العدد الرابع والعشرون - تموز

أسراب الغربان المهاجرة الى مدينة تلتحف السواد

الاحد 15 تموز (يوليو) 2007.
 

 

تكثر الغربان في مدينة جدة مثل اليمام، تشعر أنها أصبحت جزءاً من مشهد سوداوي عام يتمرأى في الأسواق التجارية التي تزدحم بالنساء، كأنها الليل الذي يستر تلك النظرات التي تصطاد الشباب بشبقيتها. إيحاءات تفضح ذلك النظام المُكبل بالكبت والستر. لا يفهمها إلا أولئك الذين ألفوا المواعيد الغرامية في سيارات (تماهت مع النساء بلون زجاجها الغامق الدخاني). أما البعض الآخر منهم، لا يجازف بالتعرض للجلد تحت عنوان "حد الزنا"، فيجنح لخيار"السلم الأخلاقي".

ورغم شدة القوانين والتضييق، يجد البعض الفرصة ليمارس ما يحلو له لعله تخطى عقدة الخوف، فاسترسل في طقوس اللذة على طريقته، غير آبه بحقل الألغام الذي يسير فيه.

يقول لي زميلي المصري: "يا عمي ادّيها في المليان ما تخفش، غمزة واحدة وبتديك نمرة تلفونها أو تطلب نمرتك". لن يغريك المظهر الخارجي عندما تعرف كيف اختط بعض الناس طقوسهم الخاصة في ممارسة اللذة.

"هناك أماكن تشعرك أنك في دولة منفتحة"، كما همس في أذني أحد السعوديين، مضيفا "يبغالك فلوس وسيارة، عندها تفعل ما تريد". وعندما تسأله عن سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (او "المطاوعة" كما يطلقون على أفراد الشرطة الدينية)، يجيب :"اسكت يا خوي، حكي فاضي، هناك أمكنة ُيمنع "المطاوعة" من دخولها، لأن مالكيها من الأمراء ومشايخ النفط".

العامل الأجنبي معرض دائماً للمحاسبة، فالتعامل هنا على أساس جدلية العلاقة بين السيد والعبد. هو أول من يقاد الى ساحة "السيّاف" الذي ينفذ "حكم الله" على طريقة الذبح في العراق. فالذبح ليس عادة إرهابية، بل هو وسيلة تطبيق العقوبة على طريقة علماء الوهابية الذين يتفننون اليوم في نقد الإرهاب والقتل ودعوة الإسلام للتسامح، بعدما زرعوا تلك الجرثومة الخبيثة في رؤوس الآلاف من المؤمنين بدين واحد هو المذهب السلفي. 

قهوة محرمة

جافة هي الحياة كما هي الأرض اليباب، حياة خارج الحياة، لا تتجاوز سوى الطعام والنوم وساعات العمل الشاقة، أما وقت الفراغ فهو إما للقراءة أو لمشاهدة التلفزيون. الحياة الاجتماعية شبه معدومة. التسلية شبه غائبة إلا في بعض الأمكنة التي لم يكن يتاح لنا ارتيادها بكثرة بسبب غلاء الأسعار او البعد الجغرافي.

العلاقة مع الجنس الآخر شبه محرّمة حتى لو اقتصرت على فنجان قهوة في أحد المقاهي. حدث هذا مع زميل لي كان قد واعد امرأة في مطعم، وأثناء جلوسهما، دخل "المطاوعة" وسألوه عن هوية المرأة، فبادر بسرعة للقول "إنها زوجتي"، ومن حسن حظه أنه ينتمي الى "عشيرة" المتزوجين والا لكان مصيره السجن والتعزير. والمفارقة أن "الشرطة الدينية" لا تستطيع التدقيق في هوية المرأة التي غالباً ما تختفي وراء خمارها.  

بدوية تقود السيارة

يحدثني السائق الباكستاني بسخرية عن عدم السماح للمرأة بقيادة السيارة فيقول: "تستطيع المرأة أن ترافق سائقها "الأجنبي" الى أي مكان، لكنها لا تستطيع القيادة بحجة عدم الوقوع في الفتنة". والمفارقة الأكثر لفتاً للانتباه هي أن هناك نساءً في المجتمعات البدوية
-  والتي تعيش على الرعي في الجنوب- يقدن السيارة بعيداً عن أعين السلطات. قرأت تحقيقاً أعده أحد الزملاء عن نساء يقدن سيارة "بيك آب" لجلب الطعام للأغنام او إحضار المياه، وقد تسلحن برشاشات اوتوماتيكية للدفاع عن أنفسهن. بمعنى ما، المرأة في المجتمع البدوي هي السباقة لاستخدام وسائل التطور. 

لا تستطيع المرأة العمل في المحلات التجارية حتى لو كانت مخصصة للألبسة النسائية الداخلية، لكن البائع يستطيع أن يسترسل في شرح مميزات السراويل الداخلية وحمالات النهود  لزبوناته، مع مزيد من الإيحاءات التي تنتهي أحياناً بلقاء حميمي في غرفة تبديل الملابس.

نساء للبيع.. شرعاً 

ثمة ظواهر أخرى يمكن اكتشافها من أخبار المناطق البعيدة عن المدن، حيث تباع المرأة كالنعجة الى زوجها الذي لا يستطيع أن يأخذها الى منزله قبل دفع كل الأقساط المتوجبة عليه، مع إمكان معاشرتها في منزل ذويها. وهناك حالات حصلت فيها ولادات، ورغم ذلك لم يسمح الأب لصهره بأخذ زوجته قبل دفع المهر كاملاً.

يستطيع الزائر لمدينة جدة التقاط الكثير من المفارقات، ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الدور الجيوسياحي للمدينة الواقعة على البحر الأحمر. ثمة أشكال فنية تنتشر عند دوارات الطرق والساحات العامة تشير الى إرادة القيمين عليها إبراز الوجه الحضاري لمدينة هي محط رحال الحجيج القادمين من جميع أقطار العالم. هم ينزلون في مدينة الحجاج المعدة لهم بالقرب من مطار الملك عبد العزيز، في قلب الصحراء، ثم يتوجهون براً الى مكة عبر مدينة جدة، التي أعد سكانها من مواطنين ومقيمين مراكزاً تجارية خاصة بالبضائع التي يصطحبها الحجاج والمعتمرون كهدايا الى ذويهم وأصدقائهم في أوطانهم. من هنا تدخل المدينة الى مشهد "معولم" من بابه الواسع.

تلتقي أشخاصا يتحدثون مختلف اللغات، ويتمتعون بثقافات متعددة، اكانوا من زوارها ام من المقيمين. تنوع في المشارب والأهواء والأعراق واللغات، وكذلك البضائع والمأكولات. ليس من الصعب على الزائر ارتياد مطعم لبناني او اندونيسي او فلبيني. وهناك خيارات كثيرة للتسوق، وبسطات غير قانونية على قارعة الطريق يديرها الحجاج والمعتمرون الذين يأتون ببضائع بلدانهم، لا سيما الأفارقة الذين يروجون لأدوية من الأعشاب المنشطة جنسياً وأشياء أخرى، او أبناء الجمهوريات السوفياتية السابقة الذين يأتون بما خف حمله ورخص ثمنه.

ثمة ُبعد آخر للحج غير التعبد، هو هذا اللقاء المتعدد الثقافة، إضافة الى البعد التجاري. هناك من يستغل تأشيرة الحج او العمرة للبقاء والعمل بشكل غير مشروع، وتطلق الحكومة على هؤلاء اسم "المتخلفون".

جوهرة البحر الأحمر

يسحرك البحر الأحمر بمنظره الفاتن الذي يعطي جفاف الصحراء بعض ملامحه الجمالية. هو غني بأسماكه بما فيها القرش، وغني بالمنتجعات التي تغطي بعضاً من واجهته في منطقة "أبحر" الشمالية. لكن متعة السير مساءً على ذلك الشاطىء الذي يحتاج الكثير من الترتيب والتحديث، سرعان ما تصطدم بمشهد العائلات التي افترشت الأرض بكثافة الى جانب سياراتها المتوقفة عبثاً. مشهد لا ينقصه سوى أسراب الغربان التي تخطف ما تبقى من مأكولات الرواد. تكثر هذه "الافتراشات" يومي الخميس والجمعة، أي في العطلة الأسبوعية، وتمتد الجلسات التي لا توفر مكاناً، بما فيها قلب الصحراء، حتى الفجر أحياناً كثيرة. عادة ينصب المتنزهون خيماً، ويحضرون الطعام الذي غالباً ما يكون جاهزاً مثل "مناسف اللحم" و"الكبسة"، أو قد يرغب البعض بالشواء. إضافة الى ما سبق، توجد النرجيلة والجراك الذي هو عبارة عن نرجيلة ذات حجم كبير قد يصل طولها الى 150 سنتم، وذات تنباك ثقيل جداً.

ثقافة مجاملات

لا مجال للحديث عن حركة ثقافية نشطة سوى تلك التي تدخل في باب المجاملات، مثل مناقشة ديوان شعري لأحد الأمراء أو المشايخ أو المتنفذين. هناك لقاءات تسمى "الديوانية" تحاول ممارسة نشاط ثقافي، وغالباً ما تكون أدبية أو ذات بُعد ديني. يدلي خلالها كل من المشاركين بدلوه وتنتهي بمأدبة من الطعام الدسم.

مدينة بلا مسرح (سوى محاولات طلابية خجولة، غير مختلطة، يسيطر عليها الخوف الدائم من الوقوع في اطروحات "تابوية ")، مدينة بلا سينما، او قاعة عزف، برغم توافر أسباب الغنى والثراء فيها. طبعاً، هناك حركة نشطة على صعيد الفنون التشكيلية لا يمكن تجاهلها، كما ان الاهتمام بالتراث والمقتنيات الأثرية والجمالية وفن العمارة القديمة، يشهد تطوراً يمكن من خلاله استشراف مشهد فني مرموق فيما لو استمر العمل على تعزيز المتاحف والمعارض الفنية بهذه الوتيرة.

شعر نبطي

لعل الشعر النبطي "العامي" هو أحد أهم أشكال الحركة الثقافية. في هذا السياق، تكثر المسابقات والندوات الشعرية التي يغلب عليها طابع المديح، وتتعدد الإصدارات الشعرية التي يحاول الشباب من الجنسين احتلال الجزء الأكبر من مساحتها. يمكن القول أن ثمة محاولات ناجحة على صعيد كتابة الشعر الحديث وفن القصة التي تتغذى من قضايا الواقع.

ثمة لقاءات ثقافية يقوم بتمويلها بعض الأثرياء الذين يبتغون الشهرة الشخصية، لذلك تشهد هذه الجلسات بذخاً في غير محله، وتبقى أسيرة لمناقشات لا تخرج عن محدودية الفكرة التي يروج لها صاحب الدعوة، إضافة الى "الحتميات التاريخية" لسلطة الرقابة على أشكالها. في السياسة، لا مجال للخروج عن دائرة استعراض "منجزات" العهد. أما الفلسفة، فتبقى خارج البحث، اذ هي "نوع من الزندقة"، فـ "من تمنطق تزندق" حسب التراث السلفي. لذلك، لا وجود لقسم فلسفة في أي من جامعات المملكة برغم وجود مثقفين كثر يحاولون التغيير والدخول في التنوير، لكن نهايتهم إما السجون واما المنفى. ومن يبقى، عليه التعبير بالألغاز واستخدام الحيل اللغوية لإيصال فكرته.

المرأة أيضاً حاضرة بقوة في مجال الثقافة، وان كانت مشاركاتها في المؤتمرات والندوات من خلف الحجاب، او الدوائر المغلقة التي تفسح لها المجال للمشاركة صوتياً، ومتابعة الرجال من خلال شاشة التلفزيون على غرار قاعات الجامعات (حيث يلقي الأستاذ محاضرته على مجموعة من الفتيات المختبئات خلف ستار "القاعات المغلقة" لمنع الاختلاط). وأزعم هنا أن النساء في السعودية أقدر من الرجال في مسائل الأدب والثقافة، بل تدل بعض مساهماتهن في الصحف عن وعي جدي للواقع، وجهود كبيرة للنجاح في معركة تحدي مقولات ذكورية حول "دونية النساء"، ومحاولات دؤوبة للتغيير.

لعل الجانب الآخر من المفارقات هو هذا التعامل "الاجحافي" بحق الشباب. فالشاب العازب دائماً في موقع الاتهام، ومن تداعيات هذه النظرة الى العازبين عدم السماح لهم بالسكن في المباني العائلية على غرار الفصل العنصري رغم أن المجال متاح أكثر أمام المتزوجين للقيام بالمغامرات العاطفية خارج مؤسسة الزواج.

إن النشاطات التي تشهدها المدينة بهدف التنشيط التجاري والسياحي، أو كما يقول القيمون "التوعوية والترفيهية"، تستثني الشباب في حيز كبير منها، بل تضيق هامش حركتهم لدرجة أنهم يشعرون بان وجودهم استثناء في هذا المجتمع القائم على تقديس العائلة. لذلك تحظى بحصة اكبر النشاطات التي تقام على هامش المناسبات العامة مثل مهرجان "جدة غير" مثلاً.

اما البطالة، فتتصاعد في المجتمع السعودي، وقد حملت السلطات على السير في سياسة "السعودة"، وهي خطوات تأهيلية للمتخرجين يتم بعدها توظيفهم محل موظفين أجانب.

معمر عطوي