العدد الخامس والعشرون - آب

نهاية المثقفين

سركيس ابو زيد
السبت 18 آب (أغسطس) 2007.
 
New Page 1

أنعي اليكم بمزيد من الأسى والأسف والحزن...ما يسمى "مثقفين".

المثقفون في لبنان ماتوا، انتهوا.

أقول المثقفين لا الثقافة، التي هي انتاج حضاري وابداع حر وتغيير مستمر. المثقف كما أفهمه هو شاهد على العصر، وناقد لكل سلطة وصاحب موقف جريء ورأي سديد ورؤية مستشرفة.

في لبنان، تحول المثقف الى مستشار لرب عمله (صاحب السلطة) وموظف على أبواب السياسيين ومرتزق في بلاط الأمراء، وانتهازي يبدل رأيه ويغيِّر مواقفه كما يبدل أحذيته وملابسه.

قيل "أنا أفكر اذن انا موجود"، وقيل أيضاً: "أنا أفكر اذن أنا أقول لا". باختصار، التفكير هو النقد والرفض والتغيير واعادة البناء. والمثقف هو المفكر الذي يقول لا للاستكبار وللسلطان المستبد، ولزعيم طائفة أو رئيس حزب، أم لمسؤول سياسي. لا من يتفنن ويتفذلك ويتذاكى بشتم الآخر المختلف عنه، ويتعامى عن أخطاء جماعته وقبيلته وعشيرته وحزبه وطائفته، فاذا به أكثر شراسة وعنصرية وفاشستية من قيادته.

شبح الحرب يخيم على البلاد، خطابات السياسيين وحوار طرشان. والذين يدعون بأنهم مثقفون، يتفرجون غائبين، يعبئون جماعتهم غرائزياً بكل ما لديهم من أدوات فكرية يمنية كانت أم يسارية من أجل الغاء الآخر.

السياسيون يتحاورون أحياناً، أما من يسمون أنفسهم "مثقفين" فلا يتحاورون. لا حوار، لا نقد ذاتي، ولا تواصل فيما بينهم. انهم يؤججون القطيعة بكتاباتهم واطلالاتهم التلفزيونية وأحاديثهم في المقاهي والمنتديات.

سؤال بسيط: لماذا لا يتحاور المثقفون لايجاد حل أو مخرج للمأزق السياسي؟

الجواب: لأنهم ماتوا، انتهوا، لم يعودوا موجودين. أصبحوا مثقفي طوائف وعصابات متقاتلة وعائلات وشركات متوحشة، خاصةً أولئك الذين كانوا مثقفين يساريين، وما زالوا يحملون في قلوبهم وعقولهم خيبات الأمل والفشل وحقد الاحباط وديالكتيكية الديماغوجية الى حد الكذب والانتهازية والسفسطة والتبرير.

هل ان العولمة وفرت للانسان المعاصر كثرة المعلومات وسعة أوقات الفراغ، فأضعفت ملكة التفكير والنقد والجرأة والأمل بالتغيير، وأغرقته في عالم الثرثرة واللهو والسخافات؟

أم أن هذه الحالة محصورة في لبنان الذي يواجه واقعاً من الفوضى والضياع والأبواب المغلقة، ما أفقد المثقف الوعي وارادة التغيير، فانصرف عن العمل والنضال الى الكسل والانهزام  ومسايرة أمراء الواقع؟

المثقفون في لبنان انتهوا، لكن الثقافة لن تنتهي، لأن ثقافة الحياة كانت دوماً الأقوى.