العدد الرابع والعشرون - تموز

علمانيو بلاد الشام المسلمون في عصر النهضة

جان دايه
السبت 14 تموز (يوليو) 2007.
 

ليس في ادبيات المؤرخين والباحثين اجماع على تحديد صارم لتاريخ بداية عصر النهضة ونهايته، وانجازاته، وخصوصياته في العالم العربي ومقارنته بعصر النهضة في فرنسا مثلاً، ناهيك بالتساؤل حول ما اذا كانت كتابات الرواد واعمالهم تستحق تسمية "عصر النهضة"، اذا اعتبرنا ان مبدأ فصل الدين عن الدولة هو احد المبادىء الأساسية للمشروع النهضوي. احدى التحديدات التي اعتمده في هذا البحث السريع وفي الأبحاث السابقة، هي التمييز مثلاً بين عصر النهضة في بلاد الشام وعصر النهضة في مصر انطلاقاً من وجود بضعة عصور نهضة في العالم العربي، حيث يتميز كل واحد منها بخصوصية، بدءاً بتاريخ ولادته، ومروراً بالمعضلات التي عالجها، وانتهاءاً بالمنهج الذي اتبعه الرواد. ثم ان عصر النهضة في سورية الطبيعية الغربية التي يسميها المصريون بلاد الشام، ليس سوى "فجر النهضة" بالمقارنة مع عصر النهضة في المانيا او فرنسا او المملكة المتحدة. واذا اخذنا العلمنة معياراً لمشروعية التسمية، نجد انها كانت حالة فكرية واجتماعية مستمرة ومتنامية ما لبثت ان تحولت الى احد البنود الأساسية في دساتير واعراف الدول الأوروبية وغيرها. في حين كانت، وما زالت عندنا، شعلة محصورة بيد النخبة، يشع نورها حيناً ويخفت في معظم الأحيان، خصوصاً في هذه الأيام. ومع ذلك، فقد اعتمدتُ مصطلح "عصر النهضة" انطلاقاً من نهج الخطأ الشائع الدارج في ربوعنا.

وعلى ضوء ما تقدم، أرى ان عصر النهضة في بلاد الشام قد ولد في العام 1846 بولادة باكورة الجمعيات الثقافية في عموم العالم العربي، والتي اطلق عليها مؤسسوها ومنهم المعلم بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي والمستشرق كورنيليوس فانديك اسم "مجمع التهذيب". وأرى ايضاً ان عصر نهضتنا في بلاد الشام المولود منذ 161 سنة، ينقسم الى ثلاث مراحل، الأولى تبدأ في العام 1846 وتنتهي بنهاية الاحتلال العثماني في العام 1918. والثانية تبدأ في العام 1919 بُعيْد احتلال الانكليز لفلسطين وشرقي الأردن واحتلال الفرنسيين للجمهوريتين السورية واللبنانية. اما الثالثة والأخيرة، فتبدأ منذ اليوم الأول للعهود الاستقلالية في لبنان مثلاً في العام 1943 وهي مستمرة حتى هذه اللحظة.

ثمة امر هام لا بد من التنويه به قبل القاء الضوء على علمانية الكواكبي، وهو ان اعتناق مبدأ فصل الدين عن الدولة والجهر به واتخاذ موقف على ضوئه، امر بالغ الصعوبة بالنسبة للمسلمين. ويعود ذلك الى الرأي الغالب، لا الوحيد، بأن الاسلام دين ودولة. من هنا سر رجحان كفة عدد العلمانيين المسيحيين في بلاد الشام على كفة عدد المسلمين العلمانيين، خصوصاً في المرحلة الأولى، حيث كان السلطان العثماني خليفة، وكان الدين في نظام السلطنة متداخلاً في السياسة، دستورياً وعرفياً. لذلك، آثر المسلمون العلمانيون تجنب امتطاء مركب العلمانية الخشن، مخافة نبذهم وتخوينهم، والاكتفاء بالتعاون مع العلمانيين المسيحيين عبر المؤسسات التربوية-التعليمية كالمدرسة الوطنية للمعلم بطرس البستاني، او المؤسسات الاعلامية المحصورة آنذاك في الصحف "كحديقة الأخبار" لخليل الخوري، و"لسان الحال" لخليل سركيس، و"التقدم" ليوسف الشلفون والتي ترأس تحريرها اديب اسحق، و"الزهرة" ليوسف الشلفون، و"النحلة" للدكتور القسيس لويس صابونجي، و"الجنان" و"الجنة" للمعلم بطرس البستاني وابنه البكر سليم، اضافة الى الجمعيات الثقافية "كالجمعية العلمية السورية" التي تأسست في العام 1868. والذين حاولوا الخوض في العلمانية في الحقبة العثمانية، توجوا مقالاتهم بأسماء مستعارة. وتدليلاً على مدى خشونة مركب العلمانية بالنسبة للمتنورين المسلمين في تلك الحقبة، انوه على سبيل المثال، بالحوار التصادمي الذي جرى بين "مسلم حر الأفكار" والامام محمد رشيد رضا.

قال "مسلم حر الأفكار" في جريدة "المقطم" القاهرية العدد الصادر في 4 آب 1899: "ههنا بحث لا بد لي ان اطرقه ولو كان قوم يخالفونني فيه، وهو انه يجب على الخاصة منا ان يعلّموا العامة التمييز بين الدين والدولة. لأن هذا التمييز اصبح من اعظم مقتضيات الزمان والمكان اللذين نحن فيهما". ذلك ان "الغرض المقصود من الدولة، والغاية التي تسعى الدولة اليها في زماننا هذا، هي غاية دنيوية محضة، واعني بها تأمين الناس على ارواحهم واعراضهم واموالهم وسن الشرائع العادلة لهم وانفاذها فيهم. وأما الدين، فالغاية المقصودة منه واحدة على اختلاف الزمان والمكان، وهي صلاح في هذه الدنيا، حتى يدخلوا جنات النعيم في الآخرة". وحدّد الكاتب الدين في مكان آخر من مقالته بأنه "الصلة بين الأفراد الذين يدينون به وبين خالقهم. ولكل انسان دينه. ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة." ردّ رضا على الكاتب الاسلامي العلماني بعنف في مجلته "المنار" في 12 آب 1899، حيث قال: "ظهر في المقطم قول جديد في مقالة نسبت الى "مسلم حر الأفكار"، لم يتابع به قائله مسلماً، ولن يتابعه عليه مسلم، لأنه ناسف لبناء الدين الاسلامي ومقوض لعمود بنائه، وهو زعم ان الدين والدولة أمران متبائنان يجب ان ينفصل احدهما عن الآخر. ولقد وجد للاسلام اعداء اجتهدوا في كل عصر بمحوه او اضعافه. منهم من حاول افساد العقائد بالتأويل. ومنهم من وضع الأحاديث الكاذبة. ولكن مجموع مفاسدهم ومضراتهم لن تبلغ بعض ما يرمي اليه هذا القول الخبيث الذي لم يخطر في بال ابليس. فهو ابلغ قول يشير الى احكم رأي لمحو السلطة الاسلامية من لوح الوجود. قاتل الله قائله، ولا كثر فيمن يدعون الاسلام من امثاله". ردّ "مسلم حر الأفكار" على الردّ في "مقطم"، 2 آب 1899، فقال: "يعيرني (رضا) بقوله عنّي:

يصف نفسه بأنه مسلم حر الأفكار، وما جاءت حريته الا من رق الكفار. فمن هم الكفار الذين يعنيهم؟ الأوروبيون الذين يعيبني على الدرس في مدارسهم، ام الانكليز المحتلون لهذه الديار؟ وقد قيل لي ان حضرته ليس مصرياً، بل هاجر الى هذا القطر من طرابلس الشام منذ بضعة اعوام. وعهدي انه لو قال في طرابلس الشام ليس للمسلمين اليوم خليفة ولا امام، لأطارته اعاصير السخط الى اعالي الغمام، ثم طوحت به صواعق الانتقام الى لج البحار. فمن اين جاءته هذه الحرية في الأقوال والأفكار؟ أمن الصّلف الذي فرق شمل الجامعة الاسلامية ام من رق الكفار؟"

ولكن، من هو "مسلم حرّ الأفكار"؟ انه الامام عبد الرحمن الكواكبي الذي لجأ سراً الى القاهرة في اواخر القرن التاسع عشر لنشر كتاباته الاصلاحية في الدين والدولة. وحين ردّ عليه رضا بسلسلة مقالات تخوينية تكفيرية، لم يكن على معرفة به وباسمه الحقيقي. وعندما جرت حفلة التعارف بير الرجلين، بدأ رضا ينشر كتاب "أم القرى" على حلقات في مجلة "المنار"، والمذيلة بأحد تواقيع كاتبها المستعارة "السيد الفراتي". وخلال نشر الكتاب، توفي الكواكبي مسموماً من قبل السلطان العثماني والخديوي المصري، فرثاه رضا في عددي ايار وحزيران 1902 من "المنار" بكلمات موضوعية وايجابية، ولكنه لم ينس التنويه بـ "المسائل التي خالفنا الفقيد فيها، واهمها الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية".

طبعاً، لم تقتصر آراء الكواكبي العلمانية على مقالة "المقطم" الطويلة التي نشرت على حلقتين. بل هو بدأ الكتابة حول الموضوع، ولو مداورة، في جريدته "الشهباء" عام 1877، ثم استأنفها، مباشرة، في جريدة "المؤيد" القاهرية، وعبر كتابيه "طبائع الاستبداد" و"ام القرى". ولكن كتبه وكتاباته التي كرر فيها فعل ايمانه بمبدأ الفصل بين الدين والدولة، كانت دائماً مذيلة او متوجة بأسماء مستعارة. ولنبدأ بآرائه العلمانية المداورة التي دشنها في افتتاحية العدد الأول من جريدته "الشهباء"، الصادر في 28 نيسان 1877. فقد اكد في مستهل الافتتاحية "ان الحامل لنا على نشر هذه الصحيفة هو محض الغيرة الوطنية والحمية العربية على ايجاد اثر حميد في وطننا السعيد الذي طالما رأيناه محتاجاً للسان حال يُترجم عنه واليه ويُخلص له النصح فيما له وعليه". وهو توقع الفشل "اذا لم تعضدنا يد المساعدة في تنشيطه ورواجه ممن يشترك معنا في الحواس من ابناء لغتنا عموماً وابناء وطننا خصوصاً". ويتميز الكواكبي هنا عن محمد عبده وجمال الدين الأفغاني اللذين، يصر الدارسون على وضعهما في سلة واحدة مع الكواكبي، رغم انهما اصدرا "العروة الوثقى" بدافع ديني في الدرجة الأولى، ناهيك بأنهما اطلقا اسماً اسلامياً على مجلتهما، في حين سمى الكواكبي صحيفة باسم مسقط رأسه ووطنه الصغير. وعندما لجأ الكواكبي الى القاهرة في اواخر القرن التاسع عشر، عبّر عن رفضه لداء الطائفية وسمى الدواء بلغة مباشرة. يقول في فصل "الاستبداد والترقي" من كتابه "طبائع الاستبداد" ان "الدين ما يدين به الفرد، لا ما يدين به الجمع". يضيق مخاطباً ابناء حلب وعموم بلاد الشام: "يا قوم ... اعيذكم من الخذي والخذلان بتفرقة الأديان، واعيذكم من الجهل، جهل ان الدينونة لله وهو سبحانه ولي السرائر والضمائر، ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة... يا قوم، ادعوكم الى تناسي الاساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على ايدي المثيرين. فهذه امم اوستريا واميركا قد هداها العلم لطرائف شتى واصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الاداري. فما بالنا نحن لا نفتكر في ان نتبع احدى تلك الطرائف او شبهها؟ فيقول عقلاؤنا لمثيري الشحناء من الأعجام والأجانب: دعونا يا هؤلاء، نحن ندبر شأننا، نتفاهم بالفصحاء، ونتراحم بالأخاء، ونتساوى بالضراء، ونتساوى في السراء. دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الآخرة فقط. دعونا نجتمع على كلمات سواء، الا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء اعزاء". وزرع الكواكبي في كتابه الآخر "ام القرى" العديد من العبارات المماثلة. وعلى سبيل المثال، فهو يقول على لسان الأمير: "ان حضرة السلطان المعظم يصلح ان يكون عضداً عظيماً في الأمر -اي الدين- اما اذا اراد ان يكون هو القائم به، فلا يتم قطيعاً، لأن الدين شيء والملك شيء آخر". وعندما قال له الصاحب: "ما فهمت المراد من ان الدين غير الملك وان السلطان غير الدولة"؛ اجابه الأمير: "ان احترام الشعائر الدينية في اكثر ملوك آل عثمان هي ظواهر محضة. وليس من غرضهم، بل ولا من شأنهم، ان يقدموا الاهتمام بالدين على مصلحة الملك. وعلى فرض ارادتهم تقديم الدين على الملك، لا يقدرون على ذلك، ولا تساعدهم الظروف المحيطة بهم، حيث دولهم مؤلفة من لفيف اهل اديان ونحل مختلفة."

وبقي الحال على ذات المنوال، اي اقتصار الجهر بالعلمنة على المسيحيين المتنورين، في حين اضطر المسلمون العلمانيون وهم قلّة، ومنهم الكواكبي، للاختباء وراء الأسماء المستعارة... حتى حل الاحتلال الانكلوفرنسي مكان الاحتلال العثماني. صحيح ان سيئات الاحتلال الجديد كانت فظيعة وكثيرة، ولكنه لم يخل من ايجابيات. لعل ابرز الايجابيات كانت توفير حرية التعبير عن مبدأ فصل الدين عن الدولة المقرون بتوفير الحماية للعلمانين المسلمين. وهكذا تأسس ابان الانتداب الفرنسي، وتحديداً في اواخر العام 1920، حزب سياسي في بيروت باسم "الاتحاد الديمقراطي". ينص المبدأ الثالث لهذا الحزب على الآتي[1]: "ان الحزب، مع احترامه لجميع الأديان على السواء، فهو لا يعترف لرجال الدين بأن ينتحلوا لأنفسهم حق تمثيل الشعب". ونقرأ في "غاية الحزب" ان الاتحاد الديمقراطي يعمل على "بث روح الأخاء بين ابناء البلاد على اختلاف منازعهم ونحلهم وتوحيد كلمتهم، وانتخاب الأكفاء لتولي المصالح، بقطع النظر عن الدين والمذهب". وانتخب المؤسسون هيئة ادارية ضمت الماروني والدرزي والسني والأرثودكسي والانجيلي الخ... وهم: الدكتور حسن الأسير، داود نحول، بدر دمشقية، الدكتور اسعد عفيش، خليل حسيب، جميل الحسامي، مخايل طراد، جميل بدران، محمد علي بيهم، اسعد خير الله، امين تقي الدين، جرجي نقولا باز، اسكندر البستاني، عارف كنفاني، وبولس الخولي. واجتمع هؤلاء من جديد وانتخبوا حسن الأسير رئيساً للحزب. والجدير ذكره ان رئيس الحزب هو النجل الأصغر للمربي واللغوي الشيخ يوسف الأسير الذي كان يدرس اللغة العربية في مدرسة المعلم بطرس البستاني. وهذا يعزز الرأي القائل بان بعض المسلمين المتنورين كانوا مؤمنين بفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية او غير مخوِّنين للقائلين به ولكنهم لم يتجرأوا على الجهر بايمانهم.

وكثرت الأحزاب العلمانية، خصوصاً في بيروت، وتميزت بالعدد الكبير من الأعضاء والكوادر، المسلمين، وبخاصة في الحزبين الشيوعي والسوري القومي الاجتماعي. ومن اعضاء الحزب الشيوعي المسلمين او المتعاطفين معه الأديب المبدع والساخر عمر فاخوري. ومن اعضاء الحزب القومي الكاتب والمجاهد الحموي الشهيد سعيد العاص.[2]

ولأن المداخلات تنتهي قبل ان تبدأ، فاني اختم، بأحد الرواد العلمانيين في الحقبة الانتدابية، وهو الطبيب خالد الخطيب. ولكن من هو خالد الخطيب؟ يجيب خير الدين الزركلي انه من مواليد 1900، ولد ونشأ في حماه، تعلم الطب في دمشق، ناوأ الاستعمار الفرنسي، والتحق بالثورة السورية عام 1925، اعتقل في سجن ارواد 18 شهراً، ثم حكم غيابياً بالاعدام. توفي عام 1937 نتيجة المرض.

ماذا عن مفهوم العلمنة لدى هذا الحموي السني؟

في صيف 1928، وضعت اللجنة المنبثقة عن الجمعية التأسيسية في دمشق مسودة صيغة الدستور. ولحظة وصول نسخة الى "الجمعية الوطنية السورية" في القاهرة، سارع سكرتيرها الدكتور خالد الخطيب الى ابداء ملاحظاته عليها وبخاصة المادة الثالثة منها التي تنص على "ان سورية جمهورية ودين رئيسها الاسلام". ويعلق هذا السني الحموي على مضمون هذه المادة بما حرفيته: "لعمري ان هذا التقييد في دين رئيسها، لمن المستغربات. أليست الرئاسة بانتخاب أكثرية الأمة؟ اذن فلنفترض ان اكثرية الأمة رأت في يوم من الأيام او ظرف من الظروف، ان الصفات المؤهلة لهذا المقام متوفرة في سوري مسيحي أكثر من جميع المسلمين، وأرادت ان تنتخبه لرئاستها، اتمنعونها وهي صاحبة الشأن؟"

ويجيب الكاتب المناضل على سؤاله بقوله: "لعمري ان السوري المسيحي الذي يستطيع ان يجمع حوله قلوب اكثرية الأمة ويحملها على انتخابه لمقام رئاستها، لهو جدير بهذا المقام. ثم ليس من الحكمة في شيء ان نظهر بهذا المظهر التعصبي في وقت نسعى فيه لاقناع الذين شذوا عن الوحدة السورية من الأقليات، بهذه الحجة. فان ذلك يزيدهم تعنتاً بشذوذهم وتمسكاً بعقيدتهم ويجعل احتمال الاتفاق بعيد المنال. لأن مثل هذا التقييد لا يمثل الانصاف وروح المساواة الأعلى. وما دام الأمر يعود بالنتيجة الى انتخاب الأمة، فليترك الأمر اذن على اطلاقه. ولا لزوم لهذا التقييد الذي يحول بين الأمة وحريتها المطلقة وما من ورائه الا التفرقة".[3]

وباعتبار ان خالد الخطيب هو رجل نهضة وبالتالي فان كلامه عن الطائفية والعلمنة هو كلام عالم اجتماع عقائدي، فان كلامه عن الطائفية قد دفعه الى ركوب مركبه الخشن مرة اخرى.

تحت عنوان "الدين والقومية" كتب الدكتور الخطيب يقول: "يدعي البعض ان النعرة الدينية هي احفظ لكيان الأمم وابقى على سلامتها، وان الجامعة الدينية امتن جامعة يلتف حولها الأقوام منشدين سعادة الحياة."

اضاف الكاتب، كأنه يرد مداورة على الأفغاني ومحمد عبده، قائلاً: "غير ان الأمر اليوم على العكس، فانت ترى ان الأديان في الوجود اكثر من ان تحصى، وكل فئة تعزز دينها وتعمل على نشره وترويجه. فبينما ترى الخطيب على منبر الجمعة يدعو إلى الإسلامية، ترى القس على هيكل الأحد يدعو إلى النصرانية، والحاخام إلى اليهودية، والبوذي إلى البوذية، وهلم جرا. ولكل داع أتباع يعدون بمئات الملايين."

ويؤكّد الخطيب، في سياق مقدمة رده، على حقيقة أساسية طالما رددها رواد النهضة السورية بدءاً من المعلم بطرس البستاني في نشرته "نفير سورية"، وانتهاء بالزعيم أنطون سعادة في كتابه "الاسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية"، فيقول: "اذا نظرت نظرة اجمالية إلى الأساسات التي شيدت عليها أركان هذه الديانات المختلفة الأسماء، لوجدتها تستقي من منبع واحد هو تقويم إعوجاج البشر وتسييره على الصراط المستقيم ليبلغ السعادة الأبدية". يضيف أن "كل الإختلافات التي تجدها في بعض الفروع، لا قيمة جوهرية لها."

ويستدرك الكاتب ليقول:"غير أنّك مع كل ذلك تجد أن كل فئة لا تريد أن تعتقد بصحة دينٍ غير دينها، وهذا طبيعي في حالةٍ كهذه لم يكن تلقّي الدين فيها والإنتساب إليه عن درس وتمحيص ثم تفضيل فاختيار. بل كان امراً تصادفياً لا اكثر ولا اقل."

ويقول الخطيب هنا كلاماً واقعياً لطالما ردده الكثيرون من العقائديين العلمانيين: "خلق المرء من ابوين مسلمين، في عائلة مسلمة، بين جيران وقوم نصارى، فلما دعي وجد ان البشر يدعوه نصرانياً، فكان نصرانياً. وهكذا البوذي واليهودي وغيرهما". ويؤكد الكاتب انه "لا هذا المسلم مسؤول عن اسلاميته، ولا ذاك النصراني مسؤول عن نصرانيته". ويتساءل: "كم يا ترى عدد الذين يدرسون الأديان درساً وافياً، ثم يختارون لأنفسهم منها الأفضل عن عقيدة رسخت في اذهانهم بعد البحث والتمحيص؟"، ويجيب بحق: "ان هؤلاء قليلون في البشر."

ويعود الى السؤال الأساسي: "هل بالمكان، والأديان كما عرفتها على ما هي عليه من التضاد، ان يدين البشر بدين واحد يجمع بين شتات القلوب ويؤلف بين الغايات، فتعم السعادة الحقيقية وتصبح المحبة مذهب الجميع؟" يجيب الخطيب: "ان هذا بعيد الاحتمال في العصور الحاضرة". واذن، "ليس من الصواب القول بأن النعرات الدينية احفظ لكيان الأمم وابقى على سلامتها، ففي كل يوم نرى الأدلة على بطلان هذا الادعاء ماثلة أعيننا بكل وضوح". ويضرب الكاتب مثلاً على صحة رأيه ب "فشل الدعوة اليهودية في فلسطين، وهذا العراك الهائل المستمر بين مساعي الجمعيات اليهودية التي تبذل القناطير المقنطرة من الذهب لترويج هذه الدعوة". والفشل ناتج "عن هذا الذي نسميه: وطن، ودين، وقومية. فان اليهودي الالماني مثلاً، مهما حاول حاخامه ان يلقنه حب الأرض المقدسة التي هي "ارض اسرائيل"، ومهما زين له حب التفاني في سبيلها باسم "اليهودية" فانه لا يستطيع ان ينقص ذرة واحدة من حبه لوطنه القومي "المانيا" الذي ملأ جميع نواحي قلبه، وان يحل محلها ذرة واحدة من حب ارض فلسطين التي ما خرجت عن كونها في نظره وعقيدته ارض قوم غرباء عنه اسمهم: العرب."

ويرى الخطيب انه "لولا سيطرة النعرة القومية على الشعوب، لما تحفز الألماني بالأمس لابادة الانكليزي، والافرنسي لسحق الألماني، وكلهم يدينون بدين واحد". وهذا يعني، بنظر الكاتب، ان "النعرة الدينية في الحالة الحاضرة، لا تصلح ان تكون بوجه من الوجوه رابطة قوية لحفظ كيان الأمم."

هنا يشخص الطبيب الحموي النهضوي داء سورية الطبيعية ويصف لها الدواء، فيقول:

"نحن قوم فينا المسلم والمسيحي. ونحن ضعفاء بين بقية الأقوام. واسباب ضعفنا كثيرة يضيق عن حصرها المقام. وكل سبب منها جدير بالبحث والايضاح على حدة لنعلم مكامن ادوائنا ونتخذ لها الدواء الناجع. وفي نظري -كما هو في نظر الكثيرين الذين عالجوا هذا الموضوع- ان من اهم اسباب هذا الضعف، هو تسرّب روح النعرة الدينية الى صفوفنا وانتشار الاعتقاد بأن الدين اقوى جامعة من القومية، ذلك الاعتقاد الذي اثبتنا بطلانه فيما تقدم."

اضاف الخطيب: "اننا ضعفاء، فنحن بحاجة الى القوة، لكي نعيش آمنين. وما دمنا نفكر بأن نستمد قوتنا هذه من جامعة الدين، فاننا لا نزداد الا تدهوراً في مزالق الضعف وتمادياً في طغيان مبين". وقال كأنه بيننا الآن:

"ما دام مسلمنا يرجو ان يستمد قوته في الحياة من الهندي او الأفغاني او البخاري او الفارسي المسلم، وما دام مسيحينا يأمل ان يستمد تلك القوة من الافرنسي او الانكليزي او الأميركي المسيحي... فان الضعف سوف يبقى ملازماً الاثنين ابد الآبدين ودهر الداهرين."

يختم الخطيب كلامه بالتأكيد على ان المسلم والمسيحي السوريين "ليس لهما ملجأ يستمدّان منه قوتهما الا القومية". لماذا؟ لأن "القومية وحدها هي التي تعطيهما القوة في الحياة. لنا قومية، فلنستمد قوتنا منها ولنعتز بها ما دامت بقية الأمم لا تعتز الا بقوميتها. وليعبد كل منا ربه في معبده، ولا يجعل لهذا صلة بذاك."[4]

ورغم قصر عمره، فقد كان لكتابات الخطيب تأثيراً كبيراً في الحياة السياسية للجمهورية السورية ايام الانتداب. أو لم يتبوأ فارس الخوري منصب رئاسة الحكومة السورية وهو اللبناني النصراني؟

 


 

[1]  حسب جريدة "البرق" لصاحبها الأخطل الصغير في 8 تشرين الثاني 1920.

[2]  وقد نوهت بعضويته في حزب سعاده الموسوعة الفلسطينية، الجزء 3 ص 552.

[3]  المقطم - 5 آب 1928.

[4] مجلة السيدات والرجال القاهرة-عدد ايلول 1928.