العدد الرابع والعشرون - تموز

كم احبكم ايها الطائفيون

نصري الصايغ
السبت 14 تموز (يوليو) 2007.
 

ليتني استطيع ان اكون في مقامكم وموقفكم. حاولت ولم اهتد، سلكت، ولم اصل، علماً انني لست فاشلاً في كل شيء، واصبت بعض النجاحات الباهتة.

ليتني اكون مثلكم جديراً بالاحترام، اذا تكلمتم اصغينا، وان غضبتم خفنا، وان انذرتم ارتعبنا، وان غفرتم لأعدائكم وقاتليكم، كبَّرنا وهللنا.

ليتني مثلكم في طاعة اولي الأمر. فأنا اتفلسف واشذ عن جادة الصواب الطائفي. اخترع حججاً لعدم الامتثال وانحاز الى الاغتراب. ليتني مثلكم، سهل الاقتناع. ان جاءكم امر سميتموه حكمة، وان جاءكم بقول سميتموه وحياً.

ليتني مثلكم، كائن مختصر. قانع بما رزقتني به طائفتي وبما انعم عليّ مذهبي. ادافع عن حياضي بالمال وزينة الحياة الدنيا. ولا ابخل بالدماء اذا اقتضت الحاجة، فالشهادة للطائفة مثالها الاستشهاد. فما اقدس ما تقدمون عليه، عندما تندفعون جموعاً مؤلفة، خلف افراد قلة، لتذهبوا معه الى المرامي، الدانية والعالية.

ليتني اشبهكم، كائن قديم اصيل، اسجل ما يقال واتلوه، كما يتلو المؤمن صلواته، بتقوى الخضوع لزعيمه، والتسليم بفضائله، والعقبى على من اتبع الهدى السياسي. أنتم مواظبون على تلاوة بلا تعب، لكل ما يقوله الآباء والأجداد والأحفاد الذين تناسلوا من فراش الزعامة المقدسة.

ليتني احذو نعلي بنعلكم. فلكم فضيلة الاتجاهات كلها. انا واظبت على اتجاه واحد، فلم اصل، برغم جهود مضنية. قلت سأكون علمانياً، وفشلت. سأكون تقدمياً فتراجعت، سأكون مواطناً فلم اجد وطناً، سأكون نخبوياً فلم انتخب نفسي، سأكون مع التحرر فاغتالتني الحرية المقيدة، قلت سأكون، فلم اكن.

اما انتم، فيا رزقكم الله كم انتم موهوبون. ان قيل نذهب شمالاً تذهبون، وان قيل شرقنا تشرقون، وان طلب منكم ان تغيروا امهاتكم وجدتم اجمل منهن.

انتم ناجحون وعمليون واستراتيجيون وتكتيكيون، وتبرهنون على انكم متحررون من اي خط مسبق. بامكانكم ان تكونوا عرباً ان شئتم، غرباً ان شاؤوا لكم، بين بين، ان وجدوا ذلك مناسباً، في منزلة بين النفط والدم.

سبحانكم ما اعظم شأنكم. فأنتم الرابحون، في كل الاتجاهات المتناقضة، القومية، والانعزالية والتقدمية والرجعية والحضارية والقبلية. انتم الطائفيون الذين تصفون المعجزات والخوارق، ولا يرف لكم جفن او يندى جبين.

كم احبكم ايها الطائفيون، لا ممنوع عندكم، ولا مستحيل. تمحون باليسرى ما تكتبون باليمنى وتقرأون الممحي. مخلصون للممحاة اكثر من القلم. تتحالفون بعد المذابح المتنقلة، وتسامحون وتصفحون علناً، وقد تعادون من كان معكم، اذا لزم الأمر. فالأخلاق الطائفية تقضي بالاخلاص لقضاياها ورجالها ونسائها، مهما كانت شوائبهم. الطائفي على حق دائماً. ويا غيرة الدين .

كم اتمنى ان اكون مواظباً مثلكم على احترام المبادىء الخاصة، والمعايير الدقيقة، التي تزينون بها أخلاق وسلوك الطوائف الأخرى. بالعقل، الآخرون نعاج وقطعان، تابعون ومغلقون ومنغلقون. اما انتم اصحاب الحلل والنسب، فلا فوق فوقكم، غير من يأتي من فوقكم، دون اذن منكم.

كم اتمنى ان اكون مفتوناً بزعيمي الذي مهما فعل، كان على صواب. اذا سرق، فهو على صواب، اذا قتل، فهو على جادة الأخلاق والبطولة، اذا تخاذل وتراجع فهو في صراط الحكمة واذا عاند فهو في مقام التضحية. لم يحصل ان فتنت بطائفة او بزعيمها. كنت دائماً التصق بالناس فأراهم يلتصقون بمن هم فوقهم. وانا لا فوق فوقي، برغم اتضاعي ووضاعة حالتي من النواحي كافة.

غريب انا كسواي من الذين يشبهونني، من العاطلين عن الانتظام، والمؤيدين للفوضى الفردية، وليس الفوضى الجماعية.

لا استطعت ان اكون موظفاً طائفياً او مديراً لطائفة، او صوتاً في طائفة، او عضواً في مجلس طائفي، او رضيعاً من ثدي الطائفة، او جليساً لجماعة من طائفة. غريب، فانني لست من هذا العالم. او كأن هذا العالم لا يخصني.

تعقلت مراراً، قلت: يا رجل. كن كغيرك. حاولت، ولكنني رأيت غيري يشبه غيره ولا يشبه نفسه. انه يشبه التحول الدائم في صورة الزعيم المشتهى. ليس لي قدرة التحول التي يملكها. لا استطيع اللحاق به. اذا حاولت ان اكون معه عروبياً، وجدتني في منتصف الطريق اليها، فيما هو قد وصل الى واشنطن. انه "يكوع" بسرعة مذهلة ولا يتزحزح عن موقفه الجديد الا بموقف بديل. اليوم يقاوم وغداً يسالم. لا استطيع ان اكون بسرعة دورانه حول نفسه وحول طائفته. ان فعلت ذلك، اصبت بجنون وتدن اخلاقي مريع، اما هو، فيبقى رصيناً متزناً واقعياً يدري الظروف الموضوعية، مبرراً سلوكه الجديد، بخطاب يلقيه رئيسه. وكفى الله شر الحوار.

اشتهي ان اكون جديراً باتباع حيلته او حيله وذكائه.

استبطن بطناً شديداً، ربما بسبب ما تدربت عليه من اخلاق مثالية عفنة وغير مرغوب التداول فيها. تدربت على ان ارى الانسان انساناً، بلا نسب او لون او جنس او عرق او طول او عرض او حال او منصب او مذهب او دين... كنت اظن ان الأخلاق، كالخط المستقيم، اقرب مسافة بين نقطتين، نقطة الانطلاق ونقطة الوصول، فتبين لي، ان الطائفي عبقري جداً، فأقرب خط بين النقطتين، هو الخط المتعرج والمتراجع والمنسحب والمتقدم والمعوج والمنكسر. هو كل الخطوط باستثناء الخط المستقيم.

 

انا فاشل جداً.

لذلك، اعتذر من محاولاتي الفاسدة. "من اصاب له اجران ومن لم يصب فله اجر المحاولة". احذفوا هذا الأجر، لا اريده ولا استحقه. زيدوا الأجور للطائفيين.

واعترف علناً، بأنني احبهم ولكنني لست منهم ولن اكون. اعترف لهم بالدفاع المستميت عن طوائفهم، ضالة كانت ام مظلومة. اعترف لهم بالدفاع الدائم عن اسيادهم وزعمائهم، ان كانوا ابراراً او اشراراً، قتلة او مقتولين. اعترف لهم بتفوقهم على ذواتهم، اذ لا ذات لهم. افرضوها للطائفة مجاناً، او بسعر بخس (وظيفة او ما شابه من النيابة او سواها).

اعترف للطائفيين بأنهم اكثريات متناسلة وجديرة بالبقاء، والصراع والاقتتال، حتى آخر حبة تراب من لبنان.

اعترف ان لبنانكم هذا، جدير بكم.

كان علي ان اتعلم منكم، ليتني اكون مثلكم. لكنني لم اطق ابداً ان اكون واحداً من قطيع تقوده عصا الراعي، ولو كان راعياً صالحاً.

غريب انا... افضّل الذهاب الى الجحيم بحريتي، على ان اذهب الى النعيم الطائفي، مكبل العقل والقلب واليدين والعينين.

كم انا بائس ويائس. اخطأت في عنوان الولادة، ومكان الاقامة واساليب العمل، وطرق الكتابة على السطر.

كم انا اشبه الفشل. واكره ما آلت اليه حالي من اعتلال سياسي.

لذلك... اصرخ بأعلى صوتي: "اطردوني من جنتكم، فانني استحق جحيمي الرائع".

 

 نصري الصايغ