العدد الرابع والعشرون - تموز

إعترافات صغيرة

نادي قماش
الاحد 15 تموز (يوليو) 2007.
 

في الطريق من حلب الى حمص، وفيما عيناي تحتاران بين النظر الى التلفاز المعلق أمامي وبين الفوضى الحسية التي تتحرك على جانب الطريق المتراجع مع تقدم الحافلة المسرعة، تراءت لي صورة طفل في السادسة او السابعة من عمره، وقد بدت ملامحه مألوفة، وظهر في غفلة من الصورة يرتدي سروالاً قصيراً!.

 شعرت بالطقس معتدلاً، وأحسست باشياء أعرفها.. حتى المكان بدا يتحدد أكثر مع تداعي الذكريات بسرعة في عقلي المتعب من زحمة الافكار والأحداث التي مرت معي في اليومين الآخيرين.

المكان متجرٌ صغير في قرية نائية، يقع على مرتفعٍ من القرية يدعى "البيادر". وهو قطعة من الأرض اعتاد اهل القرية زرعه بالقمح والحمص سابقاً، وبعد ان برزت فيه بعض البيوت، انحسرت المساحة الزراعية فيه حتى اقتصرت على عملية "درس" القمح والحمص في موسم الحصاد.

الوقت كان عصراً والهدوء يخيم على المكان، وفجأة يندفع الطفل بسرعة كبيرة، يخرج من المتجر ويركض نزولاً، بدأت اتذكر قامته الصغيرة، أحس بتدفق الدم في عروقه، شعره الكستنائي المبعثر، وجهه الابيض المليء البريء، عينيه العسليتين الواسعتين، رجليه الصغيرتين.. قدميه ينهبان الأرض في خطى تتسارع كما لم تفعلا من قبل، قلبه الذي ينتفض يكاد يخرج من صدره.

الخوف!..الخوف!!. لا يريد ان ينظر الى الوراء، لا يريد ان يعرف كيف تبدو ملامح الرجل الغاضب الذي يلاحقه وينهره ان يتوقف! لا مجال للتوقف.. ينتابه شعورٌ ان عليه إنقاذ نفسه من أوجاعٍ محتمة، من لكمات قاسية، من صفعات متتالية تبعث في النفس خواء يتردد فيه صدى انينٍ عميق.. مستسلماً أحياناً، ومتصاعداً أحياناً اخرى.. الى درجة الشراسة!

هو لم يجرب بعد، لكنه رأى وسمع..!

توقف! توقف! توقف يا كلب!!

لا لن يتوقف، سيسرع أكثر، لكن الى أين؟

غير مهم، سيظل يركض الى ان يختفي هذا الصوت، فيكون الرجل قد تعب، أو تذكر شيئاً نسيه، أو عفا.. فيعود الى متجره، ويتخلص منه..

لكن الصوت بدأ يقترب!، غير معقول! فهو يركض بأقصى ما يمكنه، إذاً سيدعو "الست شعوانه" ان تنقذه: "فقط أشغليه بشيء، اي شيء، اجعليه يرضى، نعم انت قادرة ان تجعليه يرضى، احيانا يرضى فجأة! افعليها هذه المرة ارجوك يا ست شعوانه.. ياست شعوانه.."

بدا الطريق يزداد انحداراً، وخطواته الصغيرة بالكاد تلامس الإسمنت. بقيت أمتار قليلة على أول منعطف، ومن المحتمل ان يتوارى في مكانٍ ما إذا استطاع ان يظلله، سيتابع..ولكن!! انفاسه!! انه يشعر بانفاسه الغاضبة تلفح ظهره، سيمسكه! ماذا يفعل الآن؟ لو يخرج جارهم (ابو أكرم) الآن، بالتأكيد سيحتمي فيه.. لو... ماذا يفعل؟

بدأ اليأس يتسرب الى قلبه المرتجف.. سيلتقطه الآن، ماذا يفعل؟.. انه مصرٌ على معاقبته، وسرعته لم تسعفه باجتياز أكثر من 80 متراً، ليست كافية ليتعب هذا المتشنج الغاضب..

 توقاااااف!

خرجت مخيفة هذه المرة!! سيلتقطه في أي لحظة، سيعاقبه.. وفيما كانت الدنيا كلها تعانده وتصغر أمام جسده الصغير، فكر بحل! نعم سيتبول، سيخدعه! سيقول له انه يريد ان يتبول.. لن يخجل، يقول له انه شعر فجأة بذلك، وبالتأكيد سيدعه يفعلها من غير ان يضربه! بالتأ..

 أبي أبي أريد ان أتبول..!

 قالها في نفس اللحظة التي كانت اليد القاسية تمتد الى كتفه النحيل..

توقف توقف، لا تخف!!

خرجت كلماته ناعمة حنونة رقيقة هذه المرة!

 استدر الى الحائط ، انزل سروالك، وافعلها ،لا تخف يا بني لا تخف..

 يا الله.. أرجوك!

 نادى الوالد وكأنه يستغفر الله عن ذنب ارتكبه وشعر بمرارته فجأة!

ابي لا استطيع ان اتبول..

لا عليك ارتدي ثيابك.

وفي لحظة صار بين ذراعيه يتكئ برأسه على صدر والده الذي تحول فجأة الى كتلة حنان، انقلبت زفراته الغاضبة الى انفاس عذبة تهدئ من روع طفله المجزوع.

انها المرة الأولى التي أتذكر فيها هذا الطفل بوضوح الى درجة اللمس! المشهد كان بعيداً، حوالي عشرين سنة، والطفل كان بريئاً جداً، وما فعله كان متناقضاً خطيراً.. كيف خطرت له تلك الفكرة، كم كان خائفاً ويائساً حتى يبتكر هذه الكذبة التي انقذته وحولت غضب والده الى رضى! هذا الطفل.. انه.. نفسه ينظر من زجاج الحافلة بعد ان كبر عشرين سنة وتغير حتى نسي نفسه.. او هكذا يظن.. دمعتان حارتان خرجتا من عيناي بدلتا الموقف، قد لا أكون نسيت، اني أتذكر!

هذا انا يا حبيبة، احاول ان أصلح الأشياء فأفسدها، أحاول أن اكون صالحاً فأسيء التصرف، أحاول ان احترمك الى اقصى درجة، فأتصرف كما لو كنت مجنوناً غبياً، هذا انا لا اعرف ان كنت استحق العطف ام العقاب.

عندما كنت صغيراً الى تلك الدرجة ولحق بي أبي، فلأني شتمت اختي شتيمة سوقية بشعة، كان يريد ان يربيني..

 لكني سمعت هذه الشتيمة نفسها منه هو! ووجهها الى امي مرات ومرات.

يا حبيبة انا سمعت انين امي كثيراً عندما كنت طفلاً، وعندما كنت غير قادر على الدفاع عنها، قررت ان لا اتصرف مثله عندما اكبر!

ابي حُرم من العلم وهو بعد لم يكمل سنته الثانية في المدرسة.. طرد من المدرسة لا لشيء الا لأنه لا يملك ثمن الكتب، ولا تستطيع جدتي، بقروشها القليلة التي تجنيها من تنظيف منازل الميسورين في البلدة ان تدفع له ثمنها، وهي بالكاد تستطيع تأمين إيجار الغرفة التي تقطنها مع ولدين وطفلة لم تكمل الثالثة من عمرها!

ابي هذا عندما "قرصه" الجوع بين احضان امه، قَبِلَ وشقيقه الذي يكبره بثلاث او اربع سنوات ان يعيش مع والده السكير وزوجته الجديدة. فلما اشتهيا المثلجات التي كان اترابهم يلتهمونها امامهم، قررا ان يأخذا بعض زجاجات العرق الفارغة والتي كان والدهم المحترم يدخرها ليستبدلها بزجاجات مليئة، فيعطيانها لبائع المثلجات بدل قطعتين يُرضيا بهما طفولتهم المحرومة. لما عاد والدهم في المساء، اخبرته زوجته "خالتهم" بما حصل.. فأعمل بهما قضيب الزعرور حتى كلت يداه الآثمتان، فعادا في صباح اليوم التالي الى امهم المسكينة وآثار دموعهم لا تزال ظاهرة كالطرقات الترابية على وجهيهما الصغيرين.. وأرجلهم تكاد لا تقوى على الوقوف من شدة الضرب!!

أخبرني ابي هذه الحادثة يوم ألحيّت عليه ان يتناول قطعة مثلجات من متجرنا، مستغرباً منه هذا الكره الشديد للمثلجات. وعندما انهى قصته.. تناول قطعة لأول مرة منذ ان كان صغيراً!

لم يشفى ابي تماماً من آثار القضيب الذي كان والده يعمله على جسده الجائع عندما كان صغيراً، لأن خطوطها لا زالت تظهر بين الحين والآخر غضباً غير مبرر معناه..

عندما تذكر ابي سبب كرهه للمثلجات، او بالاحرى عندما اكتشف ذلك، صار يأكلها باستمرار ويحبها كالاطفال..

وانا الذي صرت أتذكر بعضاً من طفولتي، وأكتشفها، وأتجرأ على الإعتراف بها، هل استعيد توازني واتوقف عن ابتكارالأسباب التي تبرر للآخرين أخطائي، وتكون مذهلة احياناً بتبديل الموقف لمصلحتي، فيما اضل اتراكم على نفسي إثماً وخطيئةً وكآبة؟؟؟...

 

نادي قماش