العدد الرابع والعشرون - تموز

شهيد الغبار الى غسان كنفاني...

ميرا صيداوي
الاحد 15 تموز (يوليو) 2007.
 

هكذا اعدت مونتاج موتك

 

 

"سأراك الآن"... مضى الرجل بصمته يجول في تفاصيل أفكاره، هو الآن متجمد واقف بين ذاك الخط الذي يفصل موته عن لحظة الحياة.

النبض ذاته يتأرجح في داخله كالمجنون، والصور تتراكم بسرعة البرق امامه، تبدو كأنها عرائش دمى ملونة، يحاول الامساك بها فتعلو منفلتة من امامه وتحلّق هاربة، كل شيء حوله متقطع، الوطن مثل المرأة، كعكة مذاقها سكر، ورائحتها سكر، تذكره بوجه عجوز غنّت له سابقاً.

تمرّ العجوز امام ناظريه، يوقف سيارته محاولاً تأمل تفاصيلها، يفكر في مناداتها: "أم سعد... أم سعد" لكن الصوت يتبعثر داخل فمه، ليتلاشى...

يستدير بسيارته متابعاً تأمل المارة، متسائلاً "ماذا لو لم تكن أم سعد حقيقة؟"

اعتلت ضحكاته فراغ الكرسي المجاور في سيارته. ازاح صورة المرأة العجوز من رأسه، وتابع مستمتعاً بعتمة الشارع الخافت. أدار الراديو محاولاً العثور على اغنية ما، لم يجد سوى صوت لا صوت له. تداخل الصوت مع صراخ رجل سمين في الشارع. تسارعت عيناه لالتقاط صورة الرجل، تردد السؤال في ذهنه طويلاً: "ألم تصبح اعضاء الرجال جميعها فارغة، كأبي خيزران؟!"

عاد صوت المذياع الى أذنه حاداً، حاول اطفاءه فلم يستطع.

الصوت المشوش قد يحطم فراغ الكرسي، همس الرجل وحيداً.

استدار بسيارته ليدخل الشارع الفرعي: "قبلت اول امرأة، واعتراني الجنون ليلاً، حين رأيت نفسي في المنام عارياً، كنت عارياً الا من هذا الحذاء. بدا مناسباً لونه لزفت الشارع الفرعي".

تابع الرجل حديثه ساخراً: "الجنس يغلي في هذه الزوايا من المدينة، وانا على وشك كتابة وطن جنّنه البعض ليصير كومة من بقايا جسد".

مرت سيارته ببطء داخل الأحياء الضيقة، متأملاً المارة ذاتهم. التمعت عيناه امام امرأة عجوز تحمل وعاء ماء على رأسها. احس برعشة في انامله، اراد البكاء فكتمه تحت ثيابه وراح يضحك.

قليلاً ويصل. فتشّ عن علبة دخانه، فلم يجدها. اوقف سيارته، دخل الدكان حمل علبة مارلبورو، فتحها، اخرج سيجارة، وضعها في فمه وعاد الى سيارته.

بدا له الهواء شاحباً، احسه يتسرب ببطء نحو انفاسه، ادار محرك السيارة متابعاً رحلته.

"أوشك على الغرق".. صاح الرجل... تداخلت أصداء الأصوات في ذهنه، "أحدهم قُتل"...

حاول النهوض، فلم يستطيع: : "الغبار يلتصق بي" صرخ مرة اخرى...

صار يبكي، تراكمت حبات الغبار على بدنه، مرّت امام ناظريه أم سعد، تأملته المرأة العجوز، راحت تغني، صرخ محاولاً ابعاد غنائها عنه، فلم يستطع.

عادت البيوت الصغيرة تتجمد امام ناظريه، المطر يتسلل الى البيت..."يما الآ نملك سقفاً؟!" أجابت الأم: "نحن لا نملك ارضية"!!

"فليتوقف الصوت، اخرسوا".. صرخ الرجل "اخرسوا".

ازدادت حبات الغبار تراكماً على جسده، الوطن صار لا ينجب. الوطن عاقر".

ردّد في نفسه آيات موته قائلاً: "اني الآن امشي وورائي يقف ظل الموت... اشهد اني شهيد الغبار...شهيد الغبار".

توقفت الوجوه المزدحمة عن الحراك، رفع ذراعه عالياً، نفض الغبار عن جسده ليمشي عارياً الا من هذا الحذاء... وعلبة المارلبورو...

عاد الجميع الى الصراخ.."مات الرجل في الانفجار... مات... الرجل في الانفجار"...