العدد الرابع والعشرون - تموز

قبلة في العينين

لين هاشم
الاحد 15 تموز (يوليو) 2007.
 

بحزن جدار قديم لا يمر به أحد، تمر بجانبي.

بحزن عينين لم تعرفا النور، أنظر اليك.

بحزن أيام مضت ولن تعود، نقضي أيامنا.

بحزن بيت خال الا من ذكريات بعيدة، نتذكر بعضنا ليلا".

بحزن عبق وردة تأخذك الى البكاء، والى طفولة لن تعود أبداَ...تتنشق عطري بين طيات ملابسي.

بحزن من حوله المئات وهو وحيد، نجلس معاَ.

بحزن الوداع الأخير، وسماء فيها غيوم بلا نهاية، نرسل القبلات لبعضنا في الهواء.

بحزن العناق تحت قطرات المغيب، نتعانق.

بحزن تائه في الشوارع والمطر، نمشي في شارعنا.

بحزن السائرين وحدهم في شارع الحمراء ليلا"، أسير الى جانبك.

 

بمرارة الخسارة الحتمية، نعرف ان هذه اللحظات ستمسي ذكرى بعد أيام. تحتضنني، تسحبني الى داخلك، تأخذني بين ذراعيك، تقبل عيني، فراق قريب. أقبل داخل كفك كي تبقى ممسكا بقبلتي في كل الأوقات.

 

بمتعة حب ممنوع، مسروق من الزمن، أغمرك وتغمرني. بشوق المرات الأخيرة والنهايات، أشدك الي بقوة.

أقول لك: " أجمل ما في قصتنا أنها ولدت غريبة، ونهايتها قريبة".

تقول: "لنعش اللحظة، قلبي بين السماء والأرض يتأرجح فيك".

 

كفرح طفل تعلم للتو حرفه الأول، أفرح، حين تعلمني كلمات جديدة، يقولونها في ضيعتك. تقرأ على مسامعي قصيدة، وببهجة من يمر حلمه أمامه، أصغي.

 

بحزن شجرة تنظر الى اوراقها مبعثرة تحتها، ولا تقدر على جمعها وضمها من جديد، ننظر الى هذا الحب الذي ولد غير شرعي فكان علينا أن نجهضه.

 

هكذا القدر، بأغنية ورحلة صغيرة، ببضع كلمات ونظرات، وعناق وحيد، جمعنا. انتشلنا من كل الأماكن والاوقات ووضعنا معا"، في مكان واحد، ووقت لم نتوقعه أبدا". طوال ذلك الوقت كنت أمامي، وكان الحب حاضر بيننا، لكننا كالحمقى، لم نكتشفه ولم نعترف به، سوى بات كل منا على وشك الرحيل.

 

بحزن ليل يرحل دائما" قبل أن يصل الصباح، أفارقك.

بحزن ثلج يذوب وينتهي، أذوب فوق صدرك المتعب.

 

معك اكتشفت ان الحرمان هو الحب، وانه كلما عرفنا أن النهاية آتية، نتمسك بكل قوتنا بقصتنا. تمسك بيدي، ننهض، نلملم أغراضنا بصمت الموتى، نخرج من الباب، شبحين مشتاقين للحياة، نغلق الباب، أقبلك في عينيك. تقبلني في عيني. قبلة في العينين. فراق أخير.

 

******

 

كلا. ليست تلك نهايتنا. قصتنا أجمل من أن تنتهي هكذا. نهاية أخرى:

 

معك أستطيع أن أكون أنا. أن أبكي متى أريد، أن أقترب، أن أبتعد، أن أصرخ، أن أضحك، أن أصمت. معك، أستطيع ان أشتكي الى عينيك الحزينتين، اللتين دائما"، أرى فيهما دمعا" لا ينزل وفرحا" لا يسيل.

معك، أكبر وأكبر ثم أصغر لأعود طفلة. معك، أقوى وأضعف، وأغني وأكتب وأقول شعرا".

 

معك، عرفت كيف تصبح الأماكن والأزقة أحلى. بت حين نمشي معا"، وتمسك بيدي، أنتظر هبوب الهواء أو قدوم الشتاء. كل شيء له طعم جديد، طعم سعيد، حين تكون حاضرا" فيه.

 

تواطؤ خفي يجمع نظراتنا. تواطؤ حب. نعجز عن اخفائه، نضحك بشبه خجل، كمن يجهد كي لا يبوح بسر مكتوب على جبينه. نفشل. تقول مازحا": "مجنون من يظن أن بمقدوره ان يخفي حبه".

 

بحرية طير يدور في كل السماوات، ويزور كل الغابات، لكنه كل ليلة يعود الى شجرته، ينام في أحضانها، يعلق ذكريات البارحة على أغصانها، ويغفو. هكذا أحبك، وأغفو على كتفك. هكذا انت، علمتني اننا عندما نحب بحرية، نحب حقا". فليس حبا" أن نبقى مخلصين لمن يقيدنا، بل الحب هو ان نمشي ونبتعد ونرى ونعرف، لكن طوال الطريق، نبقى بكل ما فينا لمن نحب، ونعرف اننا سنعود.

 

بصدق دمعة في عيني من على وشك الرحيل، ضممتني الى صدرك ذلك اليوم. تسارعت دقات قلبينا بجنون من يقفز من السماء الى الأرض، ولم تتوقف الا بعد دقائق من انتهاء عناقنا. سألتني بصوت بالكاد سمعته: "هل هذه الدقات التي أشعر بها، دقات قلبك ام قلبي؟". بتلقائية أجبتك: " لن تفرق بينهما، فدقات قلبي وقلبك ممتزجة معاَ ".

 

بشغف شاعر يكتب ويكتب ولا يتوقف، يحب بلا نهاية، نكتب بعضنا بعضا". عن موعدنا الاول قلت "انه بداية قصيدة"، ثم تابعت أبياتك: "انت بكرا، ورح امرق اليوم، تا كون عندك ذكرى".

 

بحنين أغنية قديمة، وشرفة عتيقة من الطفولة، أدندن لك: "بكرا انت وجايي رح زين الريح...خللي الشمس مرايي والكنار يصيح...". لأني كثقة من يعرف وجهه في المرآة، أعرف اننا سنعود. طيران مهما ابتعدا، يعودان. قبلة في العينين، فراق...وعودة.

 

*****

مهلا"، لن ترحل ولن أرحل. قصتنا أجمل من ان نفترق. طيران يبقيان معا". قبلة في العينين ليست فراقا"، بل قصة لا تنتهي.