العدد الرابع والعشرون - تموز

مليارات من أجل تحقيق الحلم العربي

فايز فارس
الاحد 15 تموز (يوليو) 2007.
 

لم أكن أعلم أن مناخ البحر الميت مؤثر إلى هذه الدرجة التي تجعل الضمير يستفيق، والعقل البشري يتفتح وعياً ومعرفة وكرماً وعطاء. مضى زمن طويل مديد، لم أشعر فيه بفرح كالذي شعرت به في هذا اليوم السبت التاسع عشر من شهر أيار من العام السابع بعد الألفين ميلادية.. عندما رأيت بعينيّ اللتان ما زالتا مضائتان وسمعت بأذنيّ اللتان ما زالتا تعملان، أن حاكم دبي رئيس وزراء دولة الامارات العربية المتحدة محمد بن راشد آل مكتوم يعلن من "منتدى البحر الميت" وبالفم الملآن، أنه قرّر ومن دون مقدمات وطبل وزمر، تخصيص مبلغ عشرة مليارات من الدولارات الأمريكية (نعم! عشرة مليارات) من أجل نشر المعرفة في عالمنا العربي ومحيطه الاسلامي. هذا حدثٌ يستحق أن نتوقف عنده، ونلملم أنفاسنا وقوانا أو ما بقي منها، ونتأمل فيه ونصلي عليه ولأجله. فقد صليّنا في الماضي لمسائل ومشاريع أقل شأناً من هذا الحدث العملاق.

أنا المتعطش دوماً إلى المعرفة أبحث عنها لأشتريها وأهديها إلى المحب وغير المحب. أفرح بخفرٍ مطلع كل شهر، عندما أشتري بألفي ليرة لبنانية فقط لا غير، نسخة أو نسختين من كتاب جديد من سلسلة "عالم المعرفة" التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت. كذلك هو فرحي عندما احصل مجاناً على كتاب عند شرائي لجريدة السفير ولو مرّة واحدة في الشهر. فرحي هذا هو في الحقيقة فرح الآخرين، رأيته مرات عدّة يرتسم على وجوه أناس أكثر عطشاً مني بكثير إلى المعرفة وأكثر رغبة مني في اقتناء الكتب وحفظها والعودة إليها في كل مرة نشعر فيها أننا بحاجة إلى جليس أنيس. نشر المعرفة عنوان كبير سيتفوّق على كل العناوين، وأنشودة سترقص على ألحانها عظام أدبائنا وعلمائنا ومؤرخينا الذين رحلوا إلى دنيا الخلود، وتنبض على إيقاعها قلوب الأحياء منهم. نشر المعرفة يعني العمل على تعميم تعاليم الاسلام الحقّ، دين العدالة والمساواة والرحمة والتسامح، والانفتاح على الحضارات والثقافات كافة.

نشر المعرفة يعني أننا سنشهد إطلاق ورشة مستدامة يشارك فيها جيش من المترجمين الذين سينكبّون على نقل ما تيسر من المؤلفات العلمية والأدبية والفنية العالمية إلى اللغة العربية، ووضعها في متناول القارئ العربي ممهورة "بسعر الكلفة" وبعد أن يكون قد تمّ توزيعها مهداة على المكتبات العامة في المدن والقرى. نشر المعرفة يعني تشجيع المواطن العربي على البحث العلمي والكتابة والتأليف في كل الميادين، والتعهد بنشر أعماله. نشر المعرفة يعني توفير الكتاب المدرسي المجاني لكل طالب علم محتاج. نشر المعرفة يعني، أيضاً، دعم إنشاء فرق مسرحية وتمويل انتاج أعمال سينمائية راقية وتحفيز المواطن العربي على تعلم العزف على آلة موسيقية وإطلاق فرق إنشاد جماعي في كل مدينة وقرية...

نشر المعرفة يعني، أيضاً وأيضاً، العمل على تطوير وتمتين علاقاتنا بشعوب العالم قاطبة، وتقوية حضورنا الانساني والثقافي في قلب الجاليات العربية المنتشرة في الغرب "المسيحي" عبر دعم قدرات المراكز الثقافية العربية المتوافرة، ودعم إنشاء مراكز ونوادي جديدة مختلطة. فلا نعد نصرخ بعد اليوم "وأندلساه"!

وفي بيان صادر عن منظمة المؤتمر الاسلامي ومقرّها جدة، نقرأ أنها قررت انشاء صندوق خاص بهدف المساهمة في معالجة الفقر والتخفيف من وطأته في العالم الاسلامي، والقضاء على الأميّة ومكافحة الامراض المعدية، وبناء القدرات الذاتية مع إعطاء الأولوية للدول الاعضاء الأقل تقدماً. كما يتوقع أن يبلغ رأس مال هذا الصندوق عشرة مليارات دولار أميركية، ويعمل على طريقة "الوقف" الخيري.

إنه "الحلم العربي" الذي أنشدته منذ سنوات مجموعة من الفنانين العرب مع بداية الحرب الأميركية على العراق... في الانتظار. تحية إكبار إلى أمير دولة الإمارات في حربه على الجهل والتخلف، وأهلاً وسهلاً بكل الملوك والأمراء وكل أثرياء هذا العالم العربي، عند إطلاقهم لمثل هذه المبادرات.

 

فايز فارس