباب. في الثمانين، افتح نافذتي على ذكرياتي: هل انسى زوجتي؟ هل انسى ابنائي وبناتي واحفادي؟ هل انسى مسقط رأسي؟ وهل وهل وهل أنسى مواطن الأحداث؟ هل انسى فلسطين؟

في ذاكرتي هياكل لأحداث زينتها بالبقاء. تعصى على الأزمنة، لا يعلوها غبار. هي حاضرة حضور العقل والقلب. ومن بين ما حفظته بحنان وقوة، بثبات واخلاص، علاقتي بأنطون سعاده، وانتمائي العقلاني والواعي لقضية امتي. في ذاكرتي، انني كنت سورياً قومياً اجتماعياً، منذ نعومة وعيي، وسأموت رافعاً بيدي التحية، لأمة تحتاج الى من يتولى استيلادها من رمادها، كلما احرقتها احقاد الطوائف ومنازعات المذاهب وويلات الاحتلال وتقاسيم التجزئة، ومهاوي التخلف.

لقوميتي وامتي وسعاده، موقع التطلع الدائم في ذاكرتي. ولكم مرة سئلت، هل ما زلت قومياً؟ وكم مرة كنت اجيب: قوميتي هي ذاتي، هي اناي، وكم مرة كنت اردد: هويتي قوميتي، وليس طائفتي وعائلتي وعشيرتي ومنطقتي وكياني، فانسانيتي بكل قيمها واخلاقها ومفاهيمها، تنبع قواعدها من قوميتي.

من حقكم يا احفادي، وانتم تعيشون في عصر العولمة، وفي ازمة انزياح الحدود، وانشاء الشركات العابرة للقارات، والتجارة المتدفقة الى الأسواق، والعقائد السريعة التناول والهضم والتي تبطل صلاحية تصنيعها بعد فترة زمنية وجيزة، من حقكم ان تتساءلوا: هل هذا عناد موروث، ام تحزب اعمى، او تقليد يرث تقليداً، او مرض يدمن عليه الانسان؟ من حقكم ان تسألوا، اما زال جدنا منصور مؤمناً بمبادىء وافكار مستمدة من عقيدة عمرها اكثر من ثلاثة ارباع قرن؟

ومن حقي ان اجيبكم: الأفكار لا تموت. المبادىء لا تموت. القيم لا تموت. فكيف اذا كانت الأفكار موظفة في خدمة النهوض، والمبادىء تؤخر العمل الانساني، والقيم تشد الانسان الى الحرية والمساواة والعدالة والابداع والتقدم؟

لست نادماً، برغم ما اصاب قوميتي من خيبات ونكسات، ولست قادراً الا على اعلان انتمائي الأبدي الى بلادي، كل بلادي، بلا تفريق، بين كيان وكيان، وقطر وقطر، وبيئة وبيئة. لبنانيتي ليست ضد فلسطينيتي ولا ضد شاميتي ولا ضد اي ذرة تراب مغتصبة، من جبال زغروس الى رمال سيناء.

أهو تعصّب؟

لا. الحب ليس تعصبّاً. العطاء ليس تعصباً. الايمان بالحياة ليس تعصباً. الالغاء هو التعصب. حاولوا الغاء امتي، حاولوا الغاء فلسطين، حاولوا الغاء كل فضائل وتاريخ هذه الأمة. انهم هم المتعصبون. من يدافع عن امته بكل ما اوتي من قوة الايمان والفكر والعمل ، ليس متعصباً، بل هو مواطن متفان من اجل شعبه.

لو كانت امتي بخير وليست مريضة، لكنت اقل سهراً على يومياتها. اما وهي كالطفل المريض، فانني، كغيري من المؤمنين بها، نكثر من السهر على ضفاف صحتها وعلتها.

امّا لماذا انا قومي اجتماعي، وامتي سورية، فتلك حكاية تروى:

قبل اعلان الحرب العالمية الثانية، عُين رئيس جديد لمعهد الحكمة، وكنت تلميذاً فيها. هو الأب يوحنا مارون، الذي حمل افكاراً فيها الكثير من الحرية والانفتاح والتحرر. فشعرنا ونحن في الصفوف الثانوية ان موجة جديدة تجتاح مناخ المدرسة، وانه بامكاننا الحوار والنقاش بكل حرية، وانه بامكاننا ادخال كتب جبران وامين الريحاني وميخائيل نعيمة وكل ادباء النهضة المعروفين آنذاك، الى المدرسة لقراءتها، وانما بحذر شديد. يومها بدأت افكاري تتحرر من القيود والتقاليد. بدأت اشعر ان الحرية سمائي، وان الانسان مداي، وان الحياة اوسع من النصوص التي تراكمت في اجيال الماضي السحيق. وصادف ان عدداً من رفاقي في الصفوف، ومن التلامذة المنتسبين اليها، يحملون افكاراً جديدة متحررة. وكان احدهم (خضر عضاضة على ما اتذكر) ينتمي الى حزب جديد، ووزع على بعض التلامذة نسخاً من مبادىء هذا الحزب، وهو "مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي مشروحة بقلم الزعيم"، فقرأت هذا الكراس ووجدت ضالتي المنشودة، وان ما يكتنزه عقلي ووجداني لم يعد امراً غامضاً ومبعثراً. بات قناعة.

الحوار مع خضر عضاضة قادني الى التعرف الى عدد من التلامذة المنتمين الى الحزب ومنهم ادمون كنعان. وهكذا، تألفت اول خلية نشطت في المعهد لمناقشة هذه الأفكار مع زملاء الدراسة. اتسعت حلقتنا حتى بلغت العشرين.

لم يكن سعاده قد غادر الوطن، فعرف بهذه الحركة وسرّ بها كثيراً، ولكننا لم نتمكن من الاجتماع به، لأنه غادر البلاد ونحن ما زلنا على مقاعد الدراسة ومعظمنا من "الداخليين".

انتقلنا الى المتن، وهناك تعرفنا على من سبقنا في انتمائه الى الحزب، اذكرمنهم: انطوان ناكوزي، يوسف حنا، جورج نصار، جوزف خوري وغيرهم. وصارت لنا لقاءات مع الأديب جورج مصروعه الذي سبقنا الى الانتماء مع ميشال فضول.

في تشرين من العام 1939، قررت ان اقسم يمين الانتماء الى الحزب، فكان ان تعرفت الى الشاعر محمد يوسف حمود، وهو عضو في "لجنة الادخال" الحزبية. وكانت مؤلفة منه ومن محسن سليم والدكتور معلوف، فأمن لنا مكاناً في مكتب المحامي جورج عقل على البرج. وهناك صرت قومياً اجتماعياً، وفتحت امامي آفاق جديدة. وغمرني حماس شديد، مارسته عقيدة وتبشيراً في الصفوف النهائية في معهد الحكمة.

وكان ان عرفت الادارة بهذا النشاط الواسع للحزب، في وقت انتشر فيه حزب الكتائب بسرعة في منطقة الأشرفية وخصوصاً داخل معهد الحكمة بتشجيع من الادارة وبعض الأساتذة، ومنهم لويس ابو شرف، فاستدعتنا الادارة، وكان لنا موعد مع رئيس المدرسة الأب يوحنا مارون، وكنت أنتظر منه التأنيب والردع والتهديد بالطرد، اذ كيف يجوز لمجموعة من الطلاب الموارنة، وفي "الحكمة" بالذات ان ينشروا تعاليم تدعو الى الوحدة السورية والى الغاء الحواجز بين الطوائف؟!

فوجئنا بأن الأسئلة انصبت على: كيف تعرفنا الى هذا الحزب؟ هل تعرف مؤسس الحزب؟ ما عددنا في المدرسة؟ ما هي اتصالاتنا بالادارة الحزبية؟ اين نجتمع؟ من هم المسؤولون؟... اخذنا العجب. كنا ننتظر الى بعضنا بعضاً امام هذا الرجل الهادىء المرتاح الى اجوبتنا ووجودنا في المدرسة. وتساءلنا: هل هو على اتصال بالحزب وبمؤسسته، او هل هو مطلع على مبادىء الحركة؟ كان الاجتماع قصيراً ومشجعاً. اوصانا بدروسنا اولاً، وبالهدوء وبعدم الاصطدام مع غيرنا من الذين لا يحملون افكارنا ثانياً، لأنه لا يرغب بتحويل المدرسة الى ميدان صراع حزبي يلهي التلاميذ عن دروسهم.

بدأت تراودني، مع بعض زملائي من الرفقاء والأصدقاء، فكرة الانتقال الى الجامعة الأميركية، يجذبني اليها مناخ الحرية التي كنت اسمع عنه، وقوة حركة الحزب هناك، وتاريخ نشأته بين طلابها وعلى مقاعد صفوفها وفي الباحات الواسعة من مبانيها وجنائنها التي تطوّق الأبنية. وكانت قد تفتحت مواهبنا وتركزت افكارنا بالعقيدة واصبحنا نشعر بقوتنا، وبدأنا نتعرف الى رفقائنا الطلاب في المعاهد والجامعات الأخرى المنتشرة في العاصمة والضواحي مما زادنا ايماناً ويقيناً بقدرتنا على المواجهة في الحوارات والأحاديث التي كانت تحصل بين الطلاب آنذاك، الأمر الذي لفت أنظار المفوضية الفرنسية واركان الدولة آنذاك، فبتنا منذ ذلك الحين تحت المراقبة الشديدة.

اكملنا العام الدراسي (1938-1939) بنجاح ممتاز في امتحانات البكالوريا وعدنا الى قرانا ومناطقنا اشد ايماناً وحماساً للعمل في قرى ومزارع المتن، وبدأت تظهر قوة الحزب المنتشر في كل المناطق، واصبحنا جزءاً من كل يتحرك في نظام بديع، ولم يكن الشعب بعد قد تعرف او سمع كثيراً عن هكذا تنظيم من: اجتماعات ومناقشات ومحاضرات. تغيرت في الحقيقة اجواء المنطقة واصبحنا نلفت الأنظار، ونجذب نحونا الانتباه، ويراقبنا رجال الحكومة في تحركاتنا واجتماعاتنا ونحن لا نبالي اذ ان روح الصراع والجهاد كانت قد زرعت في نفوسنا وألهبت قوانا، فبتنا لا نهاب النتائج. واذ في هذا الصيف من عام 1939 تقع الحرب الكونية الثانية، فتنبهنا الى وجود قوى عالمية تتصارع. ومن التهم التي وجهت الى حزبنا انه يتعاون مع الألمان كونه يريد طرد المستعمر الفرنسي من البلاد، فبدأت الاعتقالات تطال المسؤولين الكبار في الحزب وبتنا امام حالة جديدة علينا التبصر والانتباه. لكن وجودنا في المدارس والجامعات رد عنا الكثير من الضربات، وكان بين الموقوفين آنذاك معلمنا واستاذنا جورج مصروعة ورفيقنا ميشال فضول من بيت شباب، اما نحن الطلاب في المدارس الثانوية والجامعات فلم يصل الدور الينا في ذلك الوقت. وبدأت الدروس وتمكنا من الحصول على غرفة في مبنى Bliss Hall، وكنا فيها اربعة طلاب جميعنا من القوميين. كان صف الفلسفة قد وصل تقريباً الى ثلاثين طالباً وكان منهم الأب اغناطيوس هزيم، البطريرك الحالي للروم الأرثوذكس وغسان تويني وادمون كنعان ونصري ابو سليمان .

كان صف الفلسفة في الـ I.C ومناخ الجامعة الأميركية العام (رغم ان الحرب العالمية كانت محتدمة) مناخاً للحرية والحوار، وكان القوميون الاجتماعيون متواجدين بقوة وسرية، حيث أن للحزب في هذا المكان تاريخ وأصالة، فهناك نشأ وهناك بشّر به سعاده فتى وشاباً لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره. والذكريات حول نشاطه كثيرة والتعلق به كان حتى التقديس عندما كنا نسمع عن شخصيته الفذة وهدوئه وصبره على الحوار وعمق ايمانه بما يبشر به ويعلم. وغدت دروسنا في الصفوف تتلاقى مع حواراتنا في ساحات الجامعة وجنائنها وتحت اشجارها. كانت هذه السنة تأسيسة في حياتي اذ انتقلت الى محيط اوسع واكثر انفتاحاً على النشاط الفكري، وتعمّقت في نفسي الميول نحو الشأن الفكري والعقلي، وباكراً جداً بدأ موضوع الدراسات الفلسفية وعلم النفس والمنطق يجذبني. كنت امضي ساعات وساعات في مكتبة الجامعة اقرأ وادرس واحاور رفقائي، فتعمقت جداً فلسفة العقيدة القومية الاجتماعية في عقلي ووجداني، وباكراً بدأت افكر بالمستقبل الذي ينتظرنا ونحن بعد على مقاعد الدرس في الجامعة، وما هي الاختصاصات التي يجب ان احضّر ذهني لها انطلاقاً من عقيدتي.

وبعد نجاحي الباهر في الفلسفة، كنت قد تمكنت من اللغة الانكليزية، فتقدمت الى فحص الدخول لأكمل في الجامعة دروس الفلسفة لأني كنت اشعر ان هذا المجال هو مجالي. وقد تعرفت على الكثير من الأساتذة في الجامعة الذين شجعوني على الانخراط في هذا الحقل، فتلك كانت امنيتي الى ان ظهر تنتائج الامتحانات ونجحت في الحصول على شهادة الجامعة والشهادة الحكومية معاً. وفي هذه الأثناء، ترسخت قناعات رفقائي الذين نجحوا معي بالانتقال الى جامعة الحقوق في اليسوعية لدرس القانون والتخرج للعمل في المحاماة، فاقتنعت بهذه الفكرة لكنها اخرجتني عن خط تفكيري الأساسي ووقعت اسير المستقبل لمحام شاب يتقن اللغات وعقله مسيّس، فشكلت تلك الخطوة تغييراً جذرياً في حياتي.

 

منصور عازار